fbpx
حوار

الزرايدي: السياسة بحاجة لرجال أعمال مواطنين

رئيس الأطر التجمعية أكد محدودية تفاعل الحكومة مع أوراش الإصلاح وارتباط تطوير الاستثمار بتغيير عقليات الموظفين

أكد عبد الرزاق الزرايدي بن بليوط، رئيس الأطر التجمعية، محدودية تفاعل الحكومة بقيادة “بيجيدي” مع المشاكل الكبرى التي تعيق التنمية، وبطء تنفيذها للإصلاحات المفتوحة بتعليمات ملكية، موضحا أن الحكومة متأخرة عن تنزيل مضامين الميثاق الوطني للاستثمار، منتقدا في السياق ذاته تباطؤ الأحزاب في العمل على تصور جديد للنموذج التنموي، يستجيب لإكراهات المرحلة المقبلة، خصوصا ما يتعلق بحل المعضلات الاجتماعية، وإصلاح التعليم والصحة وخفض معدلات البطالة. وشدد في حوار مع “الصباح”، على أن السياسة بحاجة إلى رجال أعمال مواطنين، يمتلكون الكفاءة والرغبة في خدمة الوطن، ويوظفون تجاربهم في خدمة الشأن العام، مشيرا في هذا الصدد، إلى أن النهوض بالاستثمار يمر عبر تغيير العقليات في الإدارات العمومية، والتركيز على التكوين. في ما يلي نص الحوار:

أجرى الحوار: بدر الدين عتيقي – تصوير: (عبد الحق خليفة)

< إلى أي حد تفاعلت الحكومة مع التعليمات الملكية لإصلاح الاستثمار والتكوين و”راميد”؟
< أبانت الحكومة الحالية عن محدودية تفاعلها مع المشاكل الكبرى التي تعيق التنمية، وعدم توفرها على اليقظة اللازمة لاستشراف العقبات الطارئة على طريق الإصلاح، والتحرك السريع لتذليلها. وأكدت الفترة الماضية هذا الوضع، من خلال اضطرار الملك محمد السادس شخصيا، لأخذ زمام المبادرة وإطلاق إجراءات واستراتيجيات إصلاح، من أجل معالجة المعضلات الاجتماعية والاقتصادية، عبر توجيه تعليمات مباشرة إلى رئاسة الحكومة.

< كيف ذلك؟
< استندت التحركات الملكية إلى مشروع مجتمعي مبني على توجهات كبرى برؤية شاملة، فسياسة الأوراش الكبرى هي رؤية ملكية خالصة، وتعامل الحكومات مع هذه الأوراش لم يكن بتلك النجاعة ولا بذلك النسق الذي أرادته المؤسسة الملكية، فمثلا في التعليم والتكوين الذي رصدت له أموال طائلة، ما تزال هناك عدة مشاكل بنيوية، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الصحة، التي ما تزال تلملم جراحها في البرامج الحكومية، ولم ترق إلى انتظارات المواطنين أو تلمس مشاكل الفئات الهشة، فنظام “راميد” على سبيل الذكر، تشوبه عدة أعطاب هيكلية، ويحتاج لتقييم منهجي من أجل حل مشاكله.
أما بخصوص الاستثمار، فالحكومة إلى حدود الساعة متأخرة عن تنزيل مضامين الميثاق الوطني للاستثمار، فإصلاح المراكز الجهوية للاستثمار، مقرون بتغيير ثقافة وعقلية المسؤولين والمقاولين، وكذلك بتنزيل الجهوية المتقدمة، فالاستثمار وحده كفيل بحل معضلة الشغل الذي يعانيه الشباب، ذلك أن معدلات البطالة ظلت تتأرجح منذ سنوات بين 9 % و10.

< أين وصلت جهود إخراج ميثاق استثمار يستجيب للإكراهات والتحديات الراهنة؟
< الميثاق الوطني للاستثمار عبارة عن وثيقة جاءت لتعوض الميثاق السابق الذي صدر في 1995، وتغير المفاهيم ومواكبة التطور الذي عرفه مناخ الأعمال العالمي. ومن وجهة نظري، فإن هذا الميثاق تأخر إخراجه إلى الوجود قليلا، وكان بالأحرى أن يصدر بعيد انطلاق سياسة الأوراش الكبرى، ليكون هناك تواز اقتصادي بطابع حداثي، سواء على مستوى التجهيزات أو تحديث المفردات، لكن هذه المعطيات لا يتعين أن تطبع رؤيتنا إلى المستقبل بالتشاؤم، فهذا الميثاق مؤهل ليلعب دورا هاما في تحسين ظروف مناخ المال والأعمال على المديين المتوسط والبعيد، وهو الأمر الذي فشلت في تحقيقه الحكومة الحالية بقيادة حزب العدالة والتنمية.

< هل للأحزاب دور في المشاورات حول الميثاق الجديد؟
< بطبيعة الحال، فالأحزاب السياسية من أهم الركائز في أي حوار حول مشاريع إصلاحية كبرى، ويتعين أن تكون لها الريادة في النقاشات الجارية مع الحكومة، بجانب الخبراء والمتخصصين، لأن الأحزاب تزخر بطاقات وكفاءات مهمة. و بخصوص المشاورات ووضع التصورات لم أعرف حتى حدود الساعة، أن الأحزاب وضعت تصوراتها حول الميثاق الجديد للاستثمار، باستثناء حزب التجمع الوطني للأحرار بقيادة رئيسه عزيز أخنوش.

< أين تتركز أهم معيقات الاستثمار؟
< رغم تركيز الحكومات المتعاقبة على الترسانة القانونية المشجعة على الاستثمار، إلا أنها فشلت جميعها في تذليل مجموعة من المشاكل المعروفة، والمرتبطة أساسا بالإدارة العمومية، فالبيروقراطية كلفت مستثمرين خسائر مالية مهمة، وتسببت في هجرة رساميل إلى الخارج، وكذلك الأمر بالنسبة إلى مشاكل الوعاء العقاري الصناعي، ومرونة التمويلات، وتزايد الضغط الضريبي مقارنة مع دول مجاورة مثل تونس.

ورغم وجود اللجنة الوطنية لتحسين مناخ الأعمال، التي يرأسها بشكل مباشر رئيس الحكومة، فإنها لم تتمكن من بلوغ نتائج ملموسة في تشجيع الاستثمار، عبر التصدي لمظاهر الرشوة والفساد والعقليات الإدارية المتحجرة، التي كلفت خزينة الدولة الملايير، في شكل استثمارات مهدورة، سرعان ما تحولت إلى بلدان مجاورة، تمكنت خلال فترة زمنية بسيطة، من تحسين ترتيبها في مؤشر الأعمال الدولي “دوينغ بيزنس”. وهنا أريد التحدث من منطلق نشاطي ضمن مجموعة “رؤى فيزيون الإستراتيجية”، التي أرأسها شخصيا، عن تجربة دول البلقان في هذا الشأن، إذ مكنتها خطط ناجعة في محاربة الرشوة، من استقطاب استثمارات خارجية ضخمة، خصوصا من دول الخليج العربي.

خطاب الثقة والتفاؤل

< ما هي نوعية الخطاب السياسي الذي يتعين تعميمه خلال الظرفية الراهنة؟
< بكل بساطة فإن الخطاب المراد تعميمه في هذه الظرفية هو خطاب الثقة والتفاؤل، وفتح النقاش حول أي خطاب وموضوعيته، يجب أن يكون مبنيا على مرجعية تنموية واقتصادية، كما الحال في الدول المتقدمة، من أجل التقدم والتطور، بدون خلفيات أو مرجعيات، تختزل حسابات سياسية ضيقة، لأن الأولويات تستدعي منا تحسين مؤشرات التنمية البشرية، فخطاب الثقة يجب أن يوجه كذلك إلى الاستثمار وعالم المال والأعمال، بما يتيح بلوغ نتائج ملموسة، كما يجب أن يكون هذا الخطاب خاليا من الشوائب، ويركز على قيم المواطنة، ولنا في الخطابات الملكية نموذجا، إذ تحمل في طياتها الأمل والثقة دائما.

رسائل مدريد

< ما دور رجال الأعمال في الساحة السياسية؟
< حسب تجربتي المتواضعة، باعتباري رجل أعمال بخبرة ناهزت 30 سنة في مجال المقاولات والتشييد والبناء، أغرمت صراحة، بالمشروع الذي جاء به حزب التجمع الوطني للأحرار، بقيادة رئيسه عزيز أخنوش، وزير الفلاحة والصيد البحري، فنجاحه في مساره دليل قاطع على أنه كفاءة وطنية يجب أن يقتدي به السياسيون الشباب، لأنه نموذج حي على رجل عصامي من عائلة خدمت هذا الوطن.وأود في هذا الشأن، التأكيد على أن أخنوش رجل دولة، بحس تنظيمي عال، وكل أعضاء ومناضلي الحزب سواسية لديه، وتضحياته واضحة للعيان، كما أنه من رجال الأعمال القلائل الذين تحملوا عبء دخولهم المعترك السياسي، ورغم تلقيه الضربات السياسية القاسية، ما يزال مرابطا يقدم الخدمات للوطن ويجول داخل المغرب وخارجه، ولعل نجاح لقاء مدريد مع مغاربة الخارج أخيرا، خير دليل على نجاعة نهج رئيس الحزب، إذ حمل مجموعة من الرسائل السياسية.

ضعف تدبير المجال

< هل تلتزم الحكومة الحالية بنظم الحكامة في تنزيل السياسات العمومية؟
< أرى أن الحكومات المتعاقبة بقيادة “بيجيدي” منذ 2011، لديها مشاكل كثيرة في تنزيل نظم الحكامة، وإعداد سياسات عمومية ناجعة، نظرا لعدم تبنيها رؤية واضحة المعالم ومشروعا تنمويا حقيقيا، فطرق تنزيل السياسات العمومية بانسجام مع إمكانيات الدولة لم ترق إلى تحديات خدمة النموذج التنموي الجديد، بسبب ضعف تكوين وقلة خبرة بعض السياسيين ممن قادوا تلك الحكومات. وإلى حدود الساعة، فإن أغلب الأطر التي أشرفت على تدبير الشأن العام، افتقرت إلى الكفاءات الاقتصادية والقدرة على تطوير الاستثمارات وتعزيز نجاعتها، إذ لم تكن ملمة بالسياسات العمومية.
ومعلوم أنه للسياسات العمومية روافد عديدة، أهمها الاستثمار، فمناخ الأعمال يحيلنا مباشرة على الميثاق الوطني للاستثمار الذي لم ير النور منذ أن حددت مخرجاته في 2017، وهنا تتبادر إلى ذهني عدة أسئلة، لماذا لم ير النور إلى حدود الساعة؟، وهل تم إشراك الفاعلين وذوي الاختصاص؟
هذه الأسئلة تحتاج إلى أجوبة شافية، والتدبر في ماهية هذا الميثاق، وما سيجلبه من منافع اقتصادية، ودور المراكز الجهوية للاستثمار الجديدة.
في الحكامة دائما ألاحظ تغييب سياسة تدبير المجال، ذلك أن 33 % من الناتج الوطني الخام ما زال متركزا في جهة البيضاء سطات، ما يؤكد وجود فوارق اقتصادية واجتماعية شاسعة بين الجهات، وهو ما يحيلنا على مفهوم العدالة المجالية المغيب عن مقاربة التدبير التي تنهجها الحكومة الحالية.

< كيف تقيمون فاتورة إصلاح منظومة الدعم والقرارات الجبائية الأخيرة؟
< عندما نتحدث عن فاتورة الإصلاح، وما أحدثته من قلاقل اجتماعية، نلاحظ أن الحكومة الحالية تعيش على تراكمات الماضي، وتطفئ نيران ومشاكل الحكومة السابقة، هنا نستحضر صندوق المقاصة والتداعيات الاجتماعية التي خلفها، فرفع الدعم عن المواد الأساسية لم يكن مسبوقا بإستراتيجية واضحة، والدليل على ذلك، أن مشروع المالية 2019 رفع نسبة 6 % من ميزانيته، التي حولت إلى الأمور الاجتماعية، وهذه التكلفة توضح التناقض الصارخ مع معدل النمو الذي لم يتجاوز 3 %.
هذا الوضع عجل باتخاذ الحكومة الحالية عدة قرارات متسرعة، منها التلويح أكثر من مرة بإلغاء الدعم، وفرض نموذج فوترة جديد على فئة التجار، المحرك الرئيسي للاقتصاد، وهذا خطأ إستراتيجي بتداعيات يصعب التعامل معها بعد ذلك، وامتداد لأخطاء الحكومة السابقة، ذلك أن القدرة الشرائية للمواطنين ظلت على مدى سنوات جامدة، وبالتالي يصعب تحميلها تكاليف جديدة. كما يجب ألا نهمل تخبط إدارة الضرائب ضمن سعيها لتوسيع الوعاء الجبائي، إذ وجدت نفسها مجبرة على تنفيذ قرارات لم يسبق التمهيد لها بفترات انتقالية، ما أثار استياء الملزمين، خصوصا أصحاب المهن الحرة.
وكان بالأحرى على الحكومة الحالية، الاعتماد على التواصل والتحسيس في سياستها الجبائية، ذلك أن هناك مشكلا بنيويا يرتبط بالوعي المجتمعي حول الضرائب، باعتبارها واجبا، والخلط بين الحق في إحداث الثروة والحرية التجارية، وكذا حق الحماية الكاملة على الممتلكات. خصوصا إذا علما أن المغرب يعتمد في تغذية ميزانية على الضرائب، التي تمثل 86 % من إجمالي العائدات والموارد.

< أين يتقاطع الاقتصاد مع السياسة في خطاب الحكومة الحالية؟
< حسب معرفتي أن هناك نوعين من الخطاب، سياسوي سئم منه المغاربة، وآخر يمنح الأمل للمغاربة، ويحتاج مزيدا من التطوير، فالتقاطع هنا لا إرادي، وفيه نوع من الاصطدام الإيديولوجي، ما يولد تيارين، أحدهما يعتمد على الشعبوية، وآخر يرتكز على المقاربة الاقتصادية، فالأول يسعى لتحقيق أهدافه من خلال ترويج خطاب المظلومية بعنوان مفاده “المعارض داخل الحكومة”، أما الثاني وفي اعتباري الشخصي، يسعى جاهدا لعدم الرد، مستحضرا المصلحة العامة. وهنا تتضح صورة الصدام الكبير في الساحة السياسية الوطنية، بين رجل الأعمال الاقتصادي ورائد الأعمال السياسي، لذا فالسياسة تحتاج اليوم، أكثر من أي وقت مضى، إلى رجال أعمال مواطنين.

أولوية المعضلات الاجتماعية

< ماذا عن المميزات التي يمكن أن يوفرها دخول اقتصاديين إلى المعترك السياسي؟
< المميزات كثيرة وسأعرج عليها بشكل مختصر، من خلال النظرة المقاولاتية والعمل بطريقة علمية، والنجاعة والحكامة في تدبير الشأن العام، فرجل الأعمال عندما يلج عالم السياسة، لا ينتظر تحصيل مكاسب مالية، بل يساهم بكفاءته وخبرته في خدمة الصالح العام، ولعل أهم ما ينقصه هو التطبيق الصحيح للمقاربة الاقتصادية والاجتماعية والتنموية.
ولا أخفيكم سرا فالعالم اليوم أصبح عبارة عن حلبة منافسة شرسة تحركها المصالح الاقتصادية، وتقتضي هذه التحديات دخول جميع رجال الأعمال للمعترك السياسي من أجل الاستفادة من تجاربهم، الكفيلة بدفع عجلة التنمية الاقتصادية والاجتماعية.

وعليه فإن الوطن في أمس الحاجة لهم ولجميع مكونات المشهد السياسي، من أجل حل المعضلات الاجتماعية وتخفيض معدلات الفقر التي تصل حسب المعطيات الرسمية إلى 50 %، ناهيك عن المشاكل الأخرى، فلهذا أركز دائما وأوصي في تدخلاتي على أن الرؤية الاقتصادية لأي بلد لا تكتمل إلا بوجود رجال الأعمال.

في سطور

– من مواليد 1964 بالمدينة القديمة في البيضاء
– متزوج وأب لثلاثة أطفال
– خريج المدرسة المحمدية للمهندسين بالرباط سنة 1991
– خريج المدرسة الوطنية للقناطر بباريس في 2003 (MBA ENPC)
– يجيد الفرنسية والإنجليزية والإسبانية
– الرئيس المدير العام لمجموعة “رؤى فيزيون الإستراتيجية”
– رئيس جمعية “رؤى للتنمية والكفاءات”
– عضو في حزب التجمع الوطني للأحرار
– رئيس لجنة الأطر التجمعية
– فاعل اقتصادي ومنعش عقاري
– ناشط في عدد من الجمعيات المهنية والعلمية المتخصصة في الاستثمار وتكوين الكفاءات والأطر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق