fbpx
ربورتاج

“سماسرة” يسيطرون على سوق السمك

ينفخون في الطلب ويستعملون الفراشة للتلاعب بالأسعار وضبط العرض ومشروع توسعة لمعالجة أمراض المرفق

إنجاز: بدر الدين عتيقي (تصوير: أحمد جرفي)

ما زال سوق الجملة للسمك حصى في حذاء الإصلاح والتنمية المحلية بالبيضاء، المدينة التي أصبحت تلفظ الوافدين إليها إلى الضواحي، بعدما بلغ مركزها مرحلة الإشباع، ذلك أن السلطات لم تتمكن من سد حاجيات أزيد من ثلاثة ملايين و360 ألف نسمة من السمك، الذي يعتبر منتوجا غذائيا حيويا، تزايد الطلب عليه بشكل كبير خلال السنوات الأخيرة، ما أغرى “السماسرة” لتحقيق أرباح مهمة، وبسط سيطرتهم على مسارات التسويق والتوزيع، ليفشلوا مشاريع الهيكلة والتنظيم التجاري، إذ أصبح سوق الجملة في البيضاء شاهدا على تغولهم، وفرض سلطتهم في تحديد الأسعار النهائية للبيع.

تحولت منطقة سيدي عثمان إلى حاضنة لأسواق الجملة والفضاءات التجارية الكبرى للبيضاء، فاستضافت خلال السنوات الأخيرة، إضافة إلى سوق الجملة للخضر والفواكه القديم، مجازر عصرية وسوقا للجملة للسمك، أنسى البيضاويين سوق “الدلالة” الشهير بالميناء، وعزز رغبتهم في الحصول على منتوجات ذات جودة عالية بأسعار معقولة، تتلاءم مع موقع المدينة الساحلية، وتصنيف المغرب في المركز 13 عالميا ضمن كبار منتجي السمك، إلا أن هذه الآمال سرعان ما تبخرت، بسبب هيمنة “السماسرة” على دواليب هذا السوق، والتحكم في تداولاته اليومية، وتحديد أسعار البيع النهائية للعموم.
يتمركز بين أحياء النور ولالة مريم والهراويين سوق الجملة للسمك، الذي لا يمكن أن تخطئه العين كما الأنف، فشكاوى سكان هذه المناطق ما زالت تتهاطل على السلطة المحلية بخصوص التلوث والروائح الكريهة لمخلفات الأسماك. سيارة تابعة للقوات المساعدة على مدخل السوق، بمثابة إشارة إلى حساسية هذا المرفق الذي يستقبل حتى 12 ألف زائر يوميا، ورسالة إلى الجانحين واللصوص مفادها “ممنوع الاقتراب”. تتوافد الشاحنات البيضاء والدراجات ثلاثية العجلات “التريبورتورات” بحلول الساعات الأولى من الصباح على السوق، ويتصاعد صياح الباعة وملاسناتهم بين الصناديق البلاستيكية المبعثرة هنا وهناك.

“حرافيش” السوق

ينطبق وصف “الحرافيش” الشهير الوارد في روايات الأديب العالمي نجيب محفوظ، على فئة كبيرة من المسترزقين الوافدين صباحا على السوق. يتعلق الأمر بالحمالة والباحثين عن رزق من عمل سخرة أو مساعدة في شحن أو تفريغ، إلا أن عمل هذه الفئة غير مقنن ومنظم في السوق. “قهرونا هاد صحاب الشاريوات”، يعلق حسن، سماك، بسخط، على تنامي نشاط الحمالة خارج أي إطار تنظيمي، إذ يحكي أن أطفالا دون السادسة عشرة يجرون عربات حديدية قابلة للدفع، ويطالبون بمبالغ تتجاوز 15 درهما على كل حمولة، منبها إلى أنهم يتسببون في نشوب مشاجرات دامية ويخلون بالسير العادي لنشاط السوق.
يزاحم “حرافيش” السوق تجار السمك، ويعمقون معاناتهم مع شروط الارتفاق، إذ يتحدث صلاح، تاجر سمك، لـ”الصباح”، عن ضيق مساحة صالة البيع الموجودة في السوق، وسوء وضعية “الباريطات”، ولوحات العرض الأرضية، إذ تطعن في شروط النظافة والحفاظ على الأسماك طازجة، في الوقت الذي أفاد مصدر من المكتب الوطني للصيد، قرب انطلاق مشروع جديد لتوسعة المرفق، بصالات بيع أوسع، بمحاذاة السوق الحالي، بعد الحصول على تراخيص البناء اللازمة في يوليوز المقبل.

سطوة الوسطاء

يتحكم السماسرة والوسطاء في أسعار بيع السمك من خارج السوق، إذ ينسجون بتحركاتهم المشبوهة خيوط العرض اليومي، من خلال نشر الإشاعة والتحكم في مجرى المعلومات، المتداولة بين مناطق الإنتاج والمرفق المخصص للبيع بالجملة. “كيتحكموا في الثمن ويلعبوا بكوموندات الشرا”، يعلق نبيل، تاجر سمك، مشددا على أن الطلب على السمك لم يعد خاضعا لمناسبة أو فترة معينة، باعتبار تطور طلبيات المطاعم والممونين، الزبون الأول بالنسبة إلى تجار الجملة، مشيرا إلى أن السوق يحكمه العرض والطلب، الذي غالبا ما يكون وهميا، فيرتفع السعر إلى مستويات قياسية.
وتظهر سطوة الوسطاء من خلال تسخيرهم منصات للبيع في الشارع، منصوبة أمام السوق، من أجل إيهام التجار والزبناء بأسعار غير حقيقية، إذ يتحدث التاجر لـ”الصباح”، عن وجود وفرة في منتوجات السمك داخل السوق، خصوصا في رمضان، إذ تروج به ألف طن من المنتوجات، مقابل 300 طن خلال فترات أخرى من السنة، أي أزيد من ثلاثة أضعاف الرواج العادي، موضحا أن السوق يشهد دخول ما يناهز 120 شاحنة يوميا، ما يوفر عرضا مهما للتجار والزبناء.

مشاكل أمنية

يتزايد صياح المسترزقين من السوق وتحتد المنافسة في ما بينهم على تنظيف السمك. بضعة دراهم تستحق القتل للظفر بها بالنسبة إلى بعضهم، وهو الأمر الذي يعتبره أحد التجار خطرا يتهدد سلامة زملائه في السوق، موضحا أن أغلب مرتادي السوق من عمال، يتحدرون من أحياء لالة مريم والسالمية وسباتة، ومناطق الهراويين و”الشيشان” وحي مولاي رشيد، يتوفر أغلبهم على سجلات إجرامية، ويتخذون من حمل الأسماك وتنظيفها نشاطا رئيسيا، ويصارعون بعضهم بعضا من أجل فرص كسب محدودة.
ويتحكم المسترزقون في سير عمل السوق، سواء تعلق الأمر بأنشطة الشحن والتفريغ والمناولة، أو السمسرة والوساطة في عمليات البيع من الجملة إلى التقسيط، في الوقت الذي يجاهد جيش من المتسولين لغاية كسب قوت يومهم، من خلال التقاط الأسماك المتساقطة من حمولات الشاحنات والصناديق الهائمة في السوق على غير هدى. يتعلق الأمر بمنظومة عمل مختلة، غيبت دور الإدارة واستنسخت صور الأسواق التقليدية في بناء منظم، ما فتئت عيوب الصيانة والإصلاح تهدد وجوده.

وأمام هذا الوضع، أكد إطار جمعوي في السوق، تنظيم المهنيين وقفات احتجاجية متكررة أمام المرفق، ضد تنامي الاعتداءات والسرقة باستخدام الأسلحة البيضاء ضدهم، كان أخطرها، حسب رواية أحد التجار، واقعة سلب مبلغ مالي من عامل خلال ساعات الصباح بأحد أزقة حي “النور” القريب، تحولت إلى محاولة قتل، بعد تلقيه طعنات خطيرة بسكين من الحجم الكبير، اخترقت إحداها كبده، وكادت تودي بحياته، لولا تدخل جراحي عاجل، تكلل بالنجاح في إحدى المصحات الخاصة بالبيضاء.

معضلة النظافة

عاينت “الصباح” خلال جولتها في السوق ارتفاع منسوب طفح المجاري الخاصة بالصرف الصحي وتصريف مخلفات السمك، ما تسبب في بركات صغيرة آسنة، سرعان ما استقطبت أنواعا مختلفة من الحشرات الطائرة.
وانتشرت البرك الآسنة على امتداد سوق الجملة للسمك بتوالي ساعات الصباح، ما كشف عن هشاشة بنيته التحتية، وعدم توفره على نظام فعال لتصريف المياه الملوثة، فيما حولت مخلفات الأسماك عن عمليات تنظيف الفضاء التجاري إلى مطرح نتن، تزكم روائحه الأنوف، وتطرد أي زائر يبحث عما يشتهيه من أسماك، ذلك أن عمليات التنظيف والتثليج، تنجز في زوايا متسخة من السوق، ولا تحترم المعايير الصحية الواجب توافرها خلال هذه العملية، التي تسبق مرحلة العرض والتسويق للزبناء. وبهذا الخصوص، أوضح مصدر مسؤول، طلب عدم ذكر اسمه، أن الأوساخ والمشاهد المخلة بشروط النظافة لا تستمر اليوم بأكمله في السوق، ذلك أن شركة للنظافة تباشر فور انتهاء النشاط التجاري عملية تنظيف واسعة، وتتمكن من إزاحة كل المخلفات الخاصة بعمليات شحن وتفريغ وأعداد منتوجات السمك للبيع.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى