fbpx
افتتاحية

“الحاضي الله”

يقتنعُ المغاربة، بمرور الأيام، أن “الحاضي الله” ولا أحد سواه في هذا البلد السعيد، إذ لا تكاد تنسى فضيحة تدبير كارثة طبيعية أو بشرية، حتى تظهر أخرى، في دورة عبثية، تجعل الجميع يضع يده على قلبه خوفا من المجهول.
في المغرب، توزعُ الحكومة على المواطنين الخوف بالتقسيط، وكذا الموت الذي يتربص بهم في كل زاوية، وهي لا تملك، إلى حد الآن، أي مخطط واضح، لمواجهة ناجعة لما قد يحدث من كوارث، سواء في المداشر أو الجبال والقرى البعيدة، حيث يحلق ملك الموت، بكل حرية، فوق رؤوس العباد، أو حتى داخل المدن والحواضر الكبرى، المفروض أن تكون مجهزة بآليات الحماية والاستباق والإنقاذ، بسبب العامل الجغرافي المساعد، وكذا الإمكانيات المالية والبشرية المتوفرة لهذه الوحدات الترابية.
لكن للأسف، لا شيء من ذلك يحدث، وكلنا يتذكر كم كلفنا انتشال جثث من تحت أنقاض عمارتي بوركون وسباتة من ساعات وأيام، حتى قضى الله أمرا كان مقضيا.
فعلى نحو غير مفهوم، تترك الحكومة (المسؤولة دستوريا عن توفير الحماية والسلامة للمواطنين)، الضحايا عزلا في مواجهة الحرائق والزلازل والفيضانات وانهيارات المنازل والعمارات الآيلة للسقوط، دون أن تحرك ساكنا، أو تعتبر أن من واجبها أمام الله، أولا، وأمام الوطن والشعب، استباق هذه الكوارث، والتجند للتقليل من مخاطرها حين تقع.
فعلى مدى سنوات، اختزل رئيس الحكومة دوره في تتبع آخر الأخبار عبر شاشة هاتفه، وحين يتأكد أن مواطنين هُلكوا تحت الأنقاض، أو احترقوا بالكامل، أو انقطعت أنفاسهم تحت الماء، يكتب نص تعزية ويرسله إلى المعنيين بالأمر، وكفى المؤمنين شر القتال.
في الدول التي تحترم نفسها وشعوبها، يُكلف تدبير نصف سيئ لكارثة طبيعية، أو بشرية المسؤول الأول منصبه، سواء عبر الإقالة، أو الاستقالة الطوعية، إلا في المغرب، إذ احترف الوزراء تحرير عبارات التأبين والتعازي وتهييئ الأكفان، ومرافقة المشيعين إلى المقابر وقراءة الفاتحة على الضحايا، في انتظار كارثة أخرى.
ورغم التحذيرات التي تقدمها المنظمات الدولية حول التغيرات المناخية المرتقبة والنشرات الإنذارية، التي تصدرها مديرية الأرصاد الجوية، تحتفظ الحكومة بالموقف نفسه من البرود واللامبالاة، كأن ما يجري اليوم في المغرب من تحولات تحمل كل مؤشرات الخطورة، لا يعنيها من بعيد أو قريب.
والأخطر أن رئيس الحكومة، باعتباره المنسق الوطني للجان الإنقاذ والوقاية والمسؤول الأول عن حياة المواطنين، لا يملك أي تصور لتدبير الكوارث، بل لا تتوفر الحكومة حتى على مجرد نظام إعلامي جغرافي يشمل المخاطر، وهي آلية متوفرة في جميع الدول تقريبا، تمكن من التحكم أكثر في المخاطر عن طريق استعمال المعطيات المتوفرة في تحديد المناطق المعنية ووضع سيناريوهات لمواجهة الحالات الاستعجالية.
فحكومة لا تتوفر على مجرد نظام جغرافي (وهو الحد الأدنى من مخطط شامل للمواجهة)، لا يمكن إلا أن تكون حكومة مستهترة بأرواح مواطنيها.
حكومة تعرض أرواح مواطنيها إلى مخاطر الموت عن سبق إصرار وترصد.
حكومة كارثة على نفسها.
وعلى الشعب..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق