الميركاتو السياسي: تجارة الولاءات وفلسفة الوقت الضائع

ليس أقسى على السياسي من أن يتحول إلى صفقة، ولا أشد إهانة للحزب من أن يتحول إلى وكالة انتقالات. وعندما يصبح بعض المرشحين لا يظهرون إلا مع اقتراب صافرة النهاية، متنقلين من لون إلى آخر، ومن شعار إلى نقيضه، فإنهم لا يكشفون عن قوة تفاوضية، بل عن فراغ سياسي عميق. فالمناضل الحقيقي يصنع موقعه داخل حزبه، أما الباحث عن المظلة الأقوى في الوقت الضائع فلا يصنع التاريخ، بل يهرب منه.
الانتخابات ليست سوقا للمزايدات، ولا موسما لتأجير الولاءات، ولا مسابقة للفوز بأكبر عدد من “الأسماء اللامعة” كيفما كان ثمنها. إنها امتحان للمصداقية قبل أن تكون سباقا نحو المقاعد. ولذلك فإن السياسي الذي يعجز عن إقناع ناخبيه تحت الراية التي حملها سنوات، ثم يعتقد أن تغيير الراية سيمنحه شرعية جديدة، لا يغير سوى عنوان مقره، أما أزمة الثقة فترافقه أينما حل.
إن الملتحقين في الوقت الضائع لا يضيفون إلى الأحزاب قوة، بل يضيفون إليها أسئلة محرجة. فإذا كانوا قد غادروا أحزابهم بمجرد تغير موازين القوى، فما الذي يضمن ألا يغادروا الحزب الجديد عندما تهب رياح أخرى؟ ومن خان التزاما سياسيا مرة، لا يستطيع أن يطلب من المواطن أن يمنحه صكا جديدا للثقة دون مساءلة.
والأحزاب التي تراهن على هؤلاء، مهما حققت من مكاسب انتخابية، تؤجل المشكلة ولا تحلها. لأن الديمقراطية لا تبنى بالترحال، بل بالوفاء؛ ولا تصنع بالكولسة، بل بالتأطير؛ ولا تقاس بعدد الوافدين في آخر الليل، بل بعدد المناضلين الذين بقوا عندما كانت الكلفة عالية والمكسب بعيدا.
لهذا، فإن “الميركاتو السياسي” ليس علامة على حيوية المشهد الحزبي، بل دليل على أزمة في الثقافة السياسية. فالأحزاب القوية تخرج القيادات، أما الأحزاب التي تنتظر موسم الانتقالات لتملأ لوائحها، فهي تعترف، ولو بصمت، بأن خزائنها التنظيمية فارغة، وأن رهانها الحقيقي ليس على بناء الإنسان، بل على اقتناصه.






