افتتاحية

دم يوسف

من مات، قبل يومين، بمراكش بطريقة وحشية، ليس كلبا أجرب، بل مواطن مغربي يحمل اسمها وهوية ورقما مدونا في الحالة المدنية وسجلات البطاقة الوطنية.
وحتى الكلاب التي تدهس بالسيارات وتهشم رؤوسها تحت إطارات العجلات لها حقوق وتعويضات وجمعيات للرفق تدافع عنها لدى المصالح المختصة، حتى لا يذهب دمها هدرا.
فما وقع في ليلة من ليالي المدينة الحمراء لا يمكن نسيانه، أو المرور عليه بجرة تحقيق ومحضر أمني صغير ويطوى الملف.
إنها فضيحة مغربية بكل المقاييس، حين يتجرأ كائن من بلد آخر على ركوب سيارة ومطاردة مغربي في الشوارع ودهسه والمرور فوق جثته ورأسه، ثم الاستمرار في قيادة سيارته إلى اتجاه مقر إقامته لاستكمال سهرته الماجنة مع فتاتين مغربيتين، كأن من مات وتمزق جسده فوق الإسفلت مجرد ذبابة حقيرة.
إنه يوسف يا سادة..
يوسف، الشاب المغربي حكم عليه سكير سعودي وأصدر في حقه حكما بالإعدام، ونفذه بطريقة بشعة في الشارع العام، ونحن عنه صامتون وشاهدون.
يوسف الذي لم يسمح له أحد حتى بحق التوسل وطلب النجدة، وقد تلطخ “قميصه” دما وتقطعت أطرافه إربا إربا، ورُمي على قارعة الطريق.
يوسف الذي رماه سعودي في غياهب الضياع، دون أن يلتقطه أي أحد..لأنه مات بطريقة سادية وحقيرة.
فمن أين يستمد هذا القاتل كل هذه الجرأة وهذه الشجاعة التي تزين له فعلا قذرا ضد مغربي، ولا يعبأ بأي سلطة، أو قانون ويحتقر الجميع، بتنفيذه جريمة بطريقة سينمائية لا يمكن متابعتها إلا في أفلام هوليوود؟
من قال لهذا “السعودي”، حين تطأ قدماك القذرتان أرض المغرب، يمكن أن تفعل ما تشاء وبالطريقة التي تريد وفي الوقت الذي يحلو لك، ما دمت تحمل معك كيسا من المال، هو أقذر منك؟
من المسؤول عن حالة الفوضى التي يحدثها، يوميا، خليجيون بفضاءات الترفيه والسهر بمراكش، التي تلطخت سمعتها دوليا، واتسخت صورتها وتحولت من عاصمة للسياحة إلى ماخور للجنس والرذيلة الرخيصة، والقمار وملجأ للهاربين من العدالة وعصابات تبييض الأموال؟
نطرح هذه الأسئلة بغصة كبيرة في القلب والحلق، ونحن نستعيد عددا من المشاهد والصور والوقائع، التي تحول فيها أصحاب “البترودولار” إلى حكام فعليين لمراكش في الليل والنهار، يستعبدون بأموالهم الرجال والنساء والعاملين من بوابة المطار إلى مدخل غرف الفنادق والكباريهات وقاعات الرقص والقمار والسكر والنبيذ والأجنحة المعدة للجنس والفاحشة.
إن ما حصل ليلة الأحد الماضي سبة في حقنا جميعا، ووصمة عار على جبين مؤسسة الأمن بمراكش بكل مسؤوليها وأطرها، الذين كان من المفروض عليهم، ألا يسمحوا بما وقع، كما كان عليهم أن يكونوا في مستوى الحدث حين وقع ما وقع، لا أن يتمتع الفاعل بجميع ظروف التخفيف، ويذهب إلى حال سبيله ويكمل سهرته الماجنة، كأن شيئا لم يقع.
ومن حسن حظنا أن هناك مؤسسات أمنية أعلى مركزيا، من المفروض أنها تسلمت الملف وباشرت التحقيق في أفق ترتيب الجزاءات على جميع المتورطين، إكراما للقتيل أولا، وحفاظا على الكرامة.
كرامتنا جميعا داستها سيارة “رونج روفر” يقودها سعودي، وتحمل ترقيما مغربيا.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق