مقالات الرأي

الأزدي: رواية “الزمن الموحش” … الرؤية الهجائية للعالم

تشرع رواية الزمن الموحش أسئلتها في وجه الزمن العربي الخَرِع والمهزوم، تداهم المناطق المحرمة: الدين والجنس والسياسة والحرية، تحاور الخطاب الإيديولوجي والسياسي للنخبة المثقفة بعد تقاطع الوضع العربي مع الامبريالية في هزيمة 1967 وتضعه أمام أزمته، تحيل فقاعات التاريخ العربي التحريمي عصفا مأكولا، وتستشرف إمكانات الفعل المغيِّر والثورة القادمة. وإذ تستكشف بؤر العطب الحساسة في تاريخنا منذ قطف الحجاج الثقفي رؤوس متمردي العراق، وصولا إلى الأنظمة العسكرية والفراعنة الجدد أصهار السيناتور مناحيم بيغن، فإنها تبحث، بتآن مع ذلك، عن اللغة القادرة على صياغة مشروع الفعل المغيِّر، فلا تجد في الذاكرة الروائية العربية القصيرة العمر ما يسعفها، فتجرب الكلمة – الصورة والرمز والأسطورة والمجاز ولغة الحلم والرؤيا، وباقي مقومات البنية الشعرية.
وتبعا لذلك، تتمفصل بنية الزمن الموحش انطلاقا من مستويين:
أ- مستوى الأطروحة القومية التي تدافع عنها وتتوسل بلاغة التكرار لتعليمها للقارئ وإقناعه بها. فهي لا تصوغ حدثا روائيا، بل تصوغ جملة مواقف، تتكرر أحيانا برتابة ملحوظة، وتتجابه أحيانا في الحوار. يغيب الحدث ويتوارى السياق المرجعي وتنتصب المواقف عاريةً شاهدةً على زمن السقوط الموحش ومُبَشِّرَةً بالزمن الجديد الآتي.
ب-مستوى الشعر: تبدأ الزمن الموحش بمُقْتَبَسَة Epigraphe لشاعر أفريقي (مراسيم دفن) تعلن رهان الرواية وتلخص أفكارها الأساسية؛ وتنتهي بملاحق خاصة: استشهاد ثوراتي (مراثي إرميا)، قصيدة شعرية وأجزاء من مذكرات منى. وبين البداية والنهاية يستعلن رهان حيدر حيدر واضحا: كتابة حكاية شعرية poétique Récit منثورة، تلتقط تفاصيل الزمن العربي المرتج بفعل هزيمة 67 وأشكال تمثله في الخطاب السياسي- الإيديولوجي للإنتلجنسيا. من هنا هذا التجابه داخل عالم الرواية بين الوظيفتين المرجعية والشعرية، بين نزوع استحضار الواقع وتمثيله ولفت الانتباه إلى الرسالة ذاتها عبر موضعة “الحدث” داخل فضاء رمزي (دمشق)، والاستعاضة عن تلاحق “الأحداث” بالتفافها وانجدالها ضمن إيقاع زمني مُتَكَسِّر تسنده سلطة التكرار، واستغراق السرد للشخصيات، علاوة على استغراقها من لدن السارد-المتكلم حوارا واستنطاقا، تحليلا وتقييما(1). وعليه، تنهض الزمن الموحش بصفتها مجموعة من اللوحات الشعرية التي لا ينتظمها سوى السارد- الثوري وكلامه الإيديولوجي الفاضح لعورات المجتمع والباحث عن سبل تجاوز الهزيمة.
وتستمد الزمن الموحش موقعها المتميز في سياق تجربة حيدر حيدر، وكذا في سياق النص الروائي العربي الجديد عامة، من تقاطع المستويين الأطروحي والشعري. فهي حسب عبارة محمد برادة “تريد أن تكون رواية شعرية، رواية “كلية” تطرح كل القضايا والهموم والتجارب، ويختلط فيها البعد الاجتماعي-السياسي بالبعد الميتافيزيقي والثورة بالجنس، وخيانة الوطن بخيانة الزوجة”(2). ومثلما أن مفترضها الشعري ومستتبعاته يحيد بها عن إطارات الواقعية ويزج بها في مدار الترجرج الباحث عن الاكتمال، فإن أطروحتها لا تتأسس بصفتها إجابة متسقة عن إشكالية مطروحة بكيفية مضبوطة وواضحة، بقدر ما تنهض بوصفها إجابات-مواقف عن سيل من الأسئلة المتلاحقة يحاول المتكلم المهيمن في الرواية (السارد) أن يتلمس من منفذها جذر الأزمة ويستكشف قوانين العطالة اللاجمة لحركة الإنسان العربي. وفي هذا السياق نتضامن من جديد مع محمد برادة إذ يؤكد أن “الرؤية للعالم في الزمن الموحش ليست جزءا من إشكالية ملموسة يحيلنا عليها نص الرواية، وإنما هي تجريد كلي لـ”مشاكل” تعوق العرب عن الخروج من الزمن الميت، الزمن الأعمى، زمن الكلاب والسفلة، وزمن المقصلة”(3).
تقترب الزمن الموحش بأسئلتها من الأرض المحتلة: الدين والجنس والحرية؛ وتلتمس قوانين العطالة في القمع السياسي ومشتقاته: الكبت الجنسي والإرهاب الديني؛ وتبحث عن مداخل زمن النقاء والطهر، فلا تجد غير الجنس مَطْهَراً (ص219) والعنف الثوري مدخلا (ص240). وفي مدار البحث هذا تشيِّد مجتمعا تنصت من خلاله إلى الأصوات الثقافية-الإيديولوجية لزمن ما بعد الهزيمة، وتعطَى فيه السيادة لصوت السارد- الحادي، شبلي عبد الله، صنو الكاتب وضِعفه والناطق الرسمي باسمه. وبهذا المعنى، تستعلن الزمن الموحش بصفتها نصا مونولوجيا.
وحين النظر في مجتمع الرواية يتبين أن الكائنات الرمزية المقيمة فيه:
أ- تنتمي إلى جيلين: جيل أيوب السرحان وجيل شبلي عبد الله السارد؛
ب- يتكون الجيل الثاني من ممثلين للإنتلجنسيا(4) (النخبة الفكرية بما فيها خبراء قوى القمع: نخبة الجيش والبوليس والاستعلامات) العربية في مرحلة ما بعد الهزيمة. إضافة إلى أنهم مثقفون، فإنهم منظَّمون ومشغولون بالبحث عن إمكانات التخطي والتجاوز والتغيير. غير أن بحثهم يتم في زمن خال من إمكانات الثورة، زمن موحش كما يصفه عنوان النص. ومن هنا الصدوع الداخلية التي يعانون منها: الإحساس بالنفي والاغتراب والحيرة والقلق وعدم الرضى (ص116) والتشتت والخيبة والانفصام واهتزاز القيم وتخلخلها، والتي تُعَيِّنُهم بوصفهم “مثقفين-هامشيين يدركون ماضي وحاضر ومستقبل بلادهم بشكل مرضي” كما يعبر مكسيمنكو(5)، وتحدد خياراتهم النهائية: الإقعاء أمام دِنَان الخمر وبجوار المرأة، أو الانتحار.
ج- تتسم الشخصيات النسائية المنتمية لجيل السارد بضعف وعيها السياسي ومحدوديته، مقابل اتساعه لدى الشخصيات الذكورية. ولا تُقَدَّم داخل الرواية إلا بصفتها موضوعا للجنس (أمينة، ديانا، هدى الشعراوي، نادية)، باستثناء مُنَى التي ترمز –كما يدل اسمها على ذلك- إلى المبتغى الأصعب: تخطي الثبات والوصول إلى الثورة، وتجاوز الهزيمة والوصول إلى دحر الصهيونية، والخروج من التجزئة إلى الوحدة.
د- نعرف تبعا لميخائيل باختين أن “فعل الشخصية وسلوكها في الرواية لازمان، سواء لكشف وضعها الإيديولوجي وكلامها أو لاختبارهما”(6)؛ غير أن شخصيات الزمن الموحش لا تفعل مثلما لا تملك القدرة على الفعل، وتكتفي بالكلام. فهي بهذا المعنى مغايرات موضوعاتية للسارد- الكاتب الذي يتكلم من خلالها. فالقارئ لا يتعرف عليها وعلى كلامها إلا من مرصد السارد الذي يحاورها ويستنطقها، أو يقوم بتسريد كلامها- كلامِه ضمن عملية التذكر المحكومة أبدا بالتداعيات السائبة. إنه يحدوها بماركس وفرويد ويعلن من خلالها رؤيته الإيدلولوجية للعالم، ومنظوره للمرأة والجنس والتاريخ والتراث والدين والله والسلطة والثورة والحرية والمثقف الثوري الطليعي وصراع الأجيال والصراع الطبقي وغيرها من القضايا الممسكة بخناقة. وبناء عليه، يظل السارد سيد عالم الرواية والمالك الوحيد لحق الكلام فيه. ولكي نتبين بكيفية دقيقة مضمون هذا الاستخلاص، يجدر أن نتابع شخصيات الرواية متابعة تفصيلية قدر الإمكان.
يمثل أيوب السرحان وآباء وائل الأسدي ومسرور الفلسطيني وشبلي عبد الله الجيل السابق لجيل السارد، ووحده والد شبلي عبد الله ينتمي إلى الزمن المحكي. أما الآخرون فينتمون إلى الزمن الحاكي(7) ويبعثهم السارد استرجاعا وتذكرا. وبالرغم من أن أيوب السرحان يتعارض معهم اجتماعيا وقيميا، فإنّ السرد يدين هذا الجيل جملة وتفصيلا ودون استثناء، من خلال تعريته وفضح قيمه الغيبية والدونكيشوطية الموروثة واستجلاء العقد النفسية المُعَنْكِبَة في لاوعيه منذ الاحتربات القبلية وإلى زمن المجتمع السياسي الكلي القدرة والسطوة. يقول السارد:
“أنا من سلالة أمضت جل تاريخها في الصلوات والتحريمات وممارسة الحب في العتم بعد منتصف الليل.. سلالة معطلة شفاهها بدل القُبل تحتسي الخمر والشاي وأيديها بدل العناق والعمل انحرفت نحو العادة السرية، وركبها امحت من كثرة السجود، عيونها تراقب النجوم والسماء والمطر وتنتظر هبوط مطلقها منها. يا عزيزي الطبيب هذه السلالة أعماقها ساحة حرب بلا هدنة منذ العصر الذي قتل فيه طرفة بن العبد لأنه هجا عمرو بن هند الملك حتى عصر الثورات المجيدة هذا”(ص178)
ويقدم النص شخصية أيوب السرحان من خلال المقارنة بين تسيده في الزمن الماضي القريب، زمن سيطرة البورجوازية العقارية، وسيرورته إلى طور الانقراض في زمن رأسمالية الدولة. فقد “كان أيوب سيد الزمن القديم” (ص48) بوصفه مالكا عقاريا كما يقر بذلك شخصيا عندما يستنطقه السارد:
“كانت لنا أراض وضياع ومواش، أكلها الناس، نصف السهول بالست زينب كانت لنا. بيوتنا ومزارعنا في البطيحة أخذها الفلاحون. أنت تعرف البطيحة؟ […] الحمد لله. نشكر الله الذي أبقى لنا هذا البيت من كل الورثة. تصور حتى إخوتي نهبوني، أكلوا زرعي وضرعي.أقول لهم لنقم بحصر الإرث لما تبقى فيقولون: الإصلاح الزراعي سيأتي على الباقي” (ص81).
وكان مثل باقي الأسياد الإقطاعيين، وتحت ثقل مركبات النقص التاريخية، يستعيض عن شفاه المرأة باحتساء الخمر، ويستبدل فرجها بشرج الغلمان؛ تحكي عنه زوجته أمينة في الأيام الأولى من زواجهما أنه لم يطأها، وأنها شاهدت “في فراش هذا المسمى زوجا صبيا عاريا ومعه أيوب كما ولدته أمه”(ص129). وبالرغم من “إدراكه” طبيعة الوضع الذي آل إليه نتيجة تحولات الواقع التي عصفت بأملاكه، فإنه لا يثور ولا يتمرد، بل يكتفي بالاحتجاج السلبي (معاقرة الخمر)، وممالأة السلطة القائمة ومخاتلتها (“شباب هذا الحكم طيبون” [ص82]) رغبة في استعادة مجده الآفل، واجترار المواعظ التراثية الاضطهادية بشأن المرأة (“المرأة إبليس إياك أن تأمنها”؛ “المرأة شر أقول لك الصدق. إياك أن تصدق أن آدم خلقها من ضلعه. حاشا. لقد خرجت إليه من وكر في جدع شجرة بزي ملاك ولما امتلكته عادت إلى طبيعتها الأصلية”[ص168])، والتسبيح بحمد الله وشكره؛ إنه باختصار يرفض الواقع، لكن رفضه عاجز وعنين، ومن ثم ينتهي إلى التصالح والتقوقع على الذات المرجِّعة لصدى أنين تاريخي نفسي. وهذا ما يوضح لماذا أسماه السارد: أيوب السرحان.
وبالمثل، فإن الشخصيات الأخرى المنتمية لجيل أيوب السرحان، والمتعارضة معه من جهة الانتماء الاجتماعي، تشاركه رفض الحاضر – حاضر اغتصاب فلسطين والهزيمة المتجددة- لكنها تظل تعيش على ذكريات عصور الرداءة الدونكيشوطية التي سيرثها الأبناء (جيل السارد). ففي حوار بين السارد ووالد مسرور البالغ من العمر ثمانين عاما، يتساءل الأخير: “أهذا جيل يحرر بلدا؟” (ص199) فيأتي الجواب بالإدانة المغلفة بالسخرية: “هذا جيل نساء وفلينة وحكي”، ويختم بالشمع الأحمر على هذه الإدانة عبر المقارنة بين الماضي والحاضر:
“في الماضي كنا أكثر شجاعة منكم. فالذين تطوعوا في جيش الإنقاذ ودخلوا فلسطين كانوا فدائيين تركوا بيوتهم وأطفالهم وأرزاقهم واندفعوا نحو الاستشهاد لا يلوون على شيء، كان مفهوم الوطن واضحا وبسيطا لا يحتاج إلى مماحكات ومؤتمرات وكلام فارغ. أن يذهب الإنسان إلى معركة ويموت بشرف، بذلك كان يتطهر وينقد نفسه وينقد الوطن. أنتم ماذا تفعلون في هذه الأيام السود” (ص264).
ولا يكتفي بتبرئة الذات في الحاضر، بل يبرئها في الماضي كذلك موجها إصبع الاتهام للإنجليز والإرهاب الصهيوني، وللذين ائتمروا وتآمروا، والذين تواطؤوا وخانوا. وإذ يسأله السارد محاولا ردَّ إدانته إلى نحره: “لكن الأرض لماذا بيعت؟ “يجيب” “كلكم يسأل عن ذلك، الذين باعوا الأرض عائلات إقطاعية هاجرت من سورية ومصر ولبنان كآل سرسق وغندور وسلام والحلبي، أما الفلاحون فلم يبيعوا شبرا واحدا. لقد أرغموا ودفعوا إلى الهجرة بالقوة. قتل من قتل وطرد الباقي. أنت لم تر الإرهاب الصهيوني والمذابح ومعسكرات الاعتقال”( ص200). والتبرئة هنا وهناك مكابرة وتحصين للذات وراء ردود الفعل الكلامية التعويضية – الدفاعية التي تعيش على شجاعة الماضي وتكتفي بالتمني دون أن تعي أن الشجاعة الموهومة والتمني المثبط لن يدحرا إسرائيل ولن يحررا فلسطين:
“في الماضي كان يوجد رجال أما الآن، هه. أين الرجال؟ يا إبني عمري الآن ثمانون عاما. أعطيني بارودة من هذه التي تسمونها “الكلاشينوف”. لا أدري ما اسمها. وسوف ترى. في الـ36 حاربنا ببنادق من حرب الـ14 […] وقلت: لكن هذا العصر لم يعد عصر البنادق. أصبحنا في عصر الصواريخ والنابالم والمخابرات. فانتزق عاقدا غضبه: ماذا يفيد هذا أمام شجاعة الرجال” (ص200-201)
وثمة شخصية أخرى تقاسم والد مسرور تقييمه للماضي شكلا ومضمونا وهي شخصية والد وائل الأسدي التي ورثت عن تاريخ الخسارات الدامية عطبا عضويا مضافا إلى العطب النفسي. يستثيرها السارد مستفهما عن ضياع فلسطين:
“قال وائل: بابا صديقي يعرف عنك قبل أن يراك !
وهز رأسه دهشا: وماذا يعرف؟ وقلت بسرعة أنك أحد
أبطال فلسطين.
وقال: بل قل أحد الضحايا
وهمهمت: الضحية بطل مزدوج.
وهز رأسه: ولكن ما الفائدة !
وسألته: هل تعتقد أن فلسطين ضاعت بالخيانة أو الجبن
وهل تعود؟”(ص207)
فيأتي الجواب بحجم السؤال: سرد تاريخي يثني على بسالة المجاهدين بأسى ويدين بقسوة القيادة التي تواطأت مع الانجليز واليهود، ويتوهم مخلصا أن استعادة فلسطين لا تحتاج إلا لاستعادة شجاعة الماضي الخارقة. وضمن مدار تمجيد الذات وإدانة الآخر يتشرنق الشيخ عبد الله والد السارد، والذي تشير صفة الشيخ المضافة لاسمه إلى موقعه المجتمعي ودوره: فلاح صغير يتحلق حوله الفلاحون ليتلو عليهم ما أوحى به إليه الثمل من مواعظ بشأن الدين والدنيا استنادا إلى نماذجه في القوة والنشوة: المتنبي وأبو نواس. يقول مخاطبا الفلاحين:
” ورب الكعبة بإمكاني الآن أن أخلق أفضل منكم، الإقطاعيون الكلاب يسرقون الماء والأرض أمام أعينكم يبيعونكم ساعة الماء بمائة ليرة وأنتم كالخشب المسند لا تتحركون. انظروا إلى هذه الأراضي كيف اصفرت ويبست أمام أبصارنا ولا نحرك ساكنا.
ماذا بيدنا؟ لقد اشتروا الماء من الوقف فصار ملكهم.
هل تلاطم العين مخرزا؟
وبحنق: الدولة ! الوقف ! هذه مياهنا يتركونها تجري إلى البحر وأراضينا تحترق من العطش. بشر نحن أم حجارة؟ ونحن لو فينا ذرة دم لتحركنا. أنا أشارط إذا كان الدم يجري في عروقكم.
ويقول أحدهم: وما نفعل يا شيخ عبد الله؟ الإقطاعيون معهم القانون ونحن ما معنا شيء.
معاولنا تشق الصخر فلماذا لا تشق رؤوس الإقطاعيين ومن معهم؟ الإنسان لا يموت مرتين. نموت اليوم لنولد غدا. الحق يؤخذ بالقوة والفلاح يظل مسحوقا حتى يثبت أنه قوي” (صص197-198)
إن السارد لا يبعث أباه، تذكرا وحلما، إلا لكي نتعرف فيه على نموذج آخر للفردية المتغطرسة والمهووسة بجنون العظمة، التي، بالرغم من تقييمها السلبي للإقطاع والفلاحين في آن واحد، لا تهتدي إلى ضرورة تنظيم الفلاحين، ولا تعلن عن ثورتها العاجزة ضد الإقطاع وسنده السياسي إلا في حالات الثمل، ويبقى دونكيشوط سيد ساحة وعيها؛ ومن جهة أخرى، يبعث السارد أباه ليدينه مثلما هو واضح في هذا المونولوج: ” وقلت ألا يكفيك أنني ورثت عنك الخمر وحب النساء وأن عصور الرداءة الدونكيشوطية لا تنتج فرسانا كالذين حلمت بهم وأنت تصب شهوتك فيها، وأنني وقعت في المغريات وفي حبائل نفسي التي وصفتها بالأمارة بالسوء، وأنا لا أرغب أطفالا من امرأة، وما عاد باستطاعتي أن أعود إلى البيت” (ص67)؛ ثم ليميته مرة ثانية على صعيد الرؤيا (ص284).
لا يكتفي السرد باستنطاق الشخصيات الممثلة لهذا الجيل لتفصح عن مواقفها من الماضي، ماضي الخيبة والانكسار، والحاضر، حاضر التفجع والحسرة، بل يقدم مؤشرات وقرائن تشير إلى وحدتها البنيوية. ووحدتها من وحدة المنطق المتحكم بوعيها والمرتكز إلى تضخم الأنا وجنون العظمة وما ينتج عنهما من تمجيد للذات بما يعنيه ذلك من عجز مزدوج: العجز عن مواجهة الحاضر المهزوم والعجز عن استشراف الأفق البديل، وما يترتب عن العجز هذا من مراوحة في مدار الرفض الكسيح والقعيد الذي يدينه السرد ويدين عبره تاريخا بكامله، حُبكت خيوطه من المؤامرة والتواطؤ والطعن في الظهر والإحباط والتقاعس. وإذا كان هذا حكم جيل أيوب السرحان، فما حكم جيل شبلي عبد الله؟
تلتقي الشخصيات الممثلة لجيل شبلي عبد الله (راني، وائل الأسدي، سامر البدوي، مسرور، أمينة، ديانا، هدى، نادية) في مجموعة محاور(8)؛ فهي معقدة نفسيا وشبقة جنسيا وملحدة دينيا و”ثورية” سياسيا، وتنتهي جميعا إما إلى الموت أو القتل أو الانتحار، باستثناء منى– الرمز التي ترحل بعيدا، وشبلي عبد الله الذي يدخل مساحة التيه المتجدد والعجز عن التذكر. ومثلما أن الشخصيات الذكورية ضمن هذه المجموعة تمثل ذات- الجنس والشخصيات النسائية موضوعَهُ، فكذلك تتميز الأولى عن الثانية بقوة وعيها السياسي؛ وضمن الشخصيات الذكورية، يشكل راني وشبلي عبد الله وسامر البدوي مجموعة صغرى، إذ يتفقون جميعا في صيغة ومضمون اختراقهم للطوطم الجنسي والديني والسياسي، وفيما يقترحونه كطريق للخلاص؛ وينفرد وائل الأسدي بتمثيله لمجتمع الضباط- القمع، مثلما ينفرد مسرور بتمثيل الفلسطيني الذي يعبر لحظة الشتات والتيه.
سامر البدوي، شاعر “عذري” يتعبد في محراب ذاته؛ نرجسي يعتقد أن العالم يبتدئ من حدوده وينتهي عندها: “أنا البؤرة والمركز والمطلق. هكذا أفهم الثوري” (انظر الصفحات: 88-89، 117-118، 177). قرأ جبران وجوته وبودلير ورامبو وبيرون، وقرر إلقاء قيم الشرف والله والدين في مزبلة التاريخ، لذلك حين يتمثل بالحلاج “ما في جبتي إلا الله”، يعكسه: “ما في جبتي إلا رغبتي”؛ ويرى –أسوة بأبيه- إلى المرأة بوصفها موضوعا للجنس، بوصفها “قطعة غيار تتلف من كثرة الاستعمال”؛ يؤكد أهمية الاشتراكية التي تبنى من منفذ الثورة الاقتصادية أولا، ثم الثورة الجنسية ثانيا.
وضمن محور النرجسية والتعالي وتقزيم الآخرين واحتقارهم يلتقي سامر البدوي مع راني (أنظر الصفحات 38، 57، 85، 118-119، 173)، الذي يرغب في كتابة رواية فضائحية تعري الهيكل المجتمعي المنخوب؛ يدعو بالموت للشرائع الدينية؛ ينتصر لفوضوية باكونين وفكرة صراع الأجيال، ويقف إزاء الماركسية والفرويدية موقفا تنسيبيا يعارض الحتمية والتعسف. وبخصوص موقفه السلبي من جيله وتصوره للثورة القادمة، يقدمهما ضمن هذا القول الذي يمتزج فيه التقييم السلبي للآخرين بالإدانة الذاتية:
“أنظر ماذا حدث [الكلام موجه للسارد] جيل استلم التغيير يغازل رجال الدين والتجار والبورجوازية. غارق في الانتهازية والسلطة والامتيازات والتقسيمات القبلية، هؤلاء من أين خرجوا؟ أليسوا منا؟ إنهم يتعثرون لأنهم جاؤوا قبل الوقت. في دمائهم قرون من النقص التاريخي والنفسي ولهذا فهم عاجزون عن تنفيذ مهام الثورة. أنا وأنت عاجزان أيضا. جيلنا جيل موسوم ومنحط. جيل خرع. هذا يقيني” (ص174).
أما مسرور، الفلسطيني النازح، فيظل متمزقا بين قضيته وزوجته ديانا الشيزوفرينية الموثقة بميراث الشرف والخوف التاريخي والراغبة في الاستقرار. لذلك، حين يستدعيه فصيله للالتحاق بكتائب المقاومة لأداء الواجب الوطني، يقتل زوجته ونفسه.
ومثلما أن أنساق التمييز والقناع المحددة لهوية الشخصيات السابقة ومواقفها تبنى من لدن السارد، فكذلك الأمر بالنسبة لضابط المخابرات: وائل الأسدي، إذ يتم تمييزه بالجمل التالية: “ضابط قوي البنية شُوِّه أبوه في حرب الـ48 بعد أن هاجروا من إسكندرون يملك سيارة فارهة يصطاد بها النساء بسهولة. إنه حالة خاصة: مزيج من الجنون السادي والعبقرية والتدرن الفردي. إنسان عصابي” (ص160)؛ إنه نموذج المثقف الذي احتوته السلطة القمعية، فارتد عن مبدئياته، وصار سوطا بيدها تمزق به لحم المعتقلين السياسيين (ص154)؛ يستغل موقعه ودوره الاجتماعيين لتصيد النساء، ثم يواقعهن بالقوة والضرب السادي، هكذا يغتصب هدى ونادية ويقتلهما؛ وينتهي ميتا بعد أن طعنته شجرة حور (ص248).
ولا يختلف الكلام الإيديولوجي للسارد عن كلام سامر البدوي وراني وغيرهما من الشخصيات؛ بل إن السارد يتماهى في شخصياته ومعها و”يستقر في كلامها” كما عبر محمد برادة(9). ويقوم السارد – بحكم البداهة- بوظائف التنظيم والتواصل، ويقف شاهدا- وصيا ومؤدلجا يوزع أحكام القيمة والتعليقات الشارحة والتفسيرية. ولن نهتم هنا بالمنظورات الأولى إلا بكيفية جانبية، وسنتابع بعناية أساسية المنظور الأخير، أي المنظور الإيديولوجي.
إن شبلي عبد الله، المضطلع بمهمة السرد ووصل اللوحات الشعرية المكونة للرواية وتنظيمها، شخصية أوديبية موسومة بكراهية الأب وحب الأم. وهذا ما يفسر تعلقها الشديد بالمرأة، وممارستها الجنس مع جميع الشخصيات النسائية في الرواية، وبكيفية مستديمة مع أمينة التي يرى في وجهها وجه أمه؛ غير أن الجنس في منظوره ليس افتراسا حيوانيا للمرأة، بل مطلب طبيعي وأكثر، إنه مطهر، مدخل للتحرر والثورة والاشتراكية. وهنا تحديدا يتموضع هوسه بمنى رمز تدمير العالم وكسر تابوات الشرق الجنسية والدينية والسياسية، وإعلانه موت الأب.
“تسأله ديانا:
-بماذا تفكر؟
-بالجنس مدخلا صحيا لمعظم بلاوانا
-أليس هذا مبالغة ؟ والجوع؟ والحرية؟
-ما أعنيه عن الجنس مطهر. يبدو الإنسان هنا مصابا بأصغر ما في حياته. ليس حرا لأنه غير موجود أساسا”
تقف قيمة الطهر في مركز القيم التي يطمح إليها. منها يبدأ ليصل إلى الحرية الجنسية، وبين البداية والنهاية، يوائم بين التحرر الجنسي والتحرر السياسي، ويعتبر الأول مدخلا للثاني، ويعلن هذا على لسان راني: ” أزمة الثورة مرتبطة أساسا بالجنس في جانب من جوانبها الاجتماعية والنفسية. أحد السياسيين الكبار في هذا البلد قال: لن تكون هناك ثورة في هذا الوطن ما لم تحل قضية الجنس والدين” (ص75)؛ وفي بحثه عن الطهر في دمشق الملثاثة والمقايِضة بجميع القيم، يحمل السارد في جبته فرويد وماركس ليهجو العالم؛ يبدأ من هجاء السماء والسخرية منها، وينتهي إلى هجاء الأرض مدركا تماما أن “نقد الدين هو الشرط الأولي لكل نقد” (ماركس)(10): ففي تقييم سلبي للسماء يقول شبلي عبد الله:
” الله حكاية قديمة جسدها العجز القديم عن تفسير
ما وراء الظواهر” (ص176).
وبما أن استمرار هذه الحكاية لا معنى له في عصر العلم، فإن السارد ينقب عن مبررات استمرارها، فيعثر عليها في التعاضد القائم بين سلطة الدين المُشِلَّة والمُثَبِّطة وسلطة الدولة القامعة. فالأولى تضمن الثانية بقداستهاـ في حين تضمن الثانية الأولى بعسكرها وبوليسها. وفي استرجاع بالغ الدلالة. يصرح السارد:
“جهدت لأوضح له فكرتي عن النقاء والتزامي بمُنى ضد الخدع القائمة، وأن كلمة متصوف بمعناها الديني لا معنى لها، وأن بعض المفاهيم والمفردات التي التصقت بالدين يمكن أن تكون ذات معنى بالمفهوم العصري، وليس الدين بمجموعه ميتافيزياء، صرفة لا صلة لها بالحياة وأعماق النفس البشرية. والحكاية وما فيها هي كيف ننبثق من التاريخ بمعان جديدة غير فاقدة لأصولها. ثم تحدثت عن ردود الفعل في الثورة وتسممها بالدين الشائع والخوف، وأن الماضي ينبغي أن يكون حافزا لا مخدرا وقيلولة، وأن هذا الجيل الآن يتكون بين قطبي الإهانة ورغباته الشخصية، ينسحق تحت ضربات الخيبة والتحولات المغامرة والفزع من ماضيه، وهو إذ ينصاع لعلائق الدين المرضية يقتل الثورة معتقدا بأنه يحييها”(ص240).
وفي مدار هجاء الفكر الديني الغيبي وعَضُدِه الدولة القمعية، يستعلن نقد الدين طموحا إلى العقلانية، ويتبدى نقد المجتمع السياسي مقدمة لنقضه بالسلاح، أي بالعنف الثوري، وهو ما يقرره السارد ضمن عبارة تشرط الطهر بالثورة، وتشرط الثورة بالعنف المدمّر للقائم والسائد:
“حتى نتطهر فعلا ونقيم ثورة لابد أن يسيل الدم وتدمر الشرائع الاستسلامية والقوانين السائدة”(ص240)
ويطول الهجاء لا الراهن وحسب، بل الماضي أيضا، المنسوج من العنف والإرهاب، والذي يلقي بظلاله على الحاضر. وهنا تنزع الرؤية الهجائية للعالم إلى المماثلة بين الحاضر والماضي، لا انطلاقا من موقف مثالي تغيب عنه الخصوصية والتمايز، بل انطلاقا من موقف يستجلي العام والجوهري المميز للتاريخ العربي والمتحكم ببنيته ابتداء من سجن أبي محجن الثقافي ونفيه من لدن عمر بن الخطاب، وصولا إلى استقواء السيناتور مناحيم بيغن على الشعوب العربية الواقعة تحت السطوة الوحشية للعسكرتارية الانقلابية التي امتطت كراسي السلطة من مصعد الانقلابات المسماة زورا ثورات. وهذا الجوهري، الذي هو في تاريخنا منطق منه، يحدد حركته وصيرورته، يقدمه السارد العليم كالتالي:
“أنا أعرف أن هناك احديدابا تاريخيا كونته عصور الاستلاب والخوف والكذب والخيانة والعلاقات المنحرفة والطغيان والغزو والقمع، ثم هذه الفردية المتوحشة. لقد أودى هذا التشويه المتراكم بفلسطين وإسكندرون وإذا ما استمر فسنتحول إلى بقايا من الهنود الحمر” (ص158).
ومن الواضح أن الطريقة الاستدلالية المعتمدة هنا في تقديم معرفة السارد بالتاريخ العربي لا تنطلق فقط من موضوعة التماثل بين الآن والكان، وهي موضوعة نصادفها في رواية الفهد وستتكرر في رواية وليمة لأعشاب البحر(11)، بل تؤكد أن الآن – الحاضر الذي أصبح فيه العربي مهددا بالانقراض، ناتج منطقي عن مقدمات صيغت في الماضي؛ فهل يعني هذا أن الانقراض هو قدر العربي؟ أم أن هناك إمكانية لانبعاث العربي من جديد؟ وإذا كانت هذه الإمكانية واردة – واردة فعلا حسب رؤية النص- فما الطريق إليها؟ وهل بإمكان الجيل المكون لمجتمع الرواية السير في هذا الطريق؟ أم أن هذا الجيل عاجز، وإمكانية الانبعاث الجديد، بما هو مجاوزة للفكر الغيبي والاستبداد والقمع واستباحة المدن العربية من لدن التجار والكمبرادور المتواطئ مع الدولة العسكرتارية والمتحالف معها، وبما هو وصول إلى العقلانية والديمقراطية والوحدة والاشتراكية، تبقى طي المستقبل؟
جواب هذه الأسئلة قائم في سطور الزمن الموحش، والسطور إياها تعلن إمكانية الانبعاث، وتشدد على العنف الثوري طريقا. غير أنها تُبقي إمكان الفعل مجرد إمكان، وتحيل القدرة على الفعل وإنجازه إلى المستقبل. لماذا؟ -هذا ما يوضحه السارد، مستبقا سؤال والد مسرور الاستهزائي: “أهذا جيل يحرر بلدا؟”(ص199)، ضمن بؤرة تقييمية تشطب الماضي والحاضر وتداهم بسلاح النقد الثالوث المحرم، وتحاكم جيل ضياع إسكندرون وفلسطين وهزيمة 67 لتطرده من دائرة القدرة على الفعل ولتفصح عن إدانتها إياه:
“لقد أردت منى وأردت نفسي التي لم تكتمل. نفسي التي ورثت من العصور القديمة نقصها الوجودي والتاريخي، فزج بي في تيار التاريخ الذي يحاول أن يتمخض عن ولادة شيء جديد، وأنا نبتة طالعة في أرض هذا الوطن تحتاج ماء وسماء وشمسا لتنمو وتقوى وتقاوم. إنني أعتقد أن مشاريع ثورات العرب كوكتيل عجيب من الدين والقومية والماركسية المبسطة، والجيل الجديد تائه يمارس أقل من ربع حياته بطريقة طبيعية، وما تبقى يتبدد في السفسطة والاحتجاج السلبي والخمر والنساء والشذوذ بعيدا عن الماء والشمس والنمو الصحي. دعني أسألك كم من الزمن مضى حتى استطاع خالد [يقصد خالد بن الوليد] أن يكون قائدا لا ينهزم؟ قبله كان عصر عنترة وعروة وثعلبة الشيباني. وفي زمنه كان حمزة وعمر وعلي، أما نحن فمن سلالة المستعصم والمتوكل وبني بويه والمماليك والسلطان سليم والملك عبد الله وفاروق وسعود ونوري السعيد وبورقيبة والسراج والكزبري” (ص158).
ولا شك أن الأمر لا يتعلق برؤية عدمية أو بسوداوية لا تقرأ في التاريخ الذي تكتبه روائيا إلا المُشِلَّ والمثبط والمأساوي والتراجيدي، بل برؤية تصل النص بخلفية تاريخية قانونها السقوط والقمع بمختلف تلاوينه، وتقف بمغالبة السقوط ومقاومة القمع الداخلي والخارجي عند حدودهما الطبيعية، وترى إليهما في حجمهما الحقيقي، أي في الحجم الذي تتيحه هذه الخلفية التاريخية. ومما يحسب على هذه الرؤية تغييبها للصراع الطبقي، مقابل الانتصار لمقولة صراع الأجيال وتغليبها للخطاب السياسي العاري والمكشوف؛ وهذا ضئيل جدا إذا ما قورن بما يحسب لرواية الزمن الموحش إن على صعيد رؤيتها الإيديولوجية العامة، وإن على صعيد الطرائق التجريبية المعتمدة في الاستدلال عليها والدفاع عنها ومحاولة الإقناع بها، وضمنها شَعْرَنَةُ النثر والبناء المتداخل للأزمنة واختيار شخصيات يستجلى من كلامها الخطاب الإيديولوجي والسياسي في العقد السادس من القرن العشرين، وتسمع من خلاله كل المشاكل التي يئن من وطأتها الوضع العربي بأسره، ثم رصد نوازعها النفسية وصراعاتها الخارجية، واندغام السارد- المؤلف بها، ووضعها ضمن إطار مكاني رمزي. ونعتقد أن مجمل هذه الخصوصيات النوعية يلخصها التقييم الذاتي التالي:
” الليل يدخل في النهار، والنهار يدخل في الليل، وأنت تدخل فيهما وهما يخرجان منك. أمينة فيك وأنت في منى ومنى خارجك، وراني يعبرك وسامر البدوي يحاذيك، وأنت خارج من نفسك ومن أمينة ومنهم. مرثية معاصرة ينشدها رجل ثمل، مفعمة بالحزن ورائحة الموت. آه لو تدري ما تفعل! هم أيضا لو يدرون.
-“اللهم اغفر لي ولقومي” !
– إفتح يا سمسم !إفتح !إفتح للعربي الناقص في العصور المنحطة”(ص76).
ولنا أن نتساءل في الأخير: هل سيظل هذا الـ”سمسم” ضحية فردية تقدم نفسها فدية عن الجموع المستلبة باليومي والقانوني (ص233) أم هل سيتحول إلى طليعة سياسية منظمة تقود تحالف العمال والفلاحين الفقراء لفتح الباب لا بكوكتيل من القومية واللاهوت والماركسية المبسطة، بل بالعقلانية والديمقراطية والفكر العلمي الماركسي- اللينيني هذه المرة؟ وإذا ما حاول، فهل سيحالفه النجاح أم سيعاود السقوط بكيفية تراجيدية؟ ذلك ما ستخبر به رواية حيدر حيدر: وليمة لأعشاب البحر– نشيد الموت التي في الإمكان اعتبارها شرسفا زهريا فوق مائدة العشاء الشيوعي الأخير.
هوامش وملاحظات:
بخصوص السمات النوعية للقصة الشعرية المنثورة، والتي تضعها على تخوم الرواية والقصيدة، أنظر:
Jean-Yves Tadié, Le récit poétique, PUF, Ecriture, 1er éd, Paris, 1978.
محمد برادة، “الرؤية للعالم في ثلاثة نماذج روائية”، ضمن الرواية العربية واقع وآفاق، مذكور، ص141.
نفسه، ص141.
بخصوص مفهوم الانتلجنسيا والأسئلة المرتبطة به، أنظر: صلاح كامل، الإنتليجنسيا هذا “اللغز” البورجوازي، دفاتر علم الاجتماع، سلسلة العلوم الاجتماعية، دار الفارابي، بيروت، ط1، 1979.
ف. مكسيمنكو، “نشأة الانتلجنسيا الأفرو– أسيوية وتطورها الاجتماعي”، ضمن مجلة المعرفة السورية ذ، ع262، كانون الأول، 1983، صص29-65.
ميخائيل باختين، الخطاب الروائي، تر. محمد برادة، مذكور، ص90.
بخصوص الزمنين الحاكي والمحكي، أنظر: ت. تودوروف، الشعرية، تر. شكري المبخوت ورجاء بن سلامة، دار توبقال للنشر، الدارالبيضاء، ط1، 1987، صص45-50.
8-بخصوص المحاور، أنظر:
– Philippe Hamon, «Pour un statut sémiologique d’étude de personnage », in
Et « Personnage et évaluation », in. Texte et idéologie, op. cit, p.103-217.
9-محمد برادة، “الرؤية للعالم في ثلاثة نماذج روائية”، مقال مذكور.
10-عن: ف.إ. لينين، نصوص حول الموقف من الدين، تر. محمد كبة، مراجعة وتقديم، العفيف الأخضر، دار الطليعة، بيروت، ط2، 1978، ص23.
11-تحضر موضوعة التماثل في رواية الفهد حين يقارن السارد بين المصرع التراجيدي للحسين بن علي وموقف قوم عاشوراء منه، والسقوط التراجيدي لـ بوعلي شاهين وموقف الفلاحين إزاءه (ص76)؛ وإذا كانت هذه الموضوعة قد ظهرت من جديد في الزمن الموحش، وإذا كانت ستعاود الظهور في رواية وليمة لأعشاب البحر، في بنائها الخارجي وفي مواقع كثيرة منها، وبكيفية خاصة حين المقارنة بين الوياثان وجده الرهيب معاوية بن أبي سفيان، فإنها لا تعني في شيء صدور حيدر حيدر عن نظرة سكونية للتاريخ مثلما ذكر نبيل سليمان وبوعلي ياسين في الأدب والإيديولوجيا في سورية، بل إنها تشير في تقديرنا إلى قدرة حيدر حيدر على النفاذ إلى أحد الثوابت الأساسية في التاريخ العربي: الاستلاب الديمقراطي وتواصل القمع والاستبداد منذ دولة معاوية التي حكمت السيف والنطع في رقاب الأمة، وصولا إلى دولة الحزب الوحيد الأوليغارشية والاستبدادية، مرورا بقطف الحجاج بن يوسف الثقفي لرؤوس الخوارج ومحنة المعتزلة وتصفية الزنج
والقرامطة إلخ.

د.عبد الجليل بن محمد الأزدي: أستاذ جامعي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض