مقالات الرأي

رفيق: أنا المنسي

مؤلم حقا أن تكون في التسعينيات من العمر..منسي في البيت كفراش للمرضى بل فراش لا ينفع غسله ولا حتى تطييبه ..بل تركه منسيا في ركن من ركن الغرفة ..أنا المنسي أريد كأس ماء وقد خانتني رجلاي ولم تعد أقدر على أن أخطوا بهما خطوة واحدة.
أنتظر فرجا من أحد أحفادي يدفع باب الغرفة لكي يقول لي : جدي ،هل تريد شيئا ما ؟
أقول بصوت مثلعثم وخافت تتقطع حروفه بين الجملة والجملة .. أريد كأس ماء أشرب فقد أحسست بالعطش.
فينظر إليهم و يتذكر أيام زمان حين كان صغيرا ..كم كان قويا ، يلعب ويلهوا ويضحك ويمزح غير مكترت بأن العمر يمر بسرعة كالسحاب ويوما ما ستشل حركته ويصبح عاجزا ، حينها قد تخونه قواه كخيانة العشيق لعشيقته ، يترك له القدر عكازا يتكئ به ورجلايه كذلك ترتعشان والكل قد مل من تلبية طلباته الكتيرة .
أحفادي قد لهتهم الهواتف وسماعاتها وصاروا عبيدا للإلكترونيات والمواقع التواصلية..عكازي هو الأخير خانني حين إحتجته ..نظرت له بعين الشفقة والرحمة كعدو غدار وقع تحت رجل عجوز فدعسه فصار يطلب الرحمة ..عكازي بينه وبين عتبة الباب سنتيمات قليلة ويغادر الغرفة هربا مني ..يدفع صغير إبني الباب فتسقط العصا على رأسه ليسمع طنين بكائه في أرجاء المنزل تنزل زوجة إبني تجد العكاز المدنب الوحيد ألذي إقترف دنب البكاء فترميه خارجا مع بعض ألفاظ السب والشتم واللعنة علي !!!
أصبحت عاجزا على الوصول لكأس الماء ألذي لمحته عيناي فوق المائدة ..لكن خارت قواي وعظامي إهترءت وصرت كحفيدي الصغير ألذي أبكاه العكاز ولو أنه يتحرك على ركبتيه ؛ فأنا أصبحت منكسرا عاجزا على إبعاد ذبابة حقيرة من على أنف تلذغ بما أوتيت من قوة ..فتجعلني من غير هواي أنفخ عليها ..وهي لا تكترت.
مؤلم حقا أن أجلس لأفكر بيني وبين نفسي وأحسب أيام عمري ألتي ذهبت سدا من غير طائل ..فأتحسر على ما ضاع ..وأبكي لأيام كانت فرص إنقاد نفسي من هذا الوضع المزري تسمح لي فتغاضيت عنها …والأن أتألم بحرقة وفي صمت مريب أبكي من داخلي وأنا أرى أسناني ألتي كنت أتباها بها وبنصاعتها وبيوضتها أمام أقراني قد تركتني وتساقطت كأوراق الخريف ..وشعري ألذي غشاه الشيب وصار أبيضا ككفن موتي ألذي يترائى لي من بعيدا يخطوا خطوات لا بأس بها ..كي يقول لي أنا الوحيد ألذي لن ينساك ..الكل تخلى عنك وأصبحت عالة على الكل في هذه الحياة وحتى على نفسك ألتي لم تعد تقدر على العناية بها ..كل أطباء الصحة المعروفين كنت ظيفا تقيلا عندهم وبأغلى الأتمنة كمصبنة قديمة أراد صاحبها إعادة تشغيلها ..لا هي ستصلح كما كانت ولا من يريدها سيفرح بعودتها ..
مؤلم حقا أن أظع جبيني فوق وسادتي فيترائى لي اني وأوشك عمري على النفاذ ..ولم أترك ورائي شيئا سوى بعض الصور القديمة وملكيات المنزل ألتي ستفرق على الأبناء والأحفاذ وستمزق دكرياتي القليلة وتحرق بنار مدفئة .
زوجتي ألتي كانت تعيلني توفيت …لقد توفيت من كترة المعاناة معي..تمنيت لو مت قبلها لتنعم بشئ ولو يسير من الراحة والطمأنينة ، مللت من تبجحي ووقاحتي وغطرستي كما مل جميع من يعرفني منهن ، حتى أصدقاء طفولتي والمتقاعدين متلي لم يعودوا يأتون لقارعة الدرب لنلعب الشطرنج أصبحت حياتي غريبة. إشتقت لزوجتي ..إشتقت لمزاجها المتقلب ، رغم ذلك كانت كلما تشاجرت معي تأتي ليلا لتقبل رأسي وتطلب مني أن أسامحها ، كما كنت عند كل صباح أقبل رأسها وأقول لها سامحتك عزيزتي !!
إشتقت لها .. هي وعدتني بأن لا تتركني.. أخلفت وعدها وتركتني في عز ظعفي وحيدا للحياة تستفز شجاعتي وعدم قدرتي ، أصبحت كجدران غرفتي المظلمة معزولا في الضلام والسواد ..يضمه الحزن يقول في نفسه سوف أكتب وصيتي لي أولادي وأتركها فوق طاولة الطعام حيت يجتمعون كل ليلة حين يعودون من الخارج سأحمل كرسيا صغيرا وحبلا متينا ..وأصعد للقبو حيت لا عين رأت ولا خطر على قلب بشر سأنتحر هناك وألحق بزوجتي ونصبح سويا من ذكريات الماضي الحقيرة وحتى إسمي لن يذكر عند الدفن سيقال المرحوم لكن ينعل الشيطان فيذهب للنوم.

خلاصة القول اهتموا بالعجائز فكل واحد منّا معرض للوصول إلى هذه المرحلة الحرجة ، والأعمار بيد الله –سبحانه وتعالى – ولا أحد يعرف كم سيبلغ من العمر، ولا الوضع الذي سيصبح إليه في كبره، هذا من جانب، وعلى الجانب الآخر فهو واجب أخلاقي ونوع بر للأشخاص الذين كان لهم دور مهم في حياتنا، ورعايتنا وتربيتنا، وتبقى العناية بكبير السن واجباً دينياً، ومصلحة وطنية، وضرورة إنسانيّة، وكلها حلقات متكاملة ومتشابكة ، والعنوان الوحيد لها هو كبير السن، فحقه أن يجد الرعاية المناسبة، والحضن الدافئ، والتصرف الحكيم من الأشخاص المحيطين به، لهذا علينا مشاركة رأيه وأخذ استشارته في جميع الأمور فيجب أن لا نضع الإنسان المسن في خانة الاعتزال عن أمور الحياة أو أنه لا يفكر كما كان من قبل بل نسعى دائما على أن نطلب منهم المساعدة والمشورة ونشعرهم أننا بدنهم عاجزين على التصرف في أمور الحياة.
ألم يقول النبي صلى الله وعليه وسلم إِنَّ مِنْ إِجْلَالِ اللَّهِ إِكْرَامَ ذِي الشَّيْبَةِ الْمُسْلِمِ وَحَامِلِ الْقُرْآنِ غَيْرِ الْغَالِي فِيهِ وَالْجَافِي عَنْهُ وَإِكْرَامَ ذِي السُّلْطَانِ الْمُقْسِطِ وفي هذه الكلمات يوضح الرسول مدي قيمة الشيخ الكبير أو كبير السن بشكل عام, كما أنه يجعله أكبر قيمةً من الحاكم العادل وحامل القراَن بالرغم من عظمة مكانتهما واتبعه النبي صلى الله عليه وسلم وقال “ليس منا من لا يرحم صغيرنا ويعرف شرف كبيرنا” وهنا ذكر الرسول كبير السن بالشرف والجاه والفخامة لما كان يقدمه في شبابه للمجتمع يجب علينا نحن أيضًا أن نستحسنه في كبره.
ما يعلمنا الدين الإسلامي أن الإحسان جزاء الحسان وأنه من يعامل كبار السن بمعاملة حسنة سوف يأتيه الله من يعامله بهذه المعاملة الحسنة عند تقدم السن به ومن لا يتق الله في معاملته لكبير السن ويسئ معاملته يسلط عليه الله من يسئ له عند تقدم العمر به ولايخفى عليكم أن زيادة عمره بركة له ولمن يرعاه.

عبدالرحمان رفيق: طالب جامعي ومدون

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض