وطنية

نجاعة الحوار تنهي أطول اعتصام بتنغير

قبل عشر سنوات، ظهر طفل أمازيغي في شريط يوتوب، يتحدث ببراعة وتلقائية، مرثيا حال بلدته، معددا النواقص التي تعانيها في كل المجالات، مبرزا حرمان الأسر من الاستفادة من خيرات البلد، سيما أن منطقته تحوي أكبر منجم للفضة.
انتشر الشريط لأنه صادر عن بريء لا يريد إلا عيشا كريما ومدرسة قريبة ومستشفى يقصده وأسرته كلما دعت الحاجة، وطرقا توصله بباقي المناطق، وغيرها من المطالب التي صاغ مضامينها في خطابه المطول، لتتحول تلك المطالب إلى ملف كبير دفع الأهالي إلى تبنيه، بل وتنظيم احتجاجات لم تلق الآذان المصغية، فتحولت إلى مواجهة، مباشرة بعد تصعيد السكان بقطعهم الإمدادات المائية للمنجم عبر إغلاق أنبوب الخزان الرئيسي الذي يزوده بالماء. أكثر من ذلك نظم السكان مداومة منذ غشت 2011، عبر اعتصام مفتوح لإيصال صوتهم إلى من يهمهم الأمر، ورفع الإقصاء والتهميش عنهم ورفع الأضرار البيئية التي يسببها المنجم وتنعكس على مزارعهم.
الاحتجاجات رافقتها تدخلات أمنية واعتقالات ومحاكمات، لكن بعد ثلاث سنوات الأولى، وصمود المحتجين وتشبثهم بمطالبهم المشروعة، لم يجد المسؤولون من وسيلة إلا الجلوس على طاولة الحوار، والإصغاء للملف المطلبي العمومي لتنفيذ نقطه.
قبل يومين فقط، شرعت السلطات بتنغير، تحت إشراف شخصي للعامل حسن الزيتوني، في هدم البيوت التي شيدت في ساحة الاعتصام، بعد أن أعلن الأهالي تلقائيا عبر تنظيمهم المدني (حركة إميضر)، رفعهم الاعتصام الذي انطلق من 2011.
فماذا تحقق حتى يعلن تلقائيا فك الاعتصام، وتهدم السلطة البيوت دون مقاومة أو مواجهة؟
تدبير الخلاف بين الأهالي والسلطة والشركة، بعد ثلاث سنوات الأولى من الاحتجاج، وصل إلى الشروع في تحقيق المطالب واقعيا، وتحققت على الأرض مكتسبات جنتها الحركة، وحددتها في 28 مكسبا، ضمنها بناء معبر طرقي يربط بين ضفتي وادي تاركيط في مركز إميضر، وتشغيل 50 فردا من المنطقة لدى شركة المعادن، والإبقاء على مكسب التشغيل الموسمي، لكافة طلبة إميضر في المنجم، أثناء عطلة الصيف، سنويا، مع توفير فرص تدريب لهم، ثم توفير النقل المدرسي لتلامذة إميضر، ودعم مالي سنوي بمبلغ 200 ألف درهم لفائدة الجمعيات المحلية، وتعميم الشبكة الكهربائية في الدواوير وتشييد طريق وتسوير المقابر وتوفير شاحنة لنقل الأزبال، فضلا عن إحداث شبكة الصرف الصحي في مركز إميضر، مع توفير سيارة إسعاف، وأيضا الرفع من قيمة السومة الكرائية لأراضي إميضر، التي يستغلها المنجم.
الحركة ترى أنها لم تحقق كل المطالب التي رفعتها، لكنها قررت رفع الاعتصام، الأطول بالمغرب، دون عنف أو مواجهة، بل بعد الاقتناع بالتشارك في صنع القرار المحلي والتنازلات المتبادلة والحوار المتواصل، إذ عندما ترسى قواعد الثقة بين المواطنين والإدارة وتلمس على أرض الواقع، تحل كل المشاكل، ولا يسمح بتدخل الأجنبي أو استغلال الاحتجاج من قبل السياسيين، وتقطع الطريق على كل المتربصين باستقرار البلد، سواء كانوا في الداخل أو الخارج.

المصطفى صفر

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق