مقالات الرأي

شحيمط: الطفولة بالمغرب اية حماية؟

تعد الطفولة بالمغرب من بين الفئات الضعيفة التي تحتاج إلى رعاية خاصة من جميع الجوانب الأسرية والاجتماعية والقانونية، فهذه الفئة الهشـة بلغة الاستقرار الاجتماعي وكذا الامن الانساني حيث يرجع سبب هشاشتها إلى صغر سنّها، مما يحول في الكثير من الأحيان دون تمتّعها بكامل حقوقها وأمنها كما هو الشّأن بالنسبة لباقي الفئات المجتمعية.
انعقدت وأُبرمت على المستوى الدولي العديد من الاتفاقيات لحماية حقوق الطفل، ومن جهتها أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارات هامة في هذا الشأن، كما أُنشات منظمة دولية لرعاية الطفولة وهي منظمة اليونسيف تختص بمتابعة واقع الطفولة ومدى التزام الدول باتفاقيات حماية الطفل.
كغيره من دول العالم، انضمّ المغرب إلى معظم الاتفاقيات والأجهزة الدولية لحماية حقوق الطفل المذكورة أعلاه، وتسلّم المغرب تقارير إلى هذه الأجهزة المنبثقة عن الاتفاقيات الدولية والإقليمية. حيث تبرز في هذه التقارير مدى التزامه بتنفيذ واحترام ما ورد في هذه الاتفاقيات الخاصة بحقوق الطفل.
شكل الاهتمام المغربي الدؤوب والمسؤول بهذا الجانب بحيث تعززت منظومة حماية حقوق الطفل بانضمامه إلى اتفاقية حقوق الطفل التي صادقت عليها الجمعية العامة للأمم المتحدة في 20 نوفمبر سنة1989. إلى جانب هذه الاتفاقية، صادق المغرب على البروتوكول الإختياري الملحق باتفاقية حقوق الطفل بشأن بيع الأطفال واستغلال الأطفال في البغاء والمواد الإباحية المعتمد بنيويورك في 25 ماي سنة 2000.كما انضم المغرب إلى البروتوكول الاختياري لاتفاقية حقوق الطفل بشأن اشتراك الأطفال في النزاعات المسلحة المعتمد بنيويورك في 25 ماي سنة 2000.
تضمنت جلّ الاتفاقيات الدولية والإقليمية الخاصة بحماية حقوق الطفل التي انضم إليها المغرب، نصوصا صريحة تؤكد على حق الطفل في الحياة باعتباره حق أساسي، وعلى حقوقه في السلامة الجسدية والنفسية، وعلى حقه في الغذاء والصحة والتعليم والترفيه والرعاية الاجتماعية، إلى جانب حقه في الحماية من العنف ومن كل أشكال الاعتداء الجسدي والجنسي والنفسي…
وفي إطار تكييف المغرب لمنظومته القانونية الوطنية لحماية حقوق الطفل مع المنظومة القانونية الدولية والإقليمية لحماية حقوق الطفل التي انضم إليها، حيث عمل على القيام بإصلاحات دستورية غايتها احداث تغييرات لتعزيز دولة القانون ، تجلت بداية في الاعتراف بعالمية حقوق الانسان بصفة عامة والطفل بصفة خاصة، مع ضرورة الحرص على تطبيق المواثيق الدولية ذات الصلة ،من خلال العمل على ملائمة النصوص الوطنية مع الاتفاقيات الدولية لحقوق الطفل.
فهذه الحماية الدستورية تشكل أرقى أنواع الحماية بالمنظور الحقوقي، حيث تفرعت منها العديد من التشريعات ،اذ عمل المشرع المغربي على تضمين ترسانته القانونية مقتضيات هامة متعلقة بحق الطفل في الحماية .
كما يستفيد الطفل بالمغرب من حماية مدنية بموجب قانون مدونة الأسرة الذي اعترف له بحقوق على والديه وعلى الأوصياء والقائمين عليه، وذلك منذ فترة الحمل به إلى غاية بلوغه سن الرشد،وتتوسع حماية الطفل في التشريعات المدنية المغربية؛ وبالأخص في القانون المدني الذي راعى وشدد على حماية حقوق وأموال الطفل وعلى كيفية إدارتها مراعاة دائما لمصلحته.
يمكن القول بأنّ منظومة حماية حقوق الطفل التي يحوزها المغرب على المستوى النظري هي منظومة قانونية وحقوقية متكاملة وذات معايير عالمية في هذا الشأن؛ تعززها أساسا قيم الدين الإسلامي ومختلف القيم المجتمعية والثقافية التي تولي أهمية خاصة للطفل باعتباره عضو في الأسرة يحتاج إلى رعاية وتربية وتكفل بمختلف احتياجاته .
لكن في السنوات الأخيرة، شكّلت ظاهرة الأطفال الشوارع والمتخلى عنهم وضحايا العنف بشتى انواعه خاصة الجنسي منه،وضعا يؤرق المجتمع كلل، وهو وضع غريب وصادم يتقاسم ألمه كل أفراد المجتمع المغربي مع كل حالة نتعرض لها او نصادفها، لذلك يستدعي الأمر البحث عن مكامن الخلل في منظومة حماية حقوق الطفل في المغرب، وهي مسؤولية لا تُلقى فقط على عاتق رجال القانون، بل يجب إشراك إلى جانب القانونيين؛ المختصين في علم الإجتماع والنفسانيين، علماء وأئمة، أطباء، مؤسسات الرعاية الإجتماعية والتربوية، والأولياء، والمجتمع المدني بكل فعالياته، والوزارات ذات الصلة بالشأن الأسري والديني والصحي والتربوي والرياضي…كل ذلك من أجل إيجاد مقاربة شاملة متعددة في الحماية(أسرة، مجتمع، مؤسسات…). كما توسع هذه المقاربة من آليات الحماية المقررة (قانونية، دينية ،اجتماعية، تربوية، صحية، ثقافية…). وبذلك تصحح هذه المقاربة الخلل الواقع في منظومة حماية الطفل، وتُفعل مختلف النصوص والتشريعات والأجهزة والمؤسسات الموضوعة من أجل ضمان تمتع الطفل المغربي بجميع حقوقه وفي مقدمتها حقه في الحياة.

محمد شحيمط : أخصائي إجتماعي بمؤسسة التعاون الوطني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض