fbpx
ربورتاج

“السخينـة”… توابـل مغربيـة فـي المطبـخ اليهـودي

״لامينورا״ و״ميمونة״ يعيدان تقديم جانب من طقوس ״السبت المقدس״

احتضن مطعم “لامينورا” بالرباط، أخيرا، حفلا خاصا جمع مسلمين ويهودا ومسيحيين، من أجل اكتشاف خصائص المطبخ اليهودي المغربي، باعتباره جزءا من التراث الحضاري لهذا البلد. في هذا الخاص تنقل إليكم “الصباح” جزءا من هذه المناسبة التي أشرفت عليها جمعية “ميمونة” للمحافظة على التراث اليهودي، وتأخذكم إلى عوالم “السبت المقدس” عند اليهود بتوابل الخصوصية المغربية.

كل شيء في الرباط يوحي بالسكينة صباح الأحد. الهدوء يغلف أزقة وشوارع وسط المدينة، وحده منبه “الطرامواي” يخترق الصمت المطبق على العاصمة، ويطلق أصواتا شبيهة بأجراس كنيسة تستقبل مصليها يوم الأحد.
كاتدرائية “سان بيير” التي تتوسط ساحة الجولان منذ حوالي قرن، غارقة في جلالها ووقارها، وعلى بعد أمتار منها وعبر خط “الطرامواي” المار من زنقة الرياض بحي حسان، يقع مطعم “لامينورا” بواجهته المميزة، والذي لا يفصله عن السكة سوى مسافة قصيرة بالكاد تتجاوز المتر. رغم أن بناية المطعم تحيل إلى فيلا مبنية على الطراز الكولونيالي القديم، إلا أن بابه المشكل بهندسة مغربية عبارة عن قوس مزخرف فوقه قرميد أخضر، يحيل على “تمغربيت” التي تنبئ عما يخبئه المطعم من مفاجآت داخله.
أمام “لامينورا” كان في الاستقبال بضعة شباب ينتظرون المدعوين، إلى مناسبة خاصة يحتضنها المطعم هذا الصباح، بينهم مهدي بودرة رئيس جمعية “ميمونة” للحفاظ على التراث اليهودي المغربي، وبعض رفاقه في الجمعية، والذين يحيل حضورهم على نشاط مشترك بين المسلمين واليهود يحتضنه المطعم، الذي سيتبين أنه متخصص في تقديم الوجبات اليهودية المغربية.

الشمعدان السباعي

كانت شليمة الصايغ في استقبال “الصباح”، بدارجتها الفصيحة، التي تختفي معها اللكنة المميزة لليهود المغاربة في نطق بعض الحروف، لدرجة أن الكثيرين يلتبس عليهم ما إذا كانت هاته المرأة التي يناديها معارفها “سلمى” بأنها يهودية أم مسلمة.
في هذا المجمع ارتفعت كل الانتماءات الدينية، إذ أن الحاضرين الذين يتشكلون من مسلمين ومسيحيين ويهود، التقوا حول شيء واحد وهو اكتشاف الطبخ اليهودي الذي يشكل جزءا من التراث العقدي لأحفاد يعقوب، لكن هذه المرة في صورته الممتزجة مع التقاليد المغربية التي ساهمت أجيال من اليهود عبر قرون طويلة في تشكيلها ورسم معالمها، إلى جانب باقي المكونات الإثنية والدينية للمغرب.
كل شيء داخل مطعم “لامينورا” يوحي بالتقاليد المغربية العريقة، المتصلة بالمكون اليهودي. لوحات تقدم نماذج ليهود المغرب بأزيائهم وسحناتهم المميزة عبر التاريخ، وزخارف بالأبيض والأزرق على الزليج البلدي، حتى اسم المطعم يحيل على الشمعدان السباعي العبري المصنوع من الذهب الخالص، والذي تحدثت عنه التوراة في “سفر الخروج” وقال إن موسى وضعه في خيمة الاجتماع في البرية ثم في الهيكل بالقدس.
كان الملتقى مناسبة لاستحضار الأعياد والمناسبات الدينية، باعتبارها الفرصة التي تتجسد فيها لمسة اليهود في المطبخ والأكل المرتبط بشعائرهم الدينية.

“ديربي” السفارديم والإشكناز

تحدث حاييم كريسبان المعروف ب”خايمي”، صاحب المطعم، عن وجبة “السخينة” باعتبارها أشهر أكلة يتميز بها اليهود، إذ رغم أنها مشتركة بين مختلف يهود العالم الذين يطلقون عليها اسم “دافينا”، إلا أن المغاربة منهم يصرون على تسميتها “السخينة” أو “الشخينة” حسب نطق بعضهم لحرف السين، قبل أن يتطور النقاش بينه وبين “شليمة الصايغ” حول بعض الجزئيات، التي تتصل بما يميز هذه الوجبة التي ترافق طقس “الشاباط” الأسبوعي المقدس، عند يهود “السفارديم” أي اليهود الذين يتحدرون من أصول أندلسية ويرتبطون بشمال إفريقيا والشرق العربي، أو “الإشكناز” الذين يتحدرون من أصول غربية، بما يحمله هذا الانتماء من اختلافات وفروقات حضارية ولغوية بين هذين المكونين داخل اليهود، فضلا عما أضفى عليه يهود المغرب من خصوصيات محلية على الممارسات الدينية وما يرتبط بها من طقوس وعادات وأطعمة.

طقـوس صارمـة

“لا يمكن الحديث عن وجبة “السخينة” التي تستمد اسمها من احتفاظها بالحرارة والسخونة لمدة أطول، دون استحضار طقس السبت المقدس أو “الشاباط” المعروف عند اليهود والذي من خلاله طور اليهود وجباتهم بما يتوافق مع ما تمليه عليهم النصوص المقدسة” تقول شليمة الصايغ.
وتضيف “يحيل السبت المقدس في اللغة العبرية إلى الكف عن كل أنواع العمل والخلود إلى الراحة، ويرجع تقديس هذا اليوم عند اليهود إلى اعتقادهم بأن الله خلق العالم في ستة أيام ثم استراح في اليوم السابع، كما أشارت إلى ذلك التوراة بتفصيل في “سفر التكوين”، لذلك فإن السبت هو يوم العطلة عند اليهود الذين يلتزمون فيه بالقيام بالشعائر الدينية، ولا يجوز لهم مخالفته مهما كانت الظروف إذ يصير واجبا دينيا واجتماعيا تنص عليه الشريعة اليهودية، لدرجة أنه تمنع فيه كل أنواع العمل بل حتى الأشغال المنزلية الاعتيادية مثل الطبخ وإيقاد النار والاتصالات الهاتفية وسياقة السيارة، بل يتفادون ما أمكن دفن الموتى في هذا اليوم، مع استثناءات قليلة”.
وتردف الصايغ أن إعداد وجبة “السخينة” رغم أنها خاضعة لتعاليم دينية صارمة، فإنها أيضا مشبعة بالبيئة المغربية، إذ تختزل قرونا من التعايش بين اليهود والمسلمين، الذين ألفت أجيال منهم جيرانهم اليهود وهم يستعدون لطقس “الشاباط” ابتداء من أصيل كل جمعة، إذ لما تميل الشمس إلى المغيب، تشرع الأسر اليهودية في الاستعداد للتفرغ التام لهذا الطقس الذين يجمع بين العبادة وتناول وجبات محددة تعين، على تحمل مشاق أربع وعشرين ساعة من التفرغ
وهنا يتدخل “خايمي” ليعقب على حديث شليمة قائلا إن هناك العديد من الأسر كانت تبعث وجبة “السخينة” للفران الشعبي بالحومة، وكان عمال الأفرنة يهيئون أنفسهم لاستقبال تلك الوجبات الأسبوعية، بما يليق من الاحترام والتقدير لجيرانهم.
ويتابع أن طبيعة الأطعمة المهيأة والمواكبة لطقس السبت المقدس، تأخذ بعين الاعتبار أنه يجب عليها أن تحافظ على صلاحيتها طيلة يوم كامل دون حاجة إلى إيقاد النيران مجددا، بما فيها السَّلَطات، التي يتم طبخها ومنها تشكلت أكلات يتناولها عموم المغاربة دون أن يعرف الكثير منهم أن أصلها يهودي مثل “التكتوتة” و”الزعلوك” التي هي في الأصل سلطات معدة لطقس “الشاباط”، تحافظ على طعمها حتى لو بردت.
وتعود شليمة للتحدث عن الطقوس الصارمة التي ترافق السبت المقدس، قائلة إن ذلك يبدأ بإعداد “المائدة الملكية” إذ تحرص ربة البيت على إعداد خبزتين تسمى “حالا” أو “حالوت” لكل وجبة كما توقد شموعا خاصة قبل غروب الشمس بوقت قصير، ويغطى الخبز لحظة تلاوة “القيدوش”، بكساء من قماش مطرز، كما يستخدم في كثير من الأحيان سكين خاص لقطع هذا الخبز، المعجون على شكل ضفيرة، يكون مقبضه منحوتا عليه بالعبرية “مخصص للشاباط المقدس”.
وتضيف أنه قبل تناول عشاء السبت المقدس، مساء الجمعة، تتم مباركة كأس النبيذ الذي يخضع إعداده لطقوس خاصة تحت إشراف الحاخامات، ويتلى عليه “القيدوش” أي تراتيل وأدعية، ومن أشهرها بالمغرب نبيذ “رابي جاكوب” و”كوريم” وغيرها، وتستعمل لشرب النبيذ كؤوس مصحوبة بصحون صغيرة، أو بدونها، وتكون هذه الكؤوس عادة هدايا ثمينة أو جزءا من الميراث العائلي.
أما “السخينة” التي تشكل الوجبة الرئيسة لعشاء “الشاباط” فتتكون من الحمص والبطاطس واللحم والبيض والأرز والقليل من التمر، إذ يتم إرسالها إلى الفرن مساء الجمعة، لتجلب منه ظهر السبت، بعد أن يعود اليهود صباح السبت من “البيعة” (أي مكان العبادة المخصص لهم) لأداء الصلاة والتراتيل والأدعية، لتناول هذه الوجبة.
وتتحدث شليمة عما تعتبره بعدا فلسفيا عميقا يتضمنه طقس الشاباط والذي ينقطع فيه اليهود عن مشاغل الدنيا، ويتفرغون بشكل تام للعبادة والتأمل متحررين من كل الالتزمات التي تقيدهم بالحياة اليومية والعالم الخارجي، وهو يمنح، في اعتقادها، للنفس طمأنينة وسكينة خاصة، بعيدا عن كل الضغوط.

درس تطبيقي

في اللحظة التي كانت فيها شليمة تتحدث بإسهاب عن طقس الشاباط، امتلأ المطعم بالمدعوين للمناسبة، وهو الوقت الذي شرعت، رفقة “خايمي”، في تقديم شروحات مفصلة حول الوجبات المصاحبة لهذا الطقس الديني، في ما يشبه درسا تطبيقيا، أمام طاولة خاصة اشتملت على مختلف المكونات والمقادير المستعملة في إعداد الوجبات الخاصة باليهود المغاربة.
كما أعدت في ركن من المطعم طاولة نموذجية تشتمل على مختلف الأطعمة التي تستعمل في وجبات “الشاباط”، مطبوخة جاهزة، إضافة إلى شمعداني “الحانوكا” الثماني، و”لامينورا” السباعي، واللذين يحملان أكثر من دلالة في المعتقد الديني لدى اليهود.
وبعد الإنصات لكافة الشروحات باللغتين الفرنسية والدارجة، تفرق الحاضرون، على طاولات المطعم، التي توزعت عليها الوجبات الموازية التي تم إعدادها للضيوف داخل المطعم، ليستمتعوا بالأطباق اليهودية المغربية، على أنغام “الشكوري” والأغاني التي تعكس التمازج المغربي بين مختلف مكوناته.
إنجاز: عزيز المجدوب وتصوير (عبد المجيد بزيوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق