حوار

بنعبد القادر: ما نشـر حـول التعاقـد هذيـان

بنعبد القادر وزير الوظيفة العمومية قال إن الدولة مطالبة بتجويد الخدمة العمومية

أكد محمد بنعبد القادر، وزير الوظيفة العمومية وإصلاح الإدارة, أن الدولة مطالبة بالسهر على تأمين الخدمة العمومية، وجودتها واستدامتها وتقديمها لكل الشرائح الاجتماعية. وأكد بنعبد القادر في حوار مع “الصباح” أن الأوراش الجارية لإصلاح الإدارة لا يمكن أن تتوفر لها سبل النجاح دون التفكير في أوضاع الموظفين، ومراجعة النظام الأساسي للوظيفة العمومية. في ما يلي نص الحوار:

< أثار التعاقد تخوفا من ضرب الوظيفة العمومية. كيف تردون على الانتقادات الموجهة إلى الحكومة في هذا الصدد؟
< لا يمكن الادعاء بوجود تخوف لدى الرأي العام من إصلاح وتحديث الوظيفة العمومية، لأننا لا يمكن أن نختزل الرأي العام في ما ينشر عبر بعض الوسائط من هذيان تهويلي، ومن تلفيقات تفتقر إلى الحد الأدنى من المصداقية والمسؤولية.
كما لا يمكن الحديث أيضا عن مراجعة لمنظومة الوظيفة العمومية خارج الحوار مع الشركاء، لسببين اثنين. أولا، هناك مشاورات انطلقت بهذا الخصوص السنة الماضية، في إطار لجنة القطاع العام المتفرعة عن الحوار الاجتماعي، ثم في إطار اجتماع المجلس الأعلى للوظيفة العمومية في يناير الماضي، والمحاضر شاهدة على ما أقول.
ولهذه المناسبة، أؤكد أن المشاورات ستستمر، وستتعمق مع الشركاء الاجتماعيين، بعد تقديم الرؤية أمام الاجتماع الحكومي. أما السبب الثاني الذي يدعو إلى الاطمئنان على تفعيل المقاربة التشاركية، هو أن الأمر يتعلق بإصلاح الوظيفة العمومية من خلال نظامها الأساسي، أي من خلال إطارها القانوني، ما يعني أن الحكومة لن تتخذ بكيفية أحادية أي إجراء بهذا الخصوص، لأنها ستكون مدعوة في محطة لاحقة إلى مناقشة مشروعها مع ممثلي الأمة في مجلسي البرلمان قبل المصادقة عليه واعتماده.

< كيف تنظرون إلى تدبير الموارد البشرية وتطوير المرفق العام في ظل الجهوية واعتماد اللاتمركز؟
< سبق للحكومة مدعومة بأحزاب الأغلبية التأكيد على أن خيار التوظيف الجهوي، هو خيار استراتيجي لبلدنا، يندرج في إطار مواكبة الإصلاحات المؤسساتية الكبرى المتمثلة على وجه الخصوص في إرساء الجهوية المتقدمة.
والتساؤل الذي ينبغي أن نطرحه اليوم، هو كيف يمكن أن ننخرط في تفعيل ميثاق اللاتمركز الإداري، إذا بقينا متمسكين بمركزة تدبير الموارد البشرية للدولة؟ وكيف يمكن نقل الاختصاصات التقريرية للمصالح الخارجية للإدارة بما فيها اختصاص الموارد البشرية، وكيف نعمل على تجويد الخدمة العمومية وتعميمها على كافة الشرائح الاجتماعية والمجالات الترابية؟
واضح أن الأحكام الدستورية والمسؤولية الحكومية تحتم تحقيق الإنصاف، وتكافؤ الفرص في تقديم الخدمة العمومية بمختلف مناطق وربوع المملكة، كما تفرض على السلطة التنفيذية توفير الموارد البشرية الكفؤة بالمناطق النائية والقروية تحقيقا للعدالة المجالية.
< تمثل الإدارة عائقا أمام التنمية، بسبب ضعف كفاءة الموارد البشرية وعدم نجاعتها. أين يتموقع ورش الإدارة في مشروع النموذج التنموي الجديد؟
< لا يمكن تصور نموذج تنموي جديد بدون التفكير في نمط الاستثمار في الرأسمال البشري، والأمر ينطبق على الحالة المغربية بكيفية قصوى، باعتبار أن الموارد البشرية هي من أهم الموارد التي يتوفر عليها المغرب لتحقيق التنمية ولإنتاج الثروة. والمقصود هنا بنمط الاستثمار في الرأسمال البشري هو كيف نربي ونكون الأجيال الناشئة، وما هي المهارات والمعارف والقيم التي نربيها عليها، وكيف نؤهلها للاندماج المهني، وكيف نعمل على استقطاب الكفاءات الضرورية للوظيفة العمومية ومؤسسات القطاع العام، ووفق أي تدبير عصري نوفر لموظفي الدولة ما يلزم من الاستقرار والأمن الوظيفي، وما يحتاجونه من تكوين مستمر وحوافز للترقي والابتكار والعطاء لتقديم الخدمة العمومية الجيدة والمساهمة في تحقيق التنمية؟

تفعيل اللاتمركز الإداري

< قدمتم أخيرا إفادة حول ورش مراجعة منظومة الوظيفة العمومية. ما هي الخطوط العريضة لهذا الورش؟
< فعلا قدمت خلال اجتماع المجلس الحكومي ليوم الخميس 14 مارس الماضي، إفادة مقتضبة حول أهمية الشروع في مراجعة منظومة الوظيفة العمومية، على اعتبار أن الأمر يتعلق بتنفيذ التزام يندرج ضمن البرنامج الحكومي الذي سبق أن قدمه رئيس الحكومة أمام غرفتي البرلمان. وبعد أن ذكرت بأن الحكومة قد بلغت منتصف عهدتها، مما يستوجب عليها المبادرة إلى فتح هذا الورش الوطني الهام، وفاء بالتزامها السابق، أكدت الأوراش الجارية لإصلاح الإدارة عبر تبسيط المساطر وتفعيل اللاتمركز الإداري والتحول الرقمي للخدمات الإدارية، كل ذلك لا يمكن أن تتوفر له سبل النجاح دون التفكير في أوضاع الموظفين، ومراجعة النظام الأساسي للوظيفة العمومية، خصوصا أن جلالة الملك أحاط هذا الموضوع بعناية بالغة وخصه بتوجيهات سامية.
وفي هذا السياق، أخبرت أعضاء الحكومة أن الوزارة أعدت مشروع رؤية إصلاحية لمراجعة النظام الأساسي العام للوظيفة العمومية، وإثر ذلك، قرر المجلس الحكومي عقد اجتماع خاص لعرض مناقشة هذه الرؤية بداية أبريل الجاري.

تعزيز نزاهة المرفق العام

< يسجل المواطن ضعف الخدمة العمومية، في غياب آليات المحاسبة والتقييم الكافية. ما هي التدابير المتخذة لمحاربة الفساد؟
< الحكومة منخرطة إلى جانب مؤسسات أخرى في تنفيذ استراتيجية محاربة الفساد، وهناك عدة مشاريع تم إنجازها وأخرى مبرمجة، تتوخى تعزيز النزاهة في المرفق العام، وتوفير الضمانات اللازمة للكشف عن كل مظاهر الفساد وإخضاعها لسلطة القانون.

< تدافعون عن نظام جديد للوظيفة العمومية يقوم على التوظيف عوض نظام الخدمة. هل يعني هذا أن المشروع سيعيد النظر في آلية التقييم والترقية؟
< هذا سؤال لا علاقة له بتاتا بما نفكر فيه وما نعتزم اقتراحه على الحكومة، ولعله يتعين تدقيق المفاهيم قبل كل شيء. أولا أجهزة الوظيفة العمومية في كل النماذج والأنظمة لا توجد لذاتها ومن أجل ذاتها، وإنما توجد من أجل توفير وتقديم الخدمة العمومية للمواطنين.
وعلى الدولة أن تسهر على تأمين هذه الخدمة وعلى جودتها واستدامتها وتقديمها لكل الشرائح الاجتماعية، وعلى امتداد المجالات الترابية، وفي أفضل الشروط الممكنة. ورغم كل الاختلالات والنواقص، فقد شكلت الخدمة العمومية رهانا قويا في تدبير الشأن العام ببلادنا، بل تحولت إلى عقيدة منذ حكومة عبد الله إبراهيم وعبد الرحيم بوعبيد، والمعطيات الإحصائية في مجال الإنفاق العمومي والاستثمار العمومي ببلادنا، دليل قاطع على ذلك، ولا ننسى أن دستور2011 جاء ليكرس مبادئ الحكامة العمومية، ويدعو إلى إصدار ميثاق للمرافق العمومية.

تقدم في مؤشر إدراك الفساد

< تضمنت دراسة للمجلس الاقتصادي والاجتماعي  الدعوة إلى مواصلة محاربة الفساد الإداري الذي يعيق الاستثمار.  ما هي الإجراءات التي يتضمنها مشروع الإصلاح في هذا الصدد؟ 
< جعل البرنامج الحكومي من محاربة كل مظاهر الفساد إحدى أولوياته، عبر تخصيص محور من محاوره الأساسية لتعزيز قيم النزاهة وتخليق المرفق العمومي وإصلاح الإدارة وترسيخ الحكامة الجيدة. وانطلاقا من هذا الالتزام انخرطت الحكومة في مواصلة تنفيذ الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد، وإرساء نظام فعال لتتبعها وتقييمها، إذ لم تدخر القطاعات المعنية بتنفيذ الإستراتيجية جهدا لإنجاز المشاريع المندرجة بالمرحلة الأولى الممتدة من 2016 إلى 2018، ما ساعد على تحقيق طفرة نوعية تجسدت في تحسن ترتيب المملكة على مستوى تصنيف المؤشرات الدولية ذات الصلة بالفساد.
وواصل المغرب تقدمه على مستوى مؤشر إدراك الفساد العالمي الذي تصدره منظمة الشفافية الدولية، محرزا الرتبة 73 من ضمن 180 دولة بحصوله على النقطة 43 من أصل 100، متقدما بثلاث نقط مقارنة مع 2017، ما أتاح له الارتقاء بثماني رتب، علما أنه تقدم بتسع رتب مقارنة بـ 2016.
وعلى مستوى تصنيف مؤشر مناخ الأعمال الذي تصدره مؤسسة البنك الدولي، أحرز المغرب تقدما مهما في التصنيف العالمي، بالانتقال من الرتبة 69 في 2017 إلى الرتبة 60 في 2018 ضمن 140 دولة، واحتل بذلك الرتبة الأولى مغاربيا، والثالثة على الصعيد الإفريقي.
وعموما، تميزت إنجازات المرحلة الأولى من الإستراتيجية بتجويد الخدمة المقدمة للمواطنات والمواطنين، من خلال تبسيط مجموعة من المساطر الإدارية ونشرها، وتكريس حق المواطنين في الحصول على المعلومة، كما تميزت بإخراج العديد من الخدمات الرقمية، ومكنت من إصدار بعض مدونات السلوكيات والأخلاقيات القطاعية. كما مكنت من تقوية الرقابة والمساءلة وتقوية المتابعة والزجر والارتقاء بمنظومة الصفقات العمومية، وأتاحت الاطلاع على أدوار القطاع الخاص في تعزيز نزاهة الأعمال وتعزيز أدوار التربية والتحسيس والتكوين في المجال الوقائي.
وتفعيلا لتوصية ثاني اجتماع للجنة الوطنية لمحاربة الفساد برئاسة رئيس الحكومة ، سنشرع بالتعاون مع الهيآة الوطنية للنزاهة والوقاية من الرشوة ومحاربتها في تحيين هيكلة الإستراتيجية الوطنية لمكافحة الفساد وتجويد حكامتها، ومراجعة مضامينها المتعلقة بالمشاريع الأفقية، وتدقيق مضامين برنامج العمل لسنة 2019، مع تحديد المشاريع ذات الأولوية، التي سيكون لها الوقع المباشر على المواطن والمقاولة.

مقاربة تشاركية في الإصلاح

إن نظام الخدمة إذن هو خيار إستراتيجي، ولا يمكن أن نتصور نموذجا مغايرا للوظيفة العمومية، منفصلا عن مبدأ الخدمة العمومية، لذلك، فإن تفعيل المقاربة التشاركية في الإصلاح يستدعي الحوار الهادئ، والقدرة على الإنصات وتعبئة ملكات الحجاج والبرهنة، بدل الهروب إلى الأمام بشعارات جوفاء، ولا معني لشعارات تفكيك الوظيفة العمومية وخوصصتها…. وكل تلك التعبيرات التي تعكس مشاعر الخوف والهروب من الحوار، بدل الاستعداد الجدي للانخراط في الإصلاح المنشود.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض