حوار

بوكوس: البعد الثقافي غائب في النموذج التنموي

عميد “إركام” قال إن استقلالية معهد الأمازيغية ضرورة

قال أحمد بوكوس، عميد المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، إن الرأي العام صدم بالمحاولات التي تدفع نحو استقلالية معهد التعريب، رغم موافقة مديره على العمل من داخل المجلس الوطني للغات والثقافة الأمازيغية، مشددا على أنه من الضروري الحفاظ على استقلالية “إركام” في ما يتعلق بموارده المالية والبشرية، والصلاحيات التي مكنها منه الظهير الملكي، وأن ألا تكون علاقته بالمجلس مبنية على مركزية مفرطة.
وأضاف بوكوس، أن البعد الثقافي غائب في النموذج التنموي الجديد، فرغم أن اللجنة تضم بعض الأساتذة والمثقفين، إلا أن الشق المتعلق بالثقافة واللغة الأمازيغيتين غير حاضر.
وفي ما يلي نص الحوار:

أجرى الحوار: عصام الناصيري – تصوير (عبد المجيد بزيوات)

> أثير نقاش كبير داخل الحركة الأمازيغية عقب تقدم الأغلبية بمقترح تعديل يقضي بمنح الاستقلالية لمعهد التعريب، كيف استقبلتم هذا الخبر؟
> أريد أن أوضح في بداية الأمر أني أتكلم باسم المعهد الملكي للثقافة الأمازيغية، وليس بلسان الحركة الثقافية الأمازيغية. تقدمنا منذ البداية بتحفظ فيما يتعلق بموقع المعهد في إطار مشروع قانون المجلس الوطني للغات والثقافة الأمازيغية، واعتبرنا أن الإطار القانوني والمرجعي، الذي يحدد صلاحيات المعهد هو الظهير الشريف لـ 17 أكتوبر 2001، واشتغلنا في إطاره منذ 2002، وحققنا مجموعة من المنجزات التي تهم البحث العلمي ودعم الجمعيات، وشكلنا سندا للفاعلين في حقل الأمازيغية، ونعتبر إجمالا أن حصيلتنا يثمنها الجميع.

> يفهم من كلامكم، أن المعهد لم يرغب يوما في الانضمام إلى المجلس الوطني للغات والثقافة المغربية؟
> أن يتوفر المغرب على مؤسسة وطنية تصوغ الإستراتيجيات اللغوية والثقافية، وتجمع الباحثين، لا يمكن إلا أن نصفق له، لكن يجب أن تكون مبنية على التعددية وليس على الأحادية. وفي هذا الصدد فقد رفضنا إقصاء الأمازيغية والعبرية والحسانية والدارجة، وبعد مجموعة من الحوارات، توصلنا إلى حل توافقي يراعي وضع المؤسسة والعاملين فيها، لأن عددنا يصل إلى 104 موظفين، وضعيتهم الإدارية، خولها لهم النظام الأساسي للمعهد، والذي نريد أن نستمر في العمل وفقه، وألا نتخلى عن بعض الصلاحيات، التي منحها صاحب الجلالة من خلال الظهير الشريف المحدث للمعهد، من بينها صلاحية النظر في السياسة اللغوية والثقافية المتعلقة بالأمازيغية، وإبداء الرأي في كل ما يهم الأمازيغية. وكان المعهد أول من تقدم للديوان الملكي، بملتمس ترسيم الأمازيغية في 2006، وقام بمجموعة من المهام العلمية، من قبيل التهيئة اللغوية على أساس المعطيات اللهجية، واتهمنا حينها بأننا أنتجنا لغة مختبرية، لكن اليوم اتضح أننا بحاجة إلى لغة موحدة للهجات. غير أنه وبعد خروج مشروع القانون الذي تدوول داخل البرلمان، لم يجد معظم أعضاء الجنة أنفسهم فيه.

> هل تعتبر الحركة الأمازيغية والمعهد بشكل خاص أن استقلالية معهد التعريب تضرهما؟
> في الواقع هذا الأمر لا يضر أحدا، لكننا نرغب في مؤسسة تجمع اللغات والمؤسسات التي تعنى باللغات المغربية والتعبيرات الثقافية، لكن لم نفهم لماذا تم إخراج معهد التعريب، رغم أن مديره وافق على ضمه إلى المجلس، خلال جلسات اللجنة الأولى التي كلفت بإبداء المقترحات. وما نرفضه نحن هو تجريد “إركام” من موارده المالية البشرية، لأن هذه المؤسسة اشتغلت منذ 18 سنة، وستضطر إلى العمل بدون موارد، وهذا الأمر مستحيل.

> بما أن إدراج المعهد في مجلس اللغات سيحد من أدواره، هل ستطالبون بدوركم باستقلالية “إركام”؟
> فعلا، ففي المذكرة الأولى التي تقدمنا بها إلى رئاسة الحكومة، في عهد بنكيران، أكدنا فيها بالضبط ما تقدمتم به، إذ أكدنا على أن المعهد يجب أن يظل مؤسسة مستقلة، بمواردها وأطرها.

> ألا يمكن القول إن مطلبكم غير دستوري، إذ ما جدوى مجلس اللغات إذا استقل معهد التعريب و”إركام”، مع العلم أن المجلس مؤسسة دستورية؟
> تصورنا في “إركام” لهذا الموضوع، هو أن العلاقة التي يجب أن تكون بين رئاسة المجلس والمجلس العلمي لـ “إركام”، تنبني على توفير هامش من الحرية في التصرف في موارده، والاشتغال وصياغة رؤية خاصة به، لكن في إطار مؤسسة جامعة هي المجلس الوطني للغات، مع ضمان استقلالية جميع المكونات من الناحية المالية والإدارية، وألا تكون العلاقة مبنية على مركزية مفرطة.

تيار الفرنكوفونية
> قبل أشهر عرف المغرب حربا إعلامية بين مؤيدي التعريب والفرنسة، ويبدو أن التيار الأمازيغي اقتيد وراء فرنسة المواد العلمية، لماذا لم تنادوا بتمزيغ التعليم مادامت الأمازيغية لغة رسمية؟
> لن أتكلم باسم جميع الأمازيغ، لكن لدي رأي في الموضوع، حول موقع الأمازيغية والعربية في منظومة التعليم. التعدد اللغوي في المدرسة هو من الإشكاليات التي حاولت الحكومات المتعاقبة أن تجد لها حلا، إذ منذ الستينات طرحت المبادئ الأربع (التعميم، التوحيد التعريب، المغربة).
ووجبت الإشارة إلى أن التيار المحسوب على الفرنكوفونية في المدرسة والجامعة المغربية، يتكون من ناطقين بالعربية والفرنسية، وهذا واقع، وأما تيار العربية فيضم حزب الاستقلال والعدالة والتنمية والعدل والإحسان، وهذا التيار بدوره فيه مجموعة من الأمازيغ. الازدواجية اللغوية كانت حاضرة منذ الحكومات الأولى بالمغرب، إلا أنه في السبعينات كانت هناك موجة لتعريب المواد العلمية، وهو ما جعل الفوج الأول الذي حصل على باكلوريا عربية يجد نفسه في مأزق بعد دخول الجامعة، بسبب تدريس هذه المواد باللغة الفرنسية، وهناك نسبة كبيرة لا تستطيع المسايرة.
وبعد الإفراج عن الخطة الإستراتيجية للتعليم 2015 – 2330، التي نصت على العودة إلى تدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية أو الإنجليزية، طرحت إشكاليات عويصة، أهمها قلة الموارد البشرية التربوية، وكان التفكير في جلب فرنسيين، لكن فرنسا لديها خصاص أيضا، والأساتذة الذين تم انتقاؤهم قليلون جدا، وباقي الأساتذة غير متمكنين من الفرنسية. إذن المغرب يتوفر على إستراتيجية، لكنه يفتقر إلى الموارد البشرية والإمكانيات، بمعنى أن التفعيل مستحيل.

تدريس العلوم بالأمازيغية
> لماذا تستثني الأمازيغية، ألا تصلح أن تكون لغة تدريس؟
> هذا الأمر واضح، والمزايدات في هذا المجال غير سليمة. وبالنسبة إلى اللغات داخل المدرسة والجامعة المغربية، لدينا لغة التدريس بالأساس، وهي اللغة العربية، والفرنسية بشكل ثانوي. ووجبت الإشارة إلى أن قليلين هم المناضلون الذين يطالبون بتوظيف الأمازيغية لغة لتدريس العلوم، وهناك البعض الذين يقولون أنه يمكن توظيف الأمازيغية في تدريس المواد التراثية والحاملة للثقافة، من قبيل التاريخ والجغرافيا على المستوى الجهوي، لأن الأمازيغية لغة محيط، وهناك حظوظ كبيرة أن تتوفر الأمازيغية على المصطلحات اللازمة للقيام بهذا الأمر.

الفيالق والمليشيات
يجيب لوكوس حول ما إذا كان البرلمان سببا في التراجعات التي عرفتها الأمازيغية في عدة مجالات، قائلا “إن البرلمان سلطة بمنطوق الدستور الذي صوت عليه المغاربة، وبلدنا في حاجة إلى وثيقة متقدمة، ربما أكثر من الدستور الحالي، ولا يمكن انتقاد البرلمان باعتباره مؤسسة دستورية، لكن يجب انتقاد كيفيات اشتغاله، إذ جميع المناقشات والمداولات يحكمها هاجس سياسوي، فكل حزب يريد أن يفرض رأيه وخلفياته الإيديولوجية، وهذا الأمر يضر بالأمازيغية”، ويفسر بوكوس هذا الأمر بعدم توفر الأمازيغية على حزب يدافع عنها، أو فيالق ومليشيات، بل كل ما تمتلكه هو المجتمع المدني، الذي يبذل جهودا، لكنه لا يرقى إلى صفة حزب سياسي، وليس له إمكانيات، سواء تعلق الأمر بتكوين الأطر، أو بالإمكانات المالية والتنظيمية، وهو ما دفعه إلى العجز عن فرض رؤيته حول الأمازيغية، رغم الانتقاد الحاد، الذي يؤدي أحيانا إلى السقوط في العدمية. وأضاف بوكوس، أن واقع اليوم، هو أن الأمازيغية ليس لها سند سياسي منظم، سواء داخل البرلمان أو الحكومة، من أجل تفعيل روح الدستور، وهذا في حاجة إلى عمل سياسي للإقناع والترافع، والواقع أن الأمازيغية لم تستفد من هذا الأمر، وبالتالي قزم دور المعهد في إطار مجلس اللغات، والخوف هو تهميش الأمازيغية لغة وثقافة.
وأما بالنسبة إلى المهلة التي منحها العثماني للوزراء، من أجل صياغة مخططات قطاعية حول الأمازيغية، فيؤكد المحاور أن الاستشارة التي تطلبها الحكومة حول الأمازيغية إيجابية في نظره، لأنها لا يمكن أن تشتغل في مكاتبها فقط، وفي هياكل الأحزاب، لأنها شأن وطني، لكن هذه الاستشارات حسب بوكوس، يجب أن تكون منظمة وخاضعة للديمقراطية، وإذا كانت ستصغي إلى الجمعيات وباقي المؤسسات، فيجب أن تأخذ بما يقدم لها من مقترحات، إلا فإننا “كنكبو الما فالرملة”.

تسويق الثقافة المغربية
يعلق بوكوس حول النقاش الدائر حول النموذج التنموي، بالقول إن “الأمازيغية لغة وثقافة، كان من المفروض أن يكون لديها موقع طبيعي ومنطقي، في أي مشروع تنموي، لأن جميع المنظرين الدوليين، ينتقدون المفهوم القديم للتنمية، التي تقوم على استغلال الموارد الطبيعية”، مضيفا هناك تفكير اليوم في الاقتصاد اللامادي، والذي يضم الثقافة. وشدد المتحدث ذاته على أنه إذا تم توظيف الثقافة المغربية بشكل جيد، وتسويقها ربما ستدر علينا كمية كبيرة من العملة الصعبة، وبمعنى آخر أن الثقافة الأمازيغية تحتوي على كنوز في ما يتعلق بالتراث الشفوي والحلي والزخرفة والنسيج وغيرها، مبرزا أنه لدينا الكثير من القطع النادرة جدا وثمنها باهظ، مثل النيازك، التي يشتريها الأجانب من الأهالي بـ 50 مليون سنتيم أو أكثر لكنها تساوي في السوق الدولية عشرات الأضعاف. ويرى بوكوس أنه بالنظر إلى تشكيلة لجنة النموذج التنموي، فليس هناك خبير في الأمازيغية، الذي يمكن أن يتحدث عن التراث الأمازيغي، وبعض الموارد التي يعرفها المتخصصون. مبرزا أنه “يبدو أن البعد الثقافي غائب في هذه اللجنة، خاصة في مجال الأمازيغية”.

تهميش الأمازيغية غير مشرف للأحزاب
يقول عميد المعهد الأمازيغي، إن “تهميش الأمازيغية في برامج الأحزاب واقع لا يحتاج إلى مزايدة، وهناك تعامل سياسوي، واهتمام بها في مناسبات من قبيل الانتخابات، وهذا الأمر غير مشرف بالنسبة إلى الأحزاب السياسية، في حين أن الأمازيغية والعربية والحقل اللغوي عموما من صميم السياسي، وهل يجب أن يكون للأمازيغية حزب خاص بها من أجل الالتفات إليها والاهتمام بها؟ لا أرجح هذا الطرح، وأعتقد أن الأمازيغية ملك لجميع المغاربة بكافة توجهاتهم وانتماءاتهم، وأي تنظيم سياسي ديمقراطي بالضرورة يجب أن يعطي الأمازيغية حقها ويناضل من أجلها”. ولا يعتقد بوكوس أن الأمازيغية ليست في حاجة إلى حزب سياسي، إذ يقول “إن خندقة الأمازيغية داخل فيلق معين أو حزب وحيد، فكرة غير مجدية نهائيا، ويمكن أن تؤدي إلى بعض المخاطر، من قبل استغلال القضية لأغراض شخصية، ويمكن أن يكون أمرا سلبيا للبلاد”. بالمقال، يرى بوكوس أن المطلوب، هو أن الحاملين لهذه القضية في قلوبهم، يجب أن يناضلوا في سبيلها، من داخل التنظيمات السياسية، مشددا على أنه “لا يمكن أن نكون خارج اللعبة وننتظر، فهذا قمة العبث”.
وأما بالنسبة إلى القانون التنظيمي للأمازيغية، فيعتبره بوكوس إطارا أوليا لتدبير الشأن الأمازيغي، وموقع الأمازيغية في السياسات العمومية، غير أنه يؤكد أن القانون “لا يرقى إلى ما نطمح إليه، فمثلا مبدأ تعميم تدريس الأمازيغية غير وارد في القانون. هناك إلزامية تدريسها في التعليم الابتدائي، لكنها غير موجودة في المستوى الإعدادي والثانوي والجامعي، ليس هناك حديث عن كرسي أو شعب خاصة بالأمازيغية، وهذا نقص مهم في هذا الباب”. ويضيف أنه بالنسبة للقضاء، فهناك حديث عن ترجمة فورية، لكن “نطمح إلى أن تكون هذه اللغة أداة للتواصل داخل المحاكم، ويخاطب بها القضاة والمحامون المتقاضين، ليتمكن بعض الأمازيغ على الأقل من الإطلاع على الأحكام الصادرة لصالحهم أو ضدهم”. وأردف بوكوس أن هناك بعض المقتضيات التي لن تنزل إلا بعد 15 سنة، إضافة إلى 7 سنوات ضاعت قبل إصدار القانون، ما يعني أنها مدة طويلة جدا، ويمكن أن تندثر فيها مجموعة من الرموز الثقافية واللغوية.

عامة الناس لا تفهم حرف “تيفيناغ”
يرد بوكوس على منتقدي حرف تيفيناغ بالقول، “في الواقع إن سيرورة النهوض بالأمازيغية ما تزال في بدايتها، وإذا انطلقنا من تاريخ إقرار هذا الحرف، سيتضح أن 20 سنة غير كافية. صحيح أنه باستثناء التلاميذ وخريجي المسالك الأمازيغية بالجامعات المتمكنين من الحرف، فإن عامة الناس لا يعرفون الحرف ولا الكتابة أو القراءة بالأمازيغية”، ورفض بوكوس إلقاء اللوم على الحرف في حد ذاته، مؤكدا أنه “يجب تحميل المسؤولية للمؤسسات، من قبيل تلك التي تعنى بمحاربة الأمية، التي لديها موارد ضخمة، ولا تدمج الأمازيغية في هذا الورش، بل أكثر من ذلك أنهم جاؤوا إلى المعهد وطلبوا منه التمويل، وهذه مهزلة في الحقيقة. وتشبثنا “بتيفيناغ” راجع إلى أن الحرف العربي واللاتيني، يطرحان إشكالات عويصة، في ما يتعلق بالنظام الصوتي، الذي يختلف عن نظام أصوات الأمازيغية”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق