حوار

الشناوي: العفو الضريبي يكرس اللامساواة

نائب فدرالية اليسار قال إن بناء حزب اشتراكي كبير حاجة مجتمعية لمواجهة الفراغ

أكد مصطفى الشناوي، النائب البرلماني عن فدرالية اليسار الديمقراطي، أن قانون مالية 2020 عمق أزمة المديونية، التي تجاوزت 97 مليار درهم، مشيرا إلى مواصلة الحكومة اللجوء إلى القروض من أجل تسديد الفوائد، إلى جانب أصل الدين، وتغطية عجز الميزانية. وأوضح الشناوي أن العفو عن مهربي الأموال، يضرب في العمق مبدأ المساواة في الضريبة، وتكريس التملص الضريبي.في ما يلي نص الحوار:
أجرى الحوار: برحو بوزياني

> صوتت الأغلبية على قانون مالية 2020. كيف تقيمون من موقع المعارضة المشروع؟
> أولا، لابد من التأكيد أن القانون الحالي هو استمرار للقوانين السابقة التي تعكس تصور الدولة للسياسات العمومية، والتي نرى أنها مطبوعة منذ عقود بالخضوع لتوصيات المؤسسات المالية الدولية، وعدم وضع المواطن في صلب تلك السياسات، رغم تأكيد الخطاب الحكومي، زورا، على حضور البعد الاجتماعي في القوانين المالية.
ورغم تخصيص ملايير الدراهم للقطاعات الاجتماعية في القانون المالي، إلا أنها تبقى غير كافية، خاصة أنها تتضمن أجور الموظفين، والتي تلتهم الجزء الأكبر من الميزانية، كما هو حال ميزانية التعليم، والتي تتطلب فيها عملية تجويد المناهج والبرامج، ميزانيات أكبر، وتوظيف المزيد من الأساتذة، وتخصيص اعتمادات للتكوين المستمر، وإدماج المتعاقدين، ومواجهة الاكتظاظ في الأقسام.
كما أن قطاع الصحة لم يحظ سوى بأربعة آلاف منصب، في الوقت الذي يواجه خصاصا مهولا في كل المهن الطبية، بميزانية لا تتجاوز 5.7 في المائة من الميزانية العامة، علما أن المنظمة العالمية للصحة تطالب بعشرة في المائة.

> عمق القانون المالي مديونية المغرب، من خلال المزيد من القروض. ما هي مخاطر هذه السياسة على استقلالية القرار؟
> صحيح، نهجت الحكومات المتعاقبة سياسة اللجوء إلى المؤسسات المالية لتغطية عجز الميزانية، وجاء القانون الحالي ليعمق أزمة المديونية، التي تجاوزت 97 مليار درهم، بل إن الحكومة تواصل اللجوء إلى القروض من أجل تسديد الفوائد، إلى جانب أصل الدين.
وسبق لإدريس جطو، رئيس المجلس الأعلى للحسابات أن نبه، السنة الماضية، إلى مخاطر تفاقم المديونية وبلوغها مستويات قياسية، ترهن مستقبل المغاربة. قد يقول البعض إن أغنى الدول تلجا إلى القروض، لكن الفرق هو أنه لديها اقتصاديات قوية وتساهم في توفير الثروات، في حين أن الاقتصاد الوطني مازال يعاني الهشاشة، وهيمنة القطاع غير المهيكل، والارتباط بشكل كبير، بالفلاحة التي تعتمد على التساقطات المطرية، ناهيك عن الخضوع لسياسات المؤسسات الدولية والدول المانحة للقروض.
وتكفي هنا العودة إلى التدخل الفاضح للمندوب الأوربي في مناظرة الجبايات بالصخيرات، والذي طالب بالتراجع عن التحفيزات الممنوحة للمناطق الحرة، والتي باتت تشكل منافسة لاقتصاديات أوربا. والغريب هو خضوع الحكومة لتلك الضغوطات، وهو ما يطرح سؤال استقلال القرار المالي الوطني، بل هناك اليوم تهديدات بسحب الاستثمارات الأوربية من قطاع السيارات بالمغرب.

> طالبتم برفع ميزانيات الصحة والتعليم من خلال مراجعة ميزانيات بعض القطاعات، وهي المقترحات التي ووجهت برفض الحكومة. هل يمكن توضيح هذا الإجراء وخلفياته؟
> طالبت، رفقة النائب عمر بلافريج، برفع ميزانية التعليم والصحة، عبر تقليص ميزانيتي التسيير والنفقات في قطاعات الداخلية وإدارة الدفاع، مع الحفاظ على مستوى الاستثمار. وبهذه الطريقة، يمكن توفير مبالغ يمكن توجيهها للتعليم من أجل بناء مدارس جماعاتية، ورفع عدد مناصب الشغل، إذ طالبنا بـ25 ألف منصب إضافي، مع إدماج المتعاقدين، وتوفير التنقل المدرسي ومواجهة الاكتظاظ وتجويد المدرسة العمومية.
كما طالبنا برفع عدد مناصب الشغل في الصحة، عبر إضافة عشرة آلاف منصب جديد، وإيجاد تسوية لمطالب العاملين بشأن التعويضات عن العمل في المناطق النائية، ورفع قيمة التعويضات الهزيلة التي تهم الحراسة الإلزامية، والزيادة في التعويضات عن الأخطار المهنية بشكل عادل، وتحسين أوضاع الممرضين ومختلف الفئات والمهن الصحية، وتعزيز برامج صحة الطفل والصحة الإنجابية والأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة، ودعم برامج مكافحة الأوبئة والأمراض المعدية مثل السل، إلا أن الحكومة رفضت كل هذه التعديلات التي قدمناها في لجنة المالية.

> رفضت الحكومة إعفاء الأدوية من الضريبة على القيمة المضافة. ألا تشكل هذه الضريبة ضغطا على الحق في الولوج إلى الدواء بأسعار معقولة؟
> قوبلت التعديلات التي تقدمنا بها بشأن إعفاء الأدوية من الضريبة على القيمة المضافة بالرفض، والحال أن المغرب يشكل استثناء وحيدا، إذ يفرض ضريبة 7 في المائة، في حين أن الدول المتوسطية لا تفرض هذه الضريبة. ولتبرير هذا الرفض، أكد وزير المالية على منطق التدرج في إعفاء الأدوية، في الوقت الذي نطالب نحن بإعفاء جميع الأدوية من هذه الضريبة خدمة للحق في الولوج إلى الدواء. كما أن الإعفاء سيخفف الضغط على صناديق الحماية الاجتماعية في تغطية الأدوية، كما سيشجع على استهلاك الأدوية سواء المصنعة وطنيا أو المستوردة من الخارج.

التملص الضريبي
> كرس القانون المالي سياسة “عفا الله عما سلف” في محاولة للبحث عن موارد لسد ثقوب الميزانية؟ كيف واجهتم هذه الاختيارات؟
> عوض الحرص على تطبيق القانون، وضمان المساواة بين المواطنين، اختارت حكومة العثماني، نهج سياسة “عفا الله عما سلف”، في محاولة لتحصيل أرصدة مالية سواء في الداخل أو في الخارج، ما يكرس عدم المساءلة حول مصدر أموال جرى تحويلها إلى الخارج أو تكديسها خارج المنظومة المالية، وهذا توجه خطير، لأن العفو يمكن أن يطبق مرة واحدة لظروف استثنائية، لكن أصبح نهجا سنويا، وهو ما عبرنا عن رفضه بشكل واضح.
إن العفو عن مهربي الأموال يضرب في العمق مبدأ المساواة في الضريبة، ويكرس التملص الضريبي، وانتظار العفو، للتهرب من أداء الواجبات الضريبية المستحقة، وهي سياسة تعكسي المأزق الذي توجد فيه الحكومة، والتي تسعى إلى البحث عن موارد مالية بكل الطرق، بعد أن لجأت إلى بيع المؤسسات العمومية، ولجوئها هذه السنة إلى تفويت المستشفيات الجامعية لفائدة الصندوق المغربي للتقاعد، خارج أي قرار للمجلس الإداري للصندوق، والتصرف في مدخرات المنخرطين والتي تقدر ب80 مليار درهم، جرى تجميعها على سنوات، وهو ما أسمته الحكومة تجديدا في آليات البحث عن الموارد المالية، والذي نعتبره تحايلا على القانون.

رفض الضريبة على الثروة
> أثارت الضريبة على الثروة جدلا في البرلمان، ليس من قبل الحكومة فقط بل من البرلمانيين أنفسهم. ما هي خلفية المقترح ولماذا لم يتم التجاوب مع مطلبكم؟
> طالبنا بإحداث ضريبة على الثروة بشكل رمزي، تحول مداخيلها من أجل دعم التعليم والصحة، لكن الحكومة رفضتها كالعادة، كما قدمنا تعديلا يهم إعفاء معاشات المتقاعدين من الضريبة على الدخل، على اعتبار أن المعاش ليس دخلا، كما أن المتقاعد ساهم طيلة سنوات عمله في الضريبة، وأكدنا أن هذا الإعفاء بمثابة زيادة في المعاشات الهزيلة، والتي لا تساعدهم على تحمل مصاريف العيش وتكاليف العلاج.
كما ووجهت مطالبنا باعتماد أشطر ضريبية جديدة، تم رفضها في الوقت الذي تفيد المعطيات أن 75 في المائة من الضريبة على الدخل يؤديها الأجراء والموظفون، فيما 25 المتبقية تؤديها الشركات والعقار والفلاحة، وهذا غير معقول، لذلك طالبنا بتوحيد الضريبة على الدخل ورفع الأشطر واعتماد التدرج، بما يسمح بالتضامن بين مختلف الفئات، وتخفيف الضغط على الطبقات الفقيرة والوسطى.

> تعرف البيضاء تفاقم أزمة النقل الحضري في ظل فشل التدبير المفوض. أين وصلت جهود الخروج من هذه الوضعية؟
> الأزمة يعيشها السكان بمعاناة كبيرة، بسبب سوء تسيير الساهرين على تدبير الشأن العام بالمدينة، من المنتخبين والسلطات على حد سواء. والمشاكل تهم أيضا تدبير مرفق النظافة، التي لم يتم حلها، رغم اللجوء إلى تغيير الشركات المفوض إليها تدبير هذا المرفق. كما تعرف باقي الخدمات المرتبطة بتدبير الماء والكهرباء والتطهير مشاكل كلها، بسبب سوء التسيير وفشل نظام التدبير المفوض، الذي اعتمد منذ سنوات في تدبير عدد من الخدمات العمومية.
لقد انتفضنا في فدرالية اليسار الديمقراطي ضد 15 سنة من الفشل، في تدبير قطاع النقل الحضري، من قبل شركة خاصة لم تلتزم بتنفيذ دفتر التحملات، بل إنها استفادت من دعم بمبلغ 70 مليار درهم من الدولة والمجالس المنتخبة، لتكون الحصيلة هي الفشل، بحافلات مهترئة، وتشغيل 73 خطا فقط، من أصل 154 المنصوص عليها في الاتفاق، بحثا عن الربح وإعطاء الأولوية للخطوط التي تعرف رواجا وإقبالا كبيرا للمواطنين.
ثانيا، تم الاتفاق على جلب حافلات جديدة وأخرى لا يتجاوز عمرها سبع سنوات، ليفاجأ سكان البيضاء بحافلات متقادمة يفوق عمرها العشرين سنة، سرعان ما أصيبت بأعطاب عمقت معاناة الزبناء. والحال أن شركة نقل المدينة التي تساهم فيها الشركة الفرنسية، إلى جانب مستثمر مغربي، وحصة لصندوق الإيداع والتدبير، لا تحترم دفتر التحملات، ولم تنجز الاستثمارات المتفق عليها، رغم الدعم الذي ظلت تحصل عليه من وزارة الداخلية ومجلس المدينة.
واليوم نؤكد أن مسؤولية الوضعية التي يعرفها النقل الحضري عبر الحافلات تتحملها وزارة الداخلية ومديرية التدبير المفوض.
وسبق أن نبهنا مجلس المدينة قبل نهاية العقدة في أكتوبر الماضي، لكن ساد التخبط، ووجد المجلس نفسه في النهاية أمام شركة واحدة فرضت شروطها في تحمل تدبير مرفق النقل بالبيضاء، وها نحن اليوم نرى دفعة جديدة من “خردة” الحافلات القديمة تصل إلى البيضاء في محاولة لتجاوز الأزمة الخانقة، بالإضافة إلى جلب حافلات من مدن أخرى، ليستمر العبث بحق البيضاويين في نقل حضري في مستوى العاصمة الاقتصادية.
لقد طالبنا في الفدرالية بضرورة مراجعة التدبير المفوض، وقلنا إن جميع العواصم العالمية الكبرى تسيرها مؤسسات تابعة للدولة، سواء في باريس أو مدريد أو روما أو برلين أوتونس أوالجزائر. كما أن عددا من الدول تراجعت عن التدبير المفوض، لأن القطاع الخاص لا يراعي البعد الاجتماعي، ويبحث عن الربح فقط.

المادة 9 مس سافر باستقلالية القضاء
> استأثرت المادة 9 بجدل كبير في أوساط البرلمان. لماذا فشل مجلس النواب في إسقاط المادة؟
> اعتبرنا أن إدراج المادة 9 هو أسلوب ملتو سعت من خلاله الحكومة فرض مادة في القانون المالي، علما أن مثل تلك النقاشات التي تهم تنفيذ الأحكام القضائية، مكانها المسطرة المدنية وليس القانون المالي. وتم الاستنجاد بالأغلبية من أجل تمريرها، في مس سافر باستقلالية القضاء، عبر التصريح المكشوف برفض تنفيذ الأحكام القضائية، علما أن الدستور ينص على مبدأ المساواة أمام القانون بما فيها الدولة ومؤسساتها.
والحال أن القانون المالي خرق هذا المبدأ بمنطق الأغلبية، وفتح الباب أمام التلاعب بالأحكام القضائية بمبررات غير مقنعة، دون التساؤل عن المسؤول عن تراكم الديون على المؤسسات العمومية أو الإدارات، في غياب أي محاسبة. وكنا أنا وبلافريج الوحيدين في مجلس النواب ضد هذه المادة، فيما صوت الجميع عليها بعد إدخال تعديلات عليها.

تــعــجــيــل الانــدمـــاج
> أثار اندماج مكونات فدرالية اليسار نقاشا واسعا. كيف تنظرون إلى مستقبل التحالف في حال عدم الاندماج قبل الانتخابات التشريعية؟
> برأيي، توحيد مكونات فدرالية اليسار الثلاثة في حزب واحد، ليس رغبة ذاتية لدى مناضليها، بل حاجة مجتمعية لتغيير ميزان القوى، ومواجهة الفراغ الكبير في الساحة السياسية. لقد صدم الناخبون في تجربة العدالة والتنمية سواء على المستوى الحكومي أو تدبير مجالس المدن الكبرى، بسبب الاستغلال السياسي للدين، والاختيارات الليبرالية المتوحشة التي ميزت سياستهم، من خلال ضرب المكتسبات الاجتماعية في التقاعد والوظيفة العمومية والخدمات العمومية في الصحة والتعليم، وتعميق الخوصصة، وإغراق البلاد في المديونية.
ونرى أن هناك تعاطفا مع مشروع اليسار، لذلك نؤكد أهمية بناء حزب يساري كبير، يبدأ باندماج المكونات الثلاثة للفدرالية، ينضاف إليهم عدد كبير من اليساريين والديمقراطيين الذين ينتظرون الاندماج للالتحاق، ونعتبر أن المشروع يمكن أن يشكل أملا لليسار. لذلك نرى ضرورة تسريع وتيرة الاندماج، بعد أن استنفدنا النقاش، وعشنا تجربة الفدرالية في 2015. ورغم اختلاف التقديرات، إلا أن الخلافات ليست جوهرية، والجميع يقر بضرورة بناء الحزب الاشتراكي الكبير، والمهم فيه هو الخط الديمقراطي الحداثي اليساري، وليس البحث عن الصفاء الإيديولوجي، وأرى أنه يجب تسريع وتيرة الاندماج قبل موعد الانتخابات التشريعية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق