fbpx
افتتاحية

باراكا…

يحتاج مستثمرون في القطاع الصحي الخاص إلى معجزة لمحو الصورة الكارثية التي ترسخت في أذهان المغاربة، إذ أضحت بعض المصحات الخاصة مرادفا للنصب والنهب والقهر والاتجار في آلام الناس والقتل “المشروع”، وسرقة جيوب المرضى وخزائن الدولة على حد سواء.
فعلى مدى عقود، نجح لوبي الفساد و”الكاش” و”النوار” وشيكات الضمان في هدم جسور الثقة مع المواطنين وتقويض العلاقات الطبيعية بين مؤسسة للعلاج ومريض، إذ يصعب أن تثير موضوع المصحات الخاصة، في حديث عابر مع مغربي، دون أن يصدمك بحكايات وقصص ومعاناة تصل أحيانا حد الغرابة.
والغريب أن المواطنين يدفعون “دم عروقهم” لمصحات لا توفر الحد الأدنى من العلاجات الأساسية والخدمات الصحية بجودة تبرر التكاليف الباهظة، وكثير من “الكلينيكات” تحولت إلى مجازر لعمليات جراحية (غير ضرورية في بعض الأحيان)، من أجل تضخيم الفواتير وتسلم أكبر قدر من التعويضات من صناديق التغطية الصحية العمومية أو الخاصة.
والواقع أن زهير شرفي، الكاتب العام لوزارة المالية والاقتصاد، كان متعففا ومطوقا بواجب التحفظ، حين اكتفى (في المناظرة الوطنية لإصلاح النظام الضريبي)، بالحديث عن الجزء الظاهر من جبل جليد غارق في محيطات الخروقات والتجاوزات والاغتناء الفاحش على حساب آلام ومعاناة وأمراض المغاربة.
وحين يتدافع بعض المتهافتين مهددين برفع دعوى قضائية ضد المسؤول الحكومي وجرجرته في المحاكم، فلأنه أصابهم في مقتل، وذهب مباشرة إلى منطقة الداء “المتعفن” في قطاع يفرض بعض أباطرته (باستثناء قلة قليلة طبعا) قانونهم الخاص على الدولة، تحت شعار “العمل الاجتماعي” وتحملهم أعباء علاج المواطنين الذين تعجز المستشفيات العمومية عن توفير الخدمات الطبية والصحية لهم.
فعدا بعض حملات المراقبة الإدارية والتقنية والطبية التي قام بها الوزيران السابقان في وزارة الصحة وانتهت بإصدار تأديبات وقرارات إغلاق، لأول مرة يتحدث مسؤول حكومي (ملم بالملفات السرية ومطلع على المعطيات والأرقام) بهذه الصراحة عن لوبي القطاع الصحي الخاص ويتهم “أباطرته” الكبار بمراكمة أرباح تصل إلى 90 في المائة، دون أداء ما بذمتهم إلى خزينة الدولة.
ولم يعد سرا أن أطباء القطاع الخاص بمختلف تخصصاتهم هم أكثر “المواطنين” تملصا من وضع إقراراتهم الضريبية، إذ لم يتجاوز عدد الممتثلين في 2018 نسبة 20 في المائة، وهي نسبة مخجلة في حق هذه النخب الحاملة، نظريا، لقيم المواطنة والتغيير والإيمان بمنظومة الحق والواجب.
في المقابل، لا يتورع “اللوبي” المعروف بأسماء أطبائه وعياداته ومصحاته، في مناسبة وغيرها، في الضغط على الدولة نفسها من أجل مزيد من الإعفاءات الضريبية والجمركية على المعدات والأجهزة، ثم الضغط من أجل مراجعة التعريفة المرجعية على الخدمات الطبية في اتجاه رفعها وإثقال كاهل المرضى.
إنها أحد أوجه المهزلة التي تحدث عنها الكاتب العام لوزارة المالية أمام الملأ، وبصراحة مطلقة وبلغة مباشرة لا مجال فيها للمحاباة ولغة الخشب، في وقت يفضل عدد من المسؤولين وضع رؤوسهم في الرمال بدل مواجهة أعشاش الدبابير.
فباراكا…أيها السادة..
إنكم تشوهون سمعة البلد من أجل حفنة مال.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً
إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى