fbpx
خاص

حـروب التعاقـد

70 ألف أستاذ ينزلون إلى الشارع مطالبين بالإدماج والوزير يصر على التوظيف بالأكاديميات

منذ انطلاق الموسم الدراسي الحالي، واحتجاجات الأساتذة المتعاقدين، لا تتوقف إلا لتنطلق من جديد. عشرات المسيرات والوقفات الاحتجاجية حولت كبريات شوارع جل المدن إلى أنهار بشرية لأصحاب الوزرة البيضاء، يطالبون فيها بإسقاط التعاقد، قبل أن يقرروا منذ أزيد من أسبوع، تسجيل إنزال أكبر بشوارع مختلف المدن التي تحولت إلى معتصمات قارة لآلاف الأساتذة، معلنين “الإدماج أو البلوكاج”.

كانت مسيرة العشرين من فبراير الماضي نقطة التحول في مسار احتجاجات الأساتذة الذين يصرون على أنه فرض عليهم التعاقد، ومنطلق تصعيد غير مسبوق، نزل فيه الآلاف منهم إلى الشارع واعتصموا به تزامنا مع إضرابات وطنية تهدد بسنة بيضاء، فبعدما غادر الأساتذة المتدربون حجرات الدراسة طيلة الأسبوع الماضي، أعلنوا إضرابا وطنيا جديدا لأسبوع مماثل بدءا من الاثنين الماضي، رافضين أي مقترح حكومي أو وزاري لا يستجيب لمطلب الإدماج في الوظيفة العمومية. مطلب الإدماج، تصر الحكومة، ممثلة في وزارة التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، أنها تؤيده وستحققه، إلا أنها تؤكد أنه لن يتم إلا في إطار الترسيم بالأكاديميات الجهوية

بداية الأزمة

التوظيف بالعقدة لم يكن وليد حكومة العثماني، ولا حتى خلفه عبد الإله بنكيران، بل كان فكرة طالما صدرت في توصيات مخططات إصلاح منظومة التربية والتكوين منذ 1996 وتبناها المخطط الاستعجالي، فالميثاق الوطني، ثم الرؤية الإستراتيجية لمجلس عزيمان، لتعرف طريقها إلى التطبيق سنة 2016، التي عرفت اتساع الهوة بين عدد المناصب المالية المحدثة والمحالين على التقاعد.

مشكل عاناه القطاع بدءا من 2013، وقدرت وزارة التربية والتعليم حاجياتها من الأساتذة ب526 أستاذا، لترتفع أعدادهم بشكل صاروخي، ليصلوا بعد أربع سنوات إلى أزيد من 7800 أستاذ كانت المؤسسات التعليمية في أمس الحاجة إليهم لحل مشكل الاكتظاظ، الآخذ في التطور هو الآخر سنة بعد أخرى، وصل أوجه في الموسم الدراسي 2017-2016 بقرابة 20 في المائة من أقسام السلك الابتدائي بالمدن مما يفوق عدد التلاميذ بها 45 طفلا، قبل أن تتراجع النسبة إلى 0.9 في المائة الموسم الدراسي الحالي، بعدما بلغ عدد الأساتذة المتعاقدين 70 ألف أستاذ، 15 ألف منهم يتابعون التكوين حاليا.

أرقام كشف سعيد أمزازي، وزير التربية الوطنية والتكوين المهني والتعليم العالي والبحث العلمي، في لقاء صحافي جمعه بحر الأسبوع الماضي بمختلف المنابر الإعلامية، أنها تعكس نجاعة اعتماد خيار التوظيف بالعقدة نمطا جديدا في التوظيف يضمن ظروفا ملائمة للتحصيل الدراسي للتلاميذ وتحسين جودة التعلمات، في أفق بلوغ 30 تلميذا2 بالقسم، وتنزيل الرؤية الاستراتيجية، من جهة، ويشكل من جهة ثانية فرصة مهمة لتوظيف الآلاف، إذ أظهرت الإحصائيات أن الأكاديميات ستكون في حاجة إلى أزيد من 206 آلاف أستاذ بدءا من الموسم الدراسي المقبل وإلى غاية 2030.

التسمية أصل العقدة

على عكس ما تدل عليه عبارة التوظيف بالعقدة، أو التعاقد، أكد أمزازي، خلال لقاء صحافي جمعه بمختلف المنابر الإعلامية، بحر الأسبوع الماضي، أن “توظيف الأساتذة المتعاقدين لم يكن مرتبطا منذ انطلاقه بمنطق عقدة العمل محدودة المدة CDD”، لافتا الانتباه إلى أن الأمر لا يتجاوز حدود نمط جديد في التوظيف، اعتمدته الحكومة منذ 2016، واعتبرته خيارا استراتيجيا ستسير عليه، يضمن الحقوق والواجبات ذاتها، التي يتمتع بها موظفو القطاع العام.

واستدل الوزير على صحة قوله، بتأكيده التنصيص على ضمان التكوين للأساتذة المتعاقدين، طيلة مسارهم المهني، “وحتى اختبار الكفاءة المهنية الذي كان مسموحا لأساتذة الوزارة إجراؤه مرتين فقط، تضاعف العدد ليصبح أربع محاولات، وفي حال الرسوب تتم إحالة الأستاذ المعني على إعادة التأهيل، أي أنه لا مجال للتخوف من التخلي عن الأساتذة، بل على العكس، هم أبناء القطاع، وهمنا الوحيد ضمان استقرارهم وتخليق ظروف عملهم”، يؤكد أمزازي.

ونبه الوزير إلى أنه “ربما أصل عقدة هذا الملف، هو تسمية أو لفظة “متعاقد”، التي يمكن أن تخلق امتعاض بعض الأساتذة وتجعلهم يشعرون بالاختلاف عن نظرائهم المحسوبين على وزارة التربية الوطنية”، مستدركا بالقول، إن كان الأمر كذلك، سنعمل على تصحيح الوضع وسننظر في تسمية أخرى”. أمر تم بالفعل، متم الأسبوع الماضي، عقب اجتماع ضم الوزير الوصي والنقابات التعليمية، اقترح خلاله أمزازي  التخلي عم نظام “التعاقد”، إذ سيدمج جميع أطر الأكاديميات بصفة تلقائية دون الحاجة إلى ملحق العقد، وبذلك سيتم حذف الإشارة إلى هذا الملحق في النظام الأساسي، وسيتم الترسيم مباشرة بعد الإدماج ضمن أطر الأكاديمية والنجاح في امتحان التأهيل المهني وإعادة الترتيب في الرتبة 2 من الدرجة الثانية (السلم 10) مع الاحتفاظ بالأقدمية المكتسبة بالأكاديمية. تعديل لم يرق هو الآخر النقابات والأساتذة المعنيين ليستمر شد الحبل وتسود لغة التهديد والوعيد.

تصحيح مسار

كان ملحق العقد النقطة التي أفاضت الكأس وأخرجت سيل المحتجين، بعدما أجج غضب أصحاب الوزرة البيضاء، واعتبروه إمعانا في استباحة كرامتهم وتكريسا ل”دونيتهم” عن باقي الأساتذة. الملحق ذاته تعتبره الوزارة مجرد تصحيح لمسار فرضته المرحلة الانتقالية بين 2016 و2018، مؤكدة أنه ابتداء من الفوج 2019، لن يطرح أصلا هذا المشكل، وأن الهدف منه هو ضمان وضعية إدارية وسيرورة مهنية قارة للأساتذة أطر الأكاديميات، بعدما تم التوقيع على نظامها الأساسي.

وأوضح أمزازي أنه باستثناء التقاعد، وشقه المرتبط بالانخراط في الصندوق المغربي للتقاعد، يتمتع الأساتذة أطر الأكاديميات بجميع الحقوق التي يستفيد منها موظفو الإدارة العمومية وموظفو القطاع، “فالأجرة، هي نفسها التي يتقاضاها الأستاذ النظامي المرتب في الدرجة نفسها، شأنها شأن التعويضات العائلية والتعويض عن المنطقة وعن تصحيح أوراق الاختبارات الكتابية، إلى جانب ضمان الترقية في الرتبة وفي الدرجة عن طريق الاختيار بعد مرور 10 سنوات من الأقدمية وفي حدود 20 في المائة من المستوفين للشرط المطلوب، والترقية في الدرجة عن طريق امتحان الكفاءة المهنية كل 6 سنوات، والتكوين والتدريب والحق في الحركة الانتقالية، شريطة أن تتم داخل المجال الترابي للأكاديمية التي يشتغلون بها، علاوة على الاستفادة من الرخص الإدارية ذاتها التي يتمتع بها موظفو القطاع والانخراط في نظام التغطية الصحية الإجبارية المسير من طرف الصندوق الوطني لمنظمات الاحتياط الاجتماعي.

ولتبديد مخاوف الأساتذة المتعاقدين، أكد أمزازي، أن النظام الأساسي لأطر الأكاديميات أقر ضمانات لم تكن واردة بالمقرر المشترك، إذ أكد وظائف التدريس والتسيير والدعم التربوي والاجتماعي والإداري باعتبارها وظائف قارة ودائمة بالأكاديميات، والاحتفاظ بأقدمية المتعاقدين المزاولين عند إدماجهم في النظام الأساسي الخاص. كما أطر التعاقد المبني على إرادة الطرفين وتدبير المسار المهني بنظام أساسي خاص، ومنح الحق في وضعية التوقيف المؤقت عن العمل، تستفيد منها المرأة الإطار المتعاقدة، لتربية ابنها الذي يقل سنه عن خمس سنوات أو لرعاية الابن المصاب بعاهة، علما أن التوقيف المؤقت عن العمل حدد في سنتين قابلتين للتجديد على ألا تتجاوز المدة 5 سنوات.

وأبرز في سياق متصل أن النظام الجديد أقر إحداث تمثيلية الأطر بمثابة لجان متساوية الأعضاء، لا يتم فسخ أي عقد ولا اتخاذ أي عقوبات تأديبية، باستثناء التوبيخ والإنذار،  إلا بعد استشارتها، لافتا الانتباه إلى أنه تم إعفاء ثلاثة أساتذة متعاقدين من مهامهم، أحدهم أبدى رغبته في وقف العمل، مقابل، إعفاء أزيد من 400 أستاذ تابعين للوزارة.

3 أسئلة إلى ياسين مبروكي  عضو المجلس الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العضو في الفدرالية الديمقراطية للشغل

مبروكـي: تكريـس الهشاشـة

< أين يكمن المشكل الحقيقي في ظل تنامي موجة احتجاجات الأساتذة المتعاقدين وتأكيد الوزارة الوصية على أنهم أساتذة كاملو الصفة مثلهم مثل الأساتذة النظاميين؟
< بقراءة بسيطة في مضامين القانون الأساسي الخاص بأطر الأكاديمية ومقارنته بالنظام الأساسي للوظيفة العمومية الخاص بوزارة التربية الوطنية، نجد غياب المساواة وتكافؤ الفرص، فالتشغيل بالتعاقد هو تكريس للهشاشة في التشغيل، وبداية لتحكم الإدارة في الموظفين العاملين في هذا القطاع، عبر التهديد الدائم بالاستغناء عنهم في أي وقت، والتحكم في أجورهم من خلال نظام الترقي.

كما أن القصور يظهر أيضا من خلال اعتماد نموذج بصيغة موحدة لنظام خاص بأطر الأكاديميات، ما يؤكد غياب التحفيز والخصوصية، إضافة إلى إقبار الترقي المهني وسبله (التفتيش – الادارة التربوية – هيأة مستشاري التوجيه والتخطيط ..) وفرض نظام للحماية الاجتماعية هش وغير مؤسس وطنيا، مع أن التوظيف جهوي، علما أن الصندوق المغربي للتقاعد الخاص بالوظيفة العمومية سيعرف إفلاسا مستقبلا بحكم قلة مساهمة عدد النشطاء به وسيعرف “إفسادا” جديدا تحت مسمى الإصلاح، بدمج الصندوقين في السنين المقبلة.

مشكل آخر يطرحه هذا التوظيف هو ضبابية الاستقرار النفسي والاجتماعي في ظل الحرمان من الاستفادة من الحركة الانتقالية الوطنية، والاقتصار على حركة جهوية، ما يعني بعبارة أخرى فرض بناء أسرة محلية جهوية. كما أن الإشكالية التي لا ينتبه إليها الكثيرون تكمن في أن أساتذة السلك الثانوي بسلكيه يتلقون تكوينا أساسيا موحدا بمراكز التكوين الجهوي لمهن التربية والتكوين، لكن أثناء التعيين حسب الاستحقاق والخصاص يعين أستاذ الثانوي التأهيلي (له الحق في خارج السلم) وأستاذ الثانوي إعدادي (سقفه سلم 11)، ما يطرح اشكالية غياب تكافؤ الفرص في حركية الموظفين وفي نظام الترقي.

< هل احتجاجات الأساتذة المتعاقدين دليل على فشل سياسة التعاقد؟
< احتجاجات الأساتذة المتعاقدين نتيجة حتمية وتعبير شعبي عن تردي فعل سياسي منذ 2012 لحدود اليوم، خصوصا مع خطاب شعبوي عمل على تبخيس مؤسسات الوساطة الاجتماعية. وبالرجوع لملف اللجوء لاعتماد نظام التشغيل في أسلاك الوظيفة العمومية بالتعاقد، خصوصا في قطاع التعليم، تم تبعا لإملاءات صندوق النقد الدولي والمؤسسات الدولية المانحة، إذ لجأت الحكومة منذ 2016 لإقرار التعاقد في أسلاك الوظيفة العمومية عبر التصويت على مرسوم مشؤوم، والمبرر المغشوش آنذاك ارتفاع الكتلة الأجرية، هذا مع العلم أن عدد الموظفين لا يتجاوز 700 ألف، فأقرت التعاقد في قطاع التعليم كبداية في يناير 2017 ، تبني هذا النمط من التوظيف من طرف الحكومة حسب موقفها، جاء في إطار إرساء الجهوية المتقدمة من خلال استكمال اللامركزية واللاتمركز في قطاع التربية الوطنية وملاءمة وضعية الأكاديميات الجهوية للتربية والتكوين، بصفتها مؤسسة عمومية، مع مستلزمات القانون رقم 69.00 المتعلق بالمراقبة المالية للدولة على المنشآت العامة وهيآت أخرى، وكذا تقويتها باعتبارها مؤسسات عمومية تتمتع باستقلالها الإداري والمالي وتتحكم في مواردها البشرية مع تحقيق الاستقلالية الكاملة لها في توفير الكفاءات اللازمة لممارسة فعالة وناجعة في مجال تدبير الشأن التربوي، على غرار باقي المؤسسات العمومية.

< ما السبيل إلى إنجاح التوظيف بالعقدة وهل صحيح أنه يجب استثناء قطاعات من قبيل التعليم منه؟
< كما قلت سابقا، التعليم رافعة للمجتمع ولا يمكن بالمطلق القبول بنظام التشغيل بالتعاقد في قطاع حساس وإستراتيجي كقطاع التعليم أو الصحة، لأنهما حقلان مجتمعيان وحق الولوج اليهما من الحقوق المكفولة دستوريا، سواء بالنسبة للمواطن أو للممارس بهما، وقد عرف إصلاح المنظومة التربوية محطات عديدة منذ الاستقلال لحدود اليوم، اتسمت بمطبات جوهرها سياسي، ولحدود اليوم ما زلنا ننتظر المصادقة على القانون الإطار للمنظومة التربوية الذي سيحسم التخبط والعشوائية والمزاجية في التسيير، ليرسم خطة طريق واضحة المعالم  أساسها أي مجتمع نريد في أفق 2030.

*(عضو المجلس الوطني للنقابة الوطنية للتعليم العضو في الفدرالية الديمقراطية للشغل)

إنجاز: هجر المغلي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق