fbpx
تقارير

ناشيـد: لغـة التدريـس ليسـت لغـة الشـارع

الخبير في علوم التربية قال إن إدخال كلمات بالدارجة في المقررات قرار متسرع

قال المكي ناشيد، أستاذ علوم التربية، إن الجدل الدائر حول استعمال الدارجة في بعض المقررات الدراسية مؤشر على ما تسعى إليه بعض الأطراف لضرب للغة العربية، مقابل تشجيع اللغة الفرنسية وتثبيتها منذ الأقسام الأولى في الابتدائي، وتدريس المواد العلمية باللغة الفرنسية.

أكد ناشيد أن الهدف من ضجة الدارجة هو طمس اللغة العربية، ونشر رأي مفاده أنها لغة غير علمية، والحال أن هذا التصور يسائل المنظومة التربوية برمتها، وليس فقط لغة التدريس، مشيرا إلى أن إدماج بعض الأسماء باللهجات المحلية في بعض المقررات يهدد التماسك الاجتماعي، ويخلق صراعا وهميا بين الوحدة التي تمثلها اللغة العربية، والتعدد الذي تمثله اللهجات المحلية المنتشرة عبر مختلف جهات الوطن.

اللغة عنصر توحيد

أكد الخبير في قضايا التربية أن اللغة الفصحى المتعارف عليها بالمغرب، لا علاقة لها بعربية الحجاز، بل هي عربية قريبة من المواطن المغربي بمختلف مستوياته، وهي لغة وسطى بين اللهجات المحلية والفصحى، وبالتالي تعتبر قابلة للتعميم والتوحيد، وصالحة للتكوين والتدريس في مؤسسات التعليم.

واعتبر ناشيد أن إدخال بعض الكلمات بالدارجة، يعتبر قرارا متسرعا، ودون دراسة متأنية من قبل المختصين ورجال التربية، مشيرا إلى أن لغة التدريس، كباقي القضايا المرتبطة بإصلاح المنظومة التربوية، هي موضوع للنقاش ضمن قانون الإطار المعروض اليوم على أنظار البرلمان.

وأوضح ناشيد أن الموضوع ليس بالسهولة التي يتصورها البعض، وأنه يتطلب استشارة واسعة، لأن الأمر يهم مستقبل الأجيال المقبلة، ولا يحق لأي كان، ولو كان وزيرا أن ينفرد بالتقرير بدل الشعب، في مثل هذه الاختيارات، انسجاما مع مضمون الدستور الذي خول لمنظمات المجتمع المدني حق الترافع في قضايا الشأن العام، وأعتبر أن قضية التعليم تشكل اليوم موضوع مراجعة وإصلاح تحتاج إلى تعميق التشاور والحوار حول أهداف الإستراتيجية الجديدة.

إشكالية تعدد اللهجات

قال ناشيد إن تعدد اللهجات المحلية يطرح إشكالات عند إدراجها في بعض المقررات، ذلك أنها ترتبط بجهات ومناطق، ما يجعل إقحام بعض الكلمات، لا يؤدي هدف التعلم والتواصل المنشودين، لأن تلك الكلمات غير مفهومة في مناطق أخرى، فكلمات تستعمل مثلا في مناطق جبالة لا يفهمها أبناء مناطق أخرى، ناهيك عن أن السياق الذي استعملت فيه كلمتا “بغرير” و”بريوة” مثلا غير مبرر من الناحية البيداغوجية، ولذلك أثارتا كل هذا الجدل.

ورفض رجل التربية أن يتم نقل كلمات من فضاء التداول داخل الأسرة أو الشارع، ونقله إلى فضاء المدرسة، باعتبارها مؤسسة تربوية ذات طابع خاص وتهدف إلى تلقين الطفل مهارات لغة عربية مقننة، تعتبر المشترك بين جميع المغاربة، وصالحة للتدريس والتعلم، وتحمل مفاهيم ودلالات لغوية قابلة للتوظيف.
إن المدرسة مفروض فيها أن تلقن الطفل لغة ترتقي به من لغة التداول في الشارع والبيت إلى لغة للتعلم، وليس تكرار ما يتلقاه في الشارع، ناهيك عن الإشكالات التي يطرحها التدريس بالدارجة.
تفقير الذوق التربوي

إن الاستخفاف بمسألة اللغة، واعتبار إدراج كلمات بسيطة في المقررات، لا يستحق كل هذه الضجة، موقق غير سليم، لأن مراجعة المقررات والمناهج، يجب أن تندرج ضمن منظومة تربوية متكاملة، والحال أن ما نلحظه اليوم، يقول ناشيد، في تصور بعض المسؤولين ورؤيتهم للمناهج، يوحي بنوع من التفقير في الذوق التربوي. فبدل إعطاء اللغة العربية ما تحمل في ثناياها من جمالية وسلاسة في التراكيب، وغنى في الكلمات، يتم إفقارها بإدخال كلمات من الدارجة واللهجات المحلية، وكأن المقصود هو إضعاف الرصيد اللغوي للطفل.

ويرى الخبير في الشؤون التربوية أن المدرس يمكن أن يتجاوز كل الأعطاب، ويتعامل مع مضامين المقررات الدراسية بحذر، حتى في حالة عدم سحب ومراجعة المقررات التي أثارت الضجة، إذ من حقه استبدال الكلمات بأخرى بما يحافظ على السياق والهدف الذي وضعت من أجله تلك الكلمات، من قبيل تلقين حروف معينة.

ويرى ناشيد أن المغاربة يتحدثون العديد من اللهجات المحلية ويستعملون مفردات خاصة بكل منطقة قد لا يفهم معناها سكان باقي المناطق، وهو ما يجعل إدراج بعض الكلمات في المقررات الدراسية يواجه خطر عدم الفهم، مؤكدا أن اللغة العربية فوق اللهجات المحلية، ووظيفتها إلى جانب التواصل وتلقين المعرفة، هو توحيد المغاربة، فكما لا يسمح المغاربة بالمس بالعلم الوطني باعتباره رمزا للوحدة الوطنية، والسيادة، كذلك الأمر بالنسبة إلى اللغة العربية، والتي أقرها الدستور إلى جانب الأمازيغية لغة رسمية.

أما القول بأن العربية الفصحى غير مفهومة فأمر مردود، لأن اللغة التي تدرس في المناهج والمقررات هي لغة وسطى تتوخى التواصل، في الوقت الذي تخصص العربية الفصحى للمتخصصين والأكاديميين المهتمين باللغة.

ويخلص ناشيد إلى أن ما ينقص المقررات الدراسية والمناهج التربوية عموما هو مراجعة عميقة يساهم فيها المختصون، تنكب على تنقيح المقررات ومراجعتها بما يتناسب والتطورات الحاصلة في المنظومة التربوية، دون المس بالثوابت. وهنا يمكن الحديث عن مراجعة للكتاب المدرسي من خلال إدماج قصص تحمل المضامين المتفق عليها، وإرفاقها بالرسوم التي تفيد الطفل وتحبب إليه اللغة، وتيسر عملية التلقين، دون الحاجة إلى “التلهيج” بمبررات بيداغوجية، غير مقنعة، كما جاء في بلاغات المسؤولين بالوزارة.

برحو بوزياني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى