الصباح السياسي

دخان أسود في محرك الحكومة

حروب استنزاف أهدرت زمن الإصلاح وتراشق أفقد مؤسسات الدولة ثقة المغاربة

لم يعد خافيا على أحد بالمغرب أنه ابتلى بحكومة هجينة مشكلة من ستة أحزاب، لم تتمكن من تجاوز خطاباتها النارية الغارقة في تعظيم وتقديس ذواتها، على حساب مصالح المواطنين، إذ أهدرت زمن الإصلاح في اللغو والنميمة، والقيل والقال، وتبيان نقاط ضعف بعضها البعض بأنها غير مؤهلة لكي تكون في الحكومة لتدبير الشأن العام، ما جعلها محط سخرية مواطنين فقدوا الثقة فيها وفي المؤسسات جراء استمرار التراشق.

حملات انتخابية سابقة لأوانها

ضرب وتبخيس متبادل ومناورات في الكواليس استعدادا لما بعد 2021

ارتكب قادة الأغلبية الحكومية لأحزاب العدالة والتنمية، والتجمع الوطني للأحرار، والحركة الشعبية، والاتحاد الاشتراكي والاتحاد الدستوري والتقدم والاشتراكية، والنقابات التابعة لهم وجمعياتهم المدنية ومواقعهم الإلكترونية أخطاء كثيرة في حشد الناس لعقد تجمعات لممارسة رياضة الشتم والاتهامات، وتبخيس الإجراءات وحياكة المناورات لإظهار كل طرف أنه أضعف من الآخر في حرب مجنونة بالادعاء أنها ستساهم في كسب انتخابات 2021، رغم أنها ليست مضمونة لأي طرف منهم لأنها ستكون خاضعة لحسابات آخر لحظة حسب وضعيتهم المادية والاجتماعية، وقناعاتهم الحزبية.

ولم تتوقف المعارك الهامشية التي يخوضها أكثر من قيادي في أحزاب الأغلبية خاصة غير المستوزرين الذين يمنون النفس بتولي حقيبة وزارية في أي تعديل حكومة مرتقب، أو الذين وضعوا على الهامش، وعلى رأسهم كبيرهم عبد الإله بنكيران، الذي بدأ معركة كيل الشتائم وتوزيع الاتهامات على حلفاء حزبه، لأنه لم يعد رئيسا للحكومة، وأصبح صديقه سعد الدين العثماني الذي يهتم أكثر بعمله أكثر من خوضه معارك ” شدلي نقطع ليك” و” سبني نسبك”، فقرر التنغيص عليه مرة بتبيانه أنه شخصية ضعيفة لا يقوى على المواجهة ومرة ثانية أنه لا يفقه في المناورات للرد عليها في وقتها.

و لم يهضم بنكيران نفسيا قرار إعفائه من مهمة تشكيل الحكومة رغم مرور عامين على هذا ” الزلزال السياسي”، فقرر شن حرب شرسة للإطاحة بحكومة صديقه العثماني، بأي طريقة كانت، وذلك عبر إقحام الملك في معركته السياسية، وإحداث شرخ في صفوف الأغلبية، بمهاجمة حلفائه لإحراج وزراء حزبه العدالة والتنمية، الذين طلبوا منه الكف عن التهجمات السياسية، حتى لا يحزموا حقائبهم الوزارية ويغادروا، إذ ملوا من أن يبرروا كل مرة أي خرجة لبنكيران التي تحولت إلى خطب منبرية لقصف أقرب المقربين منه بكلام جارح لا يحل أي مشكلة لأي مواطن مغربي بل يكرس حقد الناس على السياسيين.

واستغل بنكيران التوقيت المناسب لإطلاق نيران رشاشاته صوب الأغلبية الحكومية، وذلك مباشرة بعد انتهاء العثماني من لقاء مفتوح جمعه مع طلبة المعهد العالي للإعلام والاتصال بالرباط إذ بث كلمته المباشرة في” فيسبوك” ليسفه الإجراءات الحكومية الجديدة، ويقلل من شأنها.

وأكد بنكيران أن المغرب “يقترب من الدول التي تعيش الفوضى”، لاستمرار الفساد والمفسدين، قائلا “سيدنا طالع لو الدم. تكلم عن الأحزاب السياسية والإدارة بطريقة تظهر أنه “طايرلو”، وتابع،”را ما يمكنش تباقاو تحنززو في سيدنا، هو جابكم باش تخدمو الشعب”، وذلك ردا على العثماني الذي دعا في حديثه إلى طلبة معهد الإعلام، إلى التفاؤل بمستقبل المغرب، من خلال الإجراءات التي اتخذتها الحكومة في مشروع قانون المالية ل2019، والتي تهم الرفع من مخصصات القطاعات الاجتماعية ب2700 مليار سنتيم، والرفع من مناصب التوظيف، إذ قارن بين حكومة إدريس جطو، التي وظفت 41 ألفا خلال خمس سنوات، وحكومة عباس الفاسي، 71 ألفا خلال أربع سنوات، وحكومة سلفه بنكيران، 116 ألفا خلال خمس سنوات، فحكومته التي وظفت 98 ألفا خلال سنة ونصف فقط، معتبرا ذلك رقما قياسيا غير مسبوق.

وهاجم بنكيران، حلفاء حزبه، وعلى رأسهم عزيز أخنوش، رئيس التجمع الوطني للأحرار، داعيا إياه إلى مغادرة المجال السياسي لأنه فاعل اقتصادي وتجاري، وهو ما اعتبر سلوكا غير ديمقراطي، لأنه يحرم المواطنين من ممارسة العمل السياسي، بل تحدى بنكيران، قادة ووزراء حزبه الذين التمسوا منه التوقف عن مهاجمة حلفاء الأغلبية، حتى لا يحزموا حقائبهم ويغادروا الحكومة كما عبر عن ذلك لحسن الداودي، وزير الشؤون العامة والحكامة، في اجتماع الأمانة العامة لحزب ” المصباح”، الذي ناشد بنكيران، بأن يبحث عن شغل عوض مهاجمة الحكومة والحلفاء.

لكن العثماني فند ادعاءات بنكيران، مؤكدا أن الحكومة لن تسقط في الفخ، رغم إقراره بأن الأغلبية تعاني الخلافات، لكنها لم تصل إلى الأزمة كي تنفجر. وأضحى التراشق الإعلامي بين قادة الأغلبية محط سخرية المعارضة والمواطنين، إذ التمس نور الدين مضيان، القيادي الاستقلالي من زعماء الأغلبية التدخل بخيط أبيض في ما بينهم لعلهم يستيقظون من سباتهم ويقدمون خدمات للمواطنين، لأنهم إذا استمروا على هذه الحال لن يحتلوا إلا الصفوف الأخيرة في الانتخابات المقبلة.

أحمد الأرقام

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق