تحقيق

الصحة بوجدة … إقطاعيات السترات البيضاء

يفرضون قوانين خاصة بهم ويشتغلون ثلث الوقت بالقطاع العام والباقي في وحدات العلاج الخاصة

يمكنك الحصول على تأشيرة “شينغن” بشكل أيسر من الحصول على ورقة الولوج إلى المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس بوجدة، قناعة بات يتقاسمها جل الوجديين بسبب الصعوبة التي يلاقونها خلال محاولاتهم الاستفادة من الخدمات العلاجية التي من المفروض أن يوفرها هذا المستشفى الجامعي، الذي شيد من أجل تدعيم البنية الصحية للمدينة، التي تتوفر على مستشفى الفارابي الذي يعود بناؤه إلى حقبة الاستعمار وبالضبط خلال 1954، أي سنتين قبل حصول المغرب على الاستقلال.

وكان يفترض أن يوفر إنشاء المستشفى الجديد خدمات نوعية وأن يخفف من الضغط الذي تعرفه المؤسسة الاستشفائية القديمة. لكن مشاكل الصحة بالمدينة ازدادت تدهورا جعلت الوجديين يجمعون على تردي الأوضاع الصحية ويعانون الأمرين مع هذه المؤسسات. هل يستند إجماع الوجديين على الأوضاع الصحية المزرية بمدينتهم إلى وقائع موضوعية؟ وما هي نوعية المشاكل التي يعانونها؟ وما الدور الذي تقوم به المصالح الخارجية للوزارة بالمدينة؟ مجموعة من الأسئلة التي قادت “الصباح” إلى الغوص في دهاليز البنية الصحية بالمدينة للبحث عن أجوبة لها.

إنجاز: عبد الواحد كنفاوي – تصوير: عبد اللطيف مفيق (موفدا الصباح إلى وجدة)

كان المنطلق من البنية التحتية الصحية بالمدينة، إذ لا بد من الاطلاع على العرض المتوفر ومدى مسايرته للطلب على الخدمات الصحية للسكان الذين يصل عددهم إلى أزيد من 490 ألف نسمة، حسب الإحصاء الأخير للسكان والسكنى لـ 2014. وتتوفر المدينة على مستشفى الفارابي، الذي بني في عهد الحماية وتصل طاقته الاستيعابية إلى 1354 سريرا، لكنه يتوفر فقط على 712 سريرا، 315 فقط هي المتوفرة، حاليا، ولا تحتضن سوى 80 مريضا، في حين أن الأسرة الأخرى، حسب ما أدلى به مصدر مطلع، تظل فارغة ولا يستفاد منها. ويتوفر المستشفى على جهازي سكانير وجهاز للتصوير بالرنين المغناطيسي “إييرم”، والتصوير الشعاعي للثدي.

بالموازاة مع ذلك، تم إنشاء المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس على مساحة تصل إلى 10 هكتارات، 52 ألف متر مربع منها مبنية، وتصل طاقته الاستيعابية إلى 653 سريرا، وكلف غلافا ماليا وصل إلى مليار و 200 مليون درهم، ويتوفر هو الآخر على كل التجهيزات ويضم مختلف أقسام التخصصات. يضاف إلى ذلك عدد من المراكز الصحية الموزعة على مختلف الأحياء بالمدينة.
المشكل، إذن، ليس في البنية التحتية، إذ أن المؤسسات الموجودة يمكن أن توفر الخدمات بشكل جيد للسكان، فأين يكمن الخلل؟

مواعد بين ستة أشهر وسنة

رغم توفر البنيات التحتية والموارد البشرية الكافية، فإن المواعد للاستفادة من الخدمات الصحية والفحوصات تتراوح بين ستة أشهر وسنة، الأمر الذي يثير أكثر من علامات استفهام.
وهناك من هلك قبل أن يصل موعده المحدد، كما سجلت بعض الحالات تدهورت وضعيتها وانتشر المرض في كل أنحاء الجسم بسبب عدم التعامل مع الداء بالسرعة المطلوبة، الغريب في الأمر أنه يلقى باللائمة على المريض لأنه لم يبادر بالعلاج في الوقت المناسب، في حين أن المسؤولية تقع على الجهات التي تحدد الموعد في سنة.

فكيف يعقل أن تكون هناك موارد بشرية كافية وتجهيزات، في حين أن المرضى يطلب منهم الانتظار إلى 2020 أو أكثر من ذلك؟
رغم أن هناك بنية تحتية، فإنها لا تستغل، إذ أن المركز الاستشفائي الجامعي محمد السادس يتوفر على جناح للولادة لكنه مغلق ويتم توجيه كل المترددين عليه إلى مستشفى الفارابي، الأمر نفسه ينطبق على جناح الحروق، الذي ما يزال مغلقا أمام المرضى، الذين يقصدون مضطرين مستشفى الفارابي، فلا يجدون العناية المطلوبة، نظرا للضغط الحاصل عليه.

وأوضح مصدر من داخل المنظومة أن الجناحين يتوفران على كل التجهيزات، لكن جل المترددين عليه من ذوي الدخل المحدود الذين يتوفرون على بطاقة المساعدة الطبية “راميد”، يغلق الجناح في وجوههم، لأنهم لن يؤدوا أي شيء، ما دفع القيمين على المستشفى إلى إغلاق جناحي الولادة والحروق، عملا بالحكمة القائلة كم من حاجة قضيناها بتركها، لكن تبعات ذلك تقع على مستشفى الفرابي الذي يعاني الاكتظاظ.

موارد بشرية متوفرة

أول ما يتبادر إلى الذهن بعدما يتم التأكد من توفر المدينة على البنية التحتية من وحدات علاجية وتجهيزات ضرورية، هي إشكالية الموارد البشرية التي يمكن أن تكون سببا في تدهور الخدمات الصحية بالمدينة. لكن عنصرا من داخل المنظومة أكد أن الموارد البشرية متوفرة وكافية للاستجابة إلى الطلب، إذ أن هناك أربعة أطباء في كل تخصص وعدد من الممرضين يكفي لضمان مداومة على مدار 24 ساعة، بستة ممرضين وممرضات لكل ثماني ساعات من المداومة.

ويؤكد المصدر ذاته أن الدولة بذلت مجهودات مالية واستثمارية كبيرة من أجل تأهيل البنيات التحتية بالجهة الشرقية بشكل عام والمدينة على وجه الخصوص، إذ أن كل الأقاليم التابعة للجهة تتوفر على مستشفيات إقليمية تتوفر على الحد الأدنى من التجهيزات ومجهزة كلها بأجهزة سكانير والفحوصات الأخرى، لكن مستشفى الفارابي يعاني ضغطا كبيرا لأن العديد من المرضى بالأقاليم الأخرى يحجون إليه لعدم إيجاد الخدمات الضرورية بمناطق سكناهم.

الإدارة عـاجـزة

لم يعد اشتغال أطباء وممرضي القطاع العام في المصحات الخاصة أمرا يغيب عن أحد، لكنه اتخذ بعدا آخر في الجهة الشرقية، إذ أن العمل في المستشفيات العمومية أصبح هو الاستثناء، في حين أن جل وقت هؤلاء الموظفين العموميين يقضونه في القطاع الخاص، رغم أن القانون واضح في هذا المجال.

ورغم هذا الوضع الشاذ، فإن الإدارة والمصالح الخارجية لوزارة الصحة لا تحرك ساكنا، وأصبحت مغلوبة على أمرها، ولا تستطيع إعمال القانون لردع المخالفين لقانون الوظيفة العمومية.

الأدهى من ذلك، أن الوزارة استثمرت مبلغا هاما من أجل رقمنة المواعد، إذ كلفت مكتبا أجنبيا لإعداد تطبيق معلوماتي، أطلق عليه اسم “موعدي”، وذلك لتمكين المواطنين في مختلف أنحاء المغرب من أخذ المواعد في مختلف المستشفيات عن طريق الأنترنيت.

لكن النظام، الذي حاز على جائزة أفضل خدمة رقمية حكومية في الوطني العربي التي تنظم برعاية الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، فإن مستشفيات الجهة الشرقية لا تعترف بها وتصر على النظام القديم، أي أخذ المواعد كتابة، وذلك حتى يتم التستر على تغيب أصحاب السترات البيضاء عن المستشفيات، إذ أن أخذ المواعد عن طريق التكنولوجيا الرقمية سيكشف المتغيبين وسيعطي صورة دقيقة لحالة التسيب التي تعيشها مختلف المؤسسات العلاجية التابعة للقطاع العام، كما سيكشف أيضا، الأطباء الذين يشتغلون بتفان ونزاهة، لأن هناك، بالفعل، بعض الأطباء الذين يحترمون مسؤولياتهم ويشتغلون طيلة الوقت المحدد لهم، لكن النسبة الكبيرة تجمع بين الوظيفة العمومية والاشتغال في المؤسسات الخاصة، بل يقضون معظم وقتهم في القطاع الخاص دون أن يزعجهم أحد، وكأن الأمر يتعلق بإقطاعيات تابعة لهم، لا يحق لأي أحد التدخل فيها لأنها تخضع لقوانينهم ومصالحهم الخاصة.

وتأكدت “الصباح” أنه لا يمكن تحديد موعد عبر التطبيق المعلوماتي “موعدي”، إذ تم اختيار مستشفى الفارابي بعمالة وجدة أنجاد، لكن بعد ملء كل المعطيات تفاجأ بشريط يخبرك أنه من أجل أخذ الموعد يتعين الاتصال برقم يظهر على الشاشة، أي باعتماد الطريقة التقليدية. ولا يخفى على أحد أن التطبيق معلق، لكن لم نتمكن من الحصول على أي رد مقبول حول أسباب تعليق هذه الخدمة، التي استبشر بها المواطنون خيرا.

لكن مصادر “الصباح” أكدت أن السبب الرئيسي هو ما يسببه هذا التطبيق من إحراج للسترات البيضاء، الذين يتغيبون عن المستشفيات العمومية ويقصدون الوحدات العلاجية الخاصة، ما دفعهم إلى الضغط من أجل تعطيل الخدمة. وتظل الإدارة عاجزة أمام الرفض المطلق من قبل أطباء وممرضين رجالا ونساء، موظفين وأجراء في الآن ذاته.

الأولوية للقطاع الخاص

إذا كانت الموارد البشرية متوفرة في المستشفيات العمومية بوجدة وكافية لتأمين الخدمات، فلماذا تتأخر مواعد العلاج أشهرا، بل يمكن أن تتجاوز السنة في بعض الحالات؟
أكد مصدر مطلع لـ”الصباح” أن هناك أكثر من ثلاثة أطباء في جل التخصصات، لكنهم لا يشتغلون في الوقت ذاته بالمستشفى، إذ يتفقون بينهم على أن يؤمن أحدهم المداومة لمدة أسبوع، في حين يتغيب الثلاثة الآخرون، ويتعاقبون على رأس كل أسبوع. وهكذا لا يشتغل الطبيب الاختصاصي سوى أسبوع في الشهر، فأين يقضي بقية الوقت؟.

الجواب يوجد لدى العيادات والمصحات الخاصة، إذ أن أطباء القطاع العام يقضون أغلب وقتهم في القطاع الخاص، الأدهى من ذلك أنهم يتحولون إلى مروجي خدمات المصحات الخاصة. يستقبلون المرضى المترددين على المستشفيات العمومية وينصحونهم باللجوء إلى إحدى العيادات الخاصة، تلك التي يشتغلون بها بطبيعة الحال، بدعوى أن الخدمات بالقطاع العام متردية، فيحددون لهم موعدا للكشف عنهم في إحدى المصحات.

الأمر نفسه ينطبق على الممرضين، فرغم أن توزيع العمل المقرر من قبل الإدارة يقضي بتقسيم الممرضين إلى مجموعات، من ستة ممرضين وممرضات لكل فترة، فإنهم يتوافقون في ما بينهم ويوزعون الفترة المخصصة لهم إلى ثلاثة أقسام، فيشتغل اثنان منهم، خلال الفترة الأولى، ليأتي الثنائي الثاني، في الفترة الموالية، ويعوض بالثنائي الثالث، وهكذا لا يشتغلون سوى ثلث الوقت المحدد لهم.

ويقضون معظم وقتهم في القطاع الخاص، ما يتسبب في خصاص في المستشفيات العمومية.

ودفع هذا الوضع جمعيات المجتمع المدني إلى تنظيم وقفات احتجاجية أمام عدد من المصحات الخاصة، مطالبين بتحرير الأطباء والممرضين ليلتحقوا بالمستشفيات العمومية التي يتقاضون أجورهم منها ولا يشتغلون فيها، ما يتسبب في اختلالات في السير العادي لهذه الوحدات العلاجية.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق