fbpx
ربورتاج

البيضـاء تعـذب زوارهـا

اختناق المرور في وسط المدينة وبنايات آيلة للسقوط وأوحال في الكورنيش

أينما وليت وجهك في البيضاء تصطدم ببشاعة الأزبال والأوحال والأشغال التي لا تنتهي، فالبيضاء، التي أسرت عقول وقلوب الرومانسيين، أصبحت مكفهرة يقطنها عابسون، ويسيرها منتخبون يبدعون في لغة الخشب، والاسترخاء مرتاحي البال.

قال أحمد أبو طالب، المغربي عمدة روتوردام الهولندية،مرة، إنه “لا يستطيع النوم، حين يتذكر أن هناك هولنديين ينامون في الشارع، إذ يصر على التجول ليلا ليطوف بالشوارع عله يستطيع تأمين مأوى لهم ليحتموا من البرد القارس”، أما عمدة البيضاء ف”يمد رجليه في القطار مرتاح البال”، وينام أعضاء مكتبه ملء جفونهم، ولا يشعرهم سوء تدبيرهم بالخجل، مادامت أن هناك “جهات مغرضة تشوش عليهم”، ويتحدونها بالفوز مجددا في الانتخابات الجماعية المقبلة.

زارت”الصباح”، الأسبوع الماضي، حديقة الجامعة العربية التي تفصلها أمتار قليلة عن مقر مجلس المدينة، وعاينت مشردين ينامون في الأزقة المتسخة، غير عابئين بتهاطل الأمطار، فالعمدة وباقي المسؤولين منشغلون بمعاركهم مع “طواحين الهواء”، بدل البحث وإبداع حلول لمشاكل مدينة تئن من سوء التدبير.

شبح هدم مقهى “ياسمينة”

تستأسد “الطراكسات” في حديقة الجامعة العربية، وضجيجها يصيب بالصمم، وأتربتها تخنق كل المارة، أما الحواجز الحديدية، فإنها تمنع السيارات والمارة من الوصول إلى وسط المدينة، فالأشغال لا تنتهي، حسب أحد زبناء مقهى بالمنطقة، ومنذ أشهر عديدة والأتربة تتصاعد صيفا،و تتحول إلى سحب خانقة تشعر المارة بضيق التنفس، وشتاء تُصبح أوحالا تعيق حركة السير.

يضطر السائقون في الشارع إلى الانتظار دقائق، وربما ساعة في أوقات الذروة، من أجل الوصول إلى وسط المدينة، فآلات الحفر وضيق الشارع وسكة “الطرامواي” تجعل المرور من الشارع أشبه بمغامرة في قيادة السيارة والدراجات النارية، مما يعرقل حركة السير، في ظل غياب إجراءات تضمن انسيابها.

في أقصى الحديقة يتحدى المقهى الوحيد آليات الحفر، فمقهى “ياسمينة” الذي ارتبط بالحديقة التي يعود تشييدها إلى 1913، ومصممة على طراز الحدائق الفرنسية، أصبحت الآن مهددة بالزوال، كما هي عادة كل المآثر، التي تعجز عن الصمود في وجه العبث بالتراث واستثماره، مادام المسؤولون لا يفكرون إلا في الحل السهل، المتمثل في الهدم.

مقهى “ياسمينة” مهجور، كما يقول أحد الزبناء، إلا من قلة من الأوفياء، ولا أحد يفكر في الجلوس به، بسبب ضجيج آلات الحفر والهدم، إلا أن ذلك لم يمنع مستخدميه من تحدي قرار “التخلص” منه، إذ رفع عماله لافتة تشير إلى أن “المكتب النقابي لعمال المقهى يناشد الملك بالتدخل قصد عدم تشريد عائلاتهم”، كما رفع عمال محل آخر لبيع المثلجات لافتة أخرى يناشدون فيها “المسؤولين عن تهيئة حديقة الجامعة العربية التفكير في المحافظة على مورد رزقهم، وعدم تشريد عائلاتهم، فهل رأفت قلوب المسؤولين لحال العمال؟

اختفاء مقهى “ياسمينة” ومثلجاته، إجهاز على ذاكرة أجيال من البيضاويين ، فكل السكان كانوا يقصدونه في طفولتهم وشبابهم للمطالعة أو التنزه، أما الآن فأصبح فضاء للأشغال التي تحيط به، رغم وعود المسؤولين بقرب الانتهاء منها، ناهيك عن غضب العمال الذين لا يتوانون عن التعبير عن سخطهم، إذ قطع تيار الكهرباء عن المقهى، ما جعل نوادل المقهى المذكور يشتغلون في ظروف مزرية. وما زاد وضعيتهم سوءا، عدم تقاضيهم أجورهم عدة أشهر، ما دفعهم إلى اللجوء للاقتراض لمواجهة متطلبات الحياة اليومية، علما أن وعود سابقة أكدت بتعويض النوادل وأصحاب المقاهي بمحلات جديدة وتسوية أوضاعهم.

المدينة القديمة… أطفال “النفايات”

ترتبط المدينة القديمة في ذاكرة البيضاويين بفترة الرفاهية والارتباط بالتاريخ، فهي تضم “العديد من الآثار التاريخية والمساجد القديمة و المنازل القديمة، ومن أشهر أحيائها حي القناصلة الذي كان يستقطب الأوربيين خلال القرن التاسع عشر لشهرته التجارية، كما كانت المدينة القديمة تحوي كنيسة تاريخية بناها الفرنسيون في 1891، و حي الملاح اليهودي والمطل على الساحل ، علما أن جزءا منه تعرض للهدم خلال الثلاثينات من قبل المستعمر الفرنسي لبناء ساحة فرنسا”.

لا ينام سكان المدينة القديمة، إلا بصعوبة، إذ يتوجس معظمهم، خوفا من انهيار منازلهم بسبب تهاطل كميات كبيرة ومتواصلة من الأمطار بالعاصمة الاقتصادية، ويضطرون إلى المبيت عند أقاربهم، كما حكى أحدهم ل”الصباح”، في انتظار ترحيلهم وتنفيذ وعود المسؤولين.

أصبح جزء من البيضاء، خاصة المقابل للمعرض الدولي، يثير الهلع في صفوف المارة، فهناك خيام بلاستيكية يستقر بها السكان، وبجوارها منازل منهارة، وأخرى على وشك الانهيار ومازال سكانها يقطنون بها… إنها الكارثة التي جعلت مجلس المدينة يبرئ ذمته منها ويلقي المسؤولية على الوزارة المختصة، رغم أن باب التضامن والمسؤولية يفرض عليه التدخل.

تحولت ساحة بالمدينة القديمة إلى أكوام من الأتربة يجد فيها الأطفال متنفسا للعب، وبدل أن يهرول مجلس المدينة للتخلص منها سمح لشاحنات بوضع النفايات بجوارها، فغادرت “عوا” ميناء البيضاء من أجل الاقتيات من فضلات النفايات بالمنطقة، في مشهد يجعل البيضاء أوسخ مدينة في العالم.

كورنيش “الأوحال”

اعتاد البيضاويون على بطء الأشغال، فالمسؤولون يعلنون عن مشاريع كبرى ويرصدون لها غلافا ماليا مهما، ثم يبدأ الحفر، دون أن ينتهي، ويتركون السكان في حيرة أمرهم، تماما كما في مشروع تهيئة كورنيش عين الذئاب، فقد أطلقت شركة التنمية المحلية “الدار البيضاء للتهيئة” طلب عروض من أجل إنجاز أشغال تهيئة الكورنيش وشملت الطرقات، والهندسة المدنية، والإضاءة العامة والصباغة بغلاف مالي يقدر ب65 مليون درهم.

وبدأت الأشغال وتلقى مالكو بعض المحلات، كما جرت العادة، إشعارات بإفراغ محلاتهم من أجل إنجاز المشروع (أربعة مرافق تتكون من مقاه ومطاعم تقع قرب المحطة الأخيرة للطرامواي)، واحتلت آلات الجرف الكورنيش بداية من مسجد الحسن الثاني إلى “مروكو مول”.

وجد مرتادو الكورنيش صعوبة في زيارته، بسبب أشغال تهيئة المنطقة في إطار إنجاز مشروع أطول كورنيش بالمغرب والذي سيمتد إلى منطقة دار بوعزة في أشطره الأولى، كما واجهتهم مشاكل عبور الطريق بسبب الحواجز، واضطر الراجلون إلى السير على الطريق، ما عرض حياتهم للخطر… إنه نموذج لمشاريع في مدينة تستيقظ على صخب الآلات وتتنفس الغبار، وتعاني اختناق حركة المرور.

إنجاز: خالد العطاوي – تصوير (عبد اللطيف مفيق)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى