ربورتاج

الهراوييـن … الحـروب الضريبيـة

الرئيس يتمسك باستخلاصها لدعم الميزانية ونافذون يستنجدون بمستشارين للتملص منها

عاشت منطقة الهراويين بالبيضاء سنوات عجافا من البؤس والتهميش و”الحكرة”، بسبب سوء التدبير والارتجالية بفعل تعنت مسيرين تعاقبوا على جماعة الهراويين، أغرقوها في وحل العشوائية والفوضى، حتى صارت أشبه ببادية تنعدم فيها شروط الحد الأدنى للحياة (اقتصاديا واجتماعيا وثقافيا). لكن بحلول 2015، وبعد انتخاب مسؤولين جدد، لاحت بارقة أمل، طمأنت سكان المنطقة،
الذين استبشروا خيرا بما تحمله الأيام المقبلة.

إنجاز: مصطفى لطفي وتصوير (عبد الحق خليفة)

ينتمي مصطفى صادق، رئيس المجلس البلدي للهراويين، إلى عائلة تتحدر من المنطقة، احترفت العمل السياسي وتدبير الشأن المحلي، إذ انتخب مستشارا بالمجلس لثلاث ولايات منذ 1997، قبل أن يحظى برئاسة المجلس في استحقاقات 15 شتنبر 2015 بعد أن ضمن ثقة 25 مستشارا من أصل 35.
لحظة تسلمه زمام الأمور بجماعة الهراويين، وقف على وضع مزر، كانت بناية الجماعة متهالكة، والموظفون يشتغلون في ظروف صعبة منذ 1992، وعندما تحولت إلى بلدية، كانت تعتمد في تمويلها على “صندوق القرض الجماعي”. كانت الخدمات موضوع احتجاج المواطنين، إلى جانب تعقد المساطر الإدارية، إذ فرض عليهم أداء أتاوات مقابل الحصول على وثائق إدارية ورخص التعمير.
الملاحظ أن جماعة الهراويين، رغم أنها صارت بلدية منذ 2009 إلا أنها ما زالت بنفحات قروية، من حيث العمران والفوضى والعشوائية في كل شيء، حتى في الخدمات الإدارية المقدمة.
هذا الخلل في التسيير وفي صرف ميزانية الجماعة، دفعا المجلس الأعلى للحسابات للدخول على الخط في 2014، وأصدر قضاته تقارير تتضمن توصيات لتجاوز هذه الاختلالات التي تشهدها الجماعة، خصوصا عدم استخلاص الضرائب على الأراضي غير المبنية.
ولتصحيح هذه الاختلالات، استنجد الرئيس الحالي بالخازن الجهوي، إذ بعد اطلاعه على الحالة المزرية لمالية الجماعة، قدم له توجيهات من أجل تصحيح هذا الخلل، أولاها الدعوة إلى رقمنة الضريبة، واعتماد نظام معلوماتي لإحصاء جميع المترفقين وتفادي تعقيد المساطر الإدارية في حال حصول المواطنين على شهادات أو رخص إدارية.
وجد المجلس صعوبة في تنزيل هذه الملاحظات على أرض الواقع، إذ كان يعاني غيابا تاما في الترسانة القانونية المعمول بها في استخلاص الضرائب، خصوصا الضريبة على اللوحات الإشهارية والأراضي غبر المبنية، و لهذا تقرر إصدار أربعة قرارات جبائية منحت الشيء الكثير للمجلس.
حقق القرار الجبائي الأول الصادر في 2016، للجماعة فائضا ماليا وصل إلى 50 مليونا، والقرار الثاني في 2017، حقق فائضا تجاوز 500 مليون والثالث 820 مليونا، في حين ما زال القرار الرابع جاريا العمل به.
وعادت هذه القرارات بالنفع على الجماعة، إذ تمكنت من تسديد جميع ديونها ونفقاتها الإجبارية، وفتحت الباب أمام استثمار ما تبقى في مشاريع عديدة بالمنطقة.

الضريبة … إعلان الحرب

لم تمر هذه الإجراءات الجبائية بردا وسلاما على رئيس مجلس الهراويين، فخلال السنوات الماضية، اعتاد مالكو عقارات عدم تسديد ما بذمتهم من ضرائب، سواء تعلق الأمر بالأراضي غير المبنية، أو اللوحات الإشهارية، لهذا لقيت هذه القرارات معارضة شديدة، بل حربا طاحنة دارت رحاها في دورات المجلس، بعد أن اصطف مستشارون إلى صف المتهربين، حسب قول رئيس المجلس.
وأمام الإصرار على إلزامهم بأداء الضريبة، ابتكروا العديد من الحيل من أجل التهرب من أداء الضريبة، خصوصا ملاك العقارات غير المبنية، إذ سارعوا إلى الحصول على شهادات الإعفاء، حسب نص المادة 42 من قانون 47.06، والتي تعفي العقارات من الرسم المؤقت لثلاث سنوات، في حال استغلالها لأغراض فلاحية أو البناء، لكن في حال عدم الحصول على شهادة المطابقة ورخصة السكن، يلزم بأدائها كاملة.
هذا القرار لم يرق المتهربين، ما دفع عددا منهم إلى رفع دعاوى أمام القضاء الإداري ضد المجلس البلدي، بل منهم من سخر جهات للتشكيك في هذا القرار، وادعى أنه ضحية ابتزاز مسؤولي المجلس الجماعي.

الرقمنة تغزو الجماعة

تبنى الرئيس سياسة الباب المفتوح، وخصص مكتبه لاستقبال المواطنين، سواء الراغبين في الحصول على رخص الاستغلال التجاري، أو البناء.
ولتسهيل هذه المهمة، تم اعتماد نظام رقمنة متميز، ووضع منصات رقمية حديثة، إذ أصبح بإمكان قاطني الهراويين وضع طلبهم بمقر الهيأة الحضرية ليحصلوا على ترخيص من الجماعة بطريقة سلسة، وهي الخطة التي ألح عليها بشكل دائم سالم الشكاف عامل إقليم مديونة، يؤكد رئيس مجلس الهراويين.
ومن أجل تسهيل المساطر الإدارية، تمت رقمنة مكتب الضبط، وتجهيز مقر الجماعة بكاميرات مراقبة، والهدف تسهيل المساطر الإدارية وتخليق الإدارة، للقطع مع الحقبة السابقة التي كان موظفون يفرضون فيها أتاوات على المواطنين، قبل أن تتم معاقبتهم ونقلهم للعمل بجماعات أخرى بالبيضاء.

لا إعفاء من الضريبة

أوضح مصطفى صادق، رئيس المجلس الجماعي للهراويين، أنه لا يمكن إعفاء ملزم بأداء الضريبة على الأرضي غير المبنية، لأن الأمر يتعلق بجناية تبديد أموال عمومية، حسب المادة 23 من نظام المحاسبة العمومية لفائدة الجماعات المحلية، التي تنص على أنه كل من ساهم أو ألغى جباية يعاقب بجناية الغدر.
وأكد الرئيس أنه طالب المواطنين بأداء الضرائب تطبيقا للقانون، فلقيت هذه القرارات رفضا من قبل المعارضة، بعد دخول جهات نافذة احترفت البناء العشوائي بالمنطقة، ووجدت نفسها في ورطة، بعد التشدد في محاربة هذه الظاهرة، منذ 2015، تحت إشراف عامل إقليم مديونة، الذي أصر على تطبيق القانون على كل المتورطين.

لغة المعارضة

تضم الجماعة 35 مستشارا، 25 ينتمون إلى الأغلبية، ومنهم من يتقاضى تعويضات شهرية تختلف قيمتها حسب عضويته في المكتب، أو ترؤسه لجنة تابعة للمجلس.
وفي السابق، يقول مصطفى صادق، كان المستشار يسترزق خلال حقبة البناء العشوائي، عبر القيام بمهام السمسرة والتوسط للمواطنين للحصول على وثائق مقابل عمولة، خصوصا أن أغلب المستشارين كانوا عاطلين عن العمل وعبدت الديمقراطية الطريق لهم للوصول إلى المجلس، لكن في عهده، تم وضع حد لهذه التجاوزات، بعد أن فسحت الجماعة المجال لتطبيق القانون وشفافية تسليم الرخص، والدليل أنه حلت بمقر الجماعة عناصر المفتشية العامة للتفتيش وأجرت تفتيشا دقيقا، غير أنها لم تسجل خروقات خطيرة، بل كانت فقط ملاحظات بسيطة في التعمير، وأخطاء إدارية تم تصحيحها تحت إشراف هذه اللجنة.

إعادة الهيكلة

حددت ميزانية ضخمة لإعادة هيكلة منطقة الهراويين قدرت قيمتها بـ20 مليارا، تم رصدها بعد اجتماعات مطولة بين رئيس الجماعة وعامل إقليم مديونة، وصلت إلى ثلاث مرات في الأسبوع.
ويأتي هذا المشروع الضخم بعد القضاء بشكل نهائي على البناء العشوائي، الذي تفاعل معه المواطنون بشكل إيجابي، حسب مصطفى صادق، بل منهم من شرع في هدم منازله العشوائية بمبادرة منه، وأشرف شخصيا على سحب رقم بقعته خلال القرعة، التي أجريت في هذا الإطار.
تم الرهان بقوة على إنجاز شبكة طرقية، عبر تعبيد طرق رئيسية وأخرى ثانوية داخل الأحياء، من أجل إضفاء الطابع الحضري على المنطقة، كما تمت إعادة تأهيل محطة سيارات الأجرة وبناء أسواق نموذجية، وملعب للقرب، بشراكة مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ووزارة الشباب والرياضة والمجلس الإقليمي لمديونة.
وعلى مستوى التعليم، تم اقتناء أربع حافلات، خصصت للنقل المدرسي بشراكة مع المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، والهدف نقل تلاميذ أحياء الرحامنة والسعادة وسيدي امحمد بلحسن، وغيرها إلى مؤسساتهم التعليمية لتفادي الهدر المدرسي. ويبقى أهم مشروع تشرف عليه جماعة الهراويين، بناء مقر جديد للجماعة، حددت له ميزانية تصل إلى 900 مليون، في رسالة واضحة من المجلس الحالي مفادها القطع مع الحقبة السابقة، وولوج مرحلة العصرنة والتمدن بالمنطقة، سيما أن المقر سيبنى بمواصفات عصرية، وتم تحديد 26 نونبر الجاري لفتح الأظرفة بعد الإعلان عن طلبات العروض.
كما تم تفعيل دور الشرطة الإدارية بتأشيرة من عامل إقليم مديونة، لاستخلاص الضرائب، بعد التوصل بإرساليات من وزارة الداخلية، إذ تم عقد لقاءات مع مدير الضرائب والخازن العام الجهوي وعامل إقليم مديونة، من أجل تفعيل مذكرة وزارة الداخلية، بعد أن وقف الجميع على الحجم الكبير للباقي استخلاصه.
وستنطلق أكبر عمليات استخلاص للضرائب بالاستعانة بمفوضين قضائيين، مهمتهم تبليغ المتهربين من الضريبة بأدائها في تاريخ معين، وسيتعرض الممتنعون لإجراءات قانونية، أولها توجيه إنذارات قضائية والحجز على ممتلكاتهم ثم الإكراه البدني، حسب مدونة تحصيل الديون.

معارضة في واد

لكن رغم هذه المبادرات لتصحيح ميزانية الجماعة، إلا أنها لقيت معارضة شديدة من قبل 21 عضوا بالمجلس، إذ عارضوا بشدة قرارات الرئيس لاستخلاص الضرائب، لتوجه أصابع الاتهام إلى جهات ولوبيات، من بينهم أباطرة العشوائي وسياسيون سابقون، باستمالة المعارضة ودفعها إلى تبني مواقف ضد المصلحة العامة، إذ حسب رئيس المجلس، اعتادت عقد لقاءات مع مستشارين ليلة عقد الدورة، ويتم فيها طبخ القرارات والإجماع على رفض أي قرار للجماعة، والغريب، يؤكد الرئيس، أنهم هم من أعدوا هذه القرارات في لجانهم واقترحوها في جدول أعمال الدورة، قبل أن يعارضوها دون سبب.
أمام سياسة شد الحبل بين الرئيس والمعارضة، تعاني الجماعة خصاصا ماليا مهولا، فالدولة تمنحها كل سنة 370 مليونا من الضريبة على القيمة المضافة، دون مراعاة أنها تضم 100 ألف نسمة، مقارنة مع جماعات مجاورة، لا يتجاوز عدد سكانها 20 ألفا وتستفيد من 920 مليونا. ورغم مراسلة وزارة الداخلية من أجل إعادة النظر في القيمة المالية الممنوحة للجماعة، إلا أن الجواب هو أن للجماعة مبالغ مهمة من الباقي استخلاصه من الضرائب، وعليها تحصيله في القريب العاجل لتصحيح اختلالاتها المالية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض