fbpx
مقالات الرأي

عبد اللطيف التواصلي: إمارة المؤمنين والبناء الحضاري: أية علاقة؟

تباينت وجهات النظر حول نظام إمارة المؤمنين وطبيعته ووظيفته وشرعيته، إذ تراوحت القراءات بين المفهومية والتاريخية والدينية والمذهبية، فكانت نتائج هذه القراءات انحراف فكر فقهاء السياسة الشرعية وفلاسفة الأحكام السلطانية اتجاه مناقشة أطروحات ضيقة، اختزلت نظام الحكم في عناوين تجيب عنها ثنائيات السياسة والدين، الحاكم والمحكوم، الراعي والرعية… فغفل عن أصحاب الفكر السياسي الإسلامي استحضار القراءة الحضارية، التي تستدعي مستويات أخرى من الفهم لها علاقة بمكونات النسق الحضاري الذي يوجه الفعل الإنساني ناحية الاستخلاف والعمران.

إن ربط نظام الإمارة بفلسفة البناء وصناعة الحياة وتنمية الإنسان والتراب في ظل منهج فكري عميق، يقربنا من استجلاء الإشكال الحاصل في الخطاب الإصلاحي الإسلامي بين نصوص الكتابات الإصلاحية وبين وجوه البناء الحضاري المنشود سياسيا واقتصاديا وعلميا وبشريا.

من أجل ذلك، فإن قراءة الواقع المغربي من خلال استحضار نصوص الفكر الإصلاحي الإسلامي، واستثمارها حضاريا ومقاصديا، يمكننا من تحرير رؤية تجعل من النص الإصلاحي مدخلا لفهم البعد العمراني لنظام إمارة المؤمنين.

هنا يمكننا بسط الإشكالات الآتية: كيف يرى علماء الفكر السياسي الإسلامي نظام إمارة المؤمنين من حيث البناء الحضاري المنشود سياسيا واقتصاديا وعلميا وبشريا؟ ما علاقة إمارة المؤمنين بالبناء الحضاري؟ وإلى أي حد يمكن لهذه العلاقة أن تتحقق في ظل متغيرات اجتماعية وسياسية عالمية؟

للإجابة عن هذه الأسئلة لابد أن نجلي حقيقة مفهوم إمارة المؤمنين عند أصحاب الفكر السياسي الإسلامي، فالمقصود بإمارة المؤمنين هي الإمامة العظمى والولاية العامة، قال الإمام النووي: “يجوز أن يقال للإمام: الخليفة، والإمام، وأمير المؤمنين”، وهكذا اعتبر الإمام الماوردي (ت450ه) الإمامة “أنها موضوعة لخلافة النبوة في حراسة الدين وسياسة الدينا”، وعرفها إمام الحرمين الجويني(ت478ه) أنها “رياسة تامة وزعامة تتعلق بالخاصة والعامة في مهمات الدين والدنيا”، وقد جاء الإمام العلامة ابن خلدون(ت808ه) بتعريف شامل للإمامة التي يطلق عليها أيضا الخلافة، فقال: “الخلافة هي حمل الكافة على مقتضى النظر الشرعي في مصالحهم الأخروية والدنيوية الراجعة إليها، إذ أحوال الدنيا ترجع كلها عند الشارع إلى اعتبارها بمصالح الآخرة، فهي في الحقيقة خلافة صاحب الشرع في حراسة الدين وسياسة الدنيا به”.

من خلال هذه التعاريف يتبين أنه مصطلح ينتمي إلى القاموس السياسي الإسلامي، وله حمولة ثنائية المفهوم ترتبط أساسا بالإسلام من كونه دين ودولة. ولا شك أن كل دارس لتاريخ المغرب، يخلص إلى أن اختيار المغاربة لنظام إمارة المؤمنين منذ القديم كان له دور كبير في استقرار المغرب ومكنه من المحافظة على هويته وقيمه وتقاليده. لكن كيف يمكن لنظام إمارة المؤمنين أن يحقق البناء الحضاري المنشود كما خطه أصحاب الفكر السياسي الإسلامي؟
لتوضيح الرؤية أكثر نلتفت إلى نص المشروع الإصلاحي الذي قدمه الإمام الماوردي في كتابيه “الأحكام السلطانية”، و”أدب الدنيا والدين”، والإمام ابن خلدون في مقدمته، حيث يتمثل الجهد الفكري أثناء عرض المبادئ والقواعد المسهمة في صلاح الدنيا وانتظام أمورها، وتحقيق أهدافها في مختلف وجوه البناء الحضاري في السياسة والاقتصاد والمعرفة والعمران.
فقد أبرز الإمام الماوردي رحمه الله قواعد قيام الحضارة وانتظام أحوالها، لمن رام الإصلاح، وأوردها مرتبة ترتيبا حسنا نحا فيه إلى اعتماد الشكل الدائري الذي يحفظ مقاصد الإنسان الضرورية من حفظ الدين والنفس والعقل والنسل والمال، وهذه القواعد هي:

  • القاعدة الأولى: دينية اعتقادية: فالدين المتبع أقوى قاعدة في صلاح الدنيا واستقامتها، وأجدى الأمور نفعا في انتظامها
    وسلامتها، وما كان به صلاح الدنيا والآخرة حقيق بالعاقل أن يكون به متمسكا وعليه محافظا.
  • القاعدة الثانية: سلطانية: إذ بالسلطان تنتظم أمور الدنيا وأحوالها، وعليه المعول في حراسة الدين والذود عنه، فليس دين زال
    سلطانه إلا بدلت أحكامه وطمست أعلامه.
  • القاعدة الثالثة: قانونية أو عدلية: تتمثل في عدل شامل يدعو إلى الألفة، ويبعث على الطاعة، وتعبر به البلاد، وتنمو به
    الأموال، ويكثر معه النسل، ويأمن به السلطان.
  • القاعدة الرابعة: مدنية أمنية: تتمثل في أمن عام تطمئن إليه النفوس، وترتاح به الخواطر، ويأنس به الضعيف، فليس لخائف
    راحة، ولا لحاذر طمأنينة.
  • القاعدة الخامسة: اقتصادية: تقوم على خصب في المكاسب وفي المواد، تتسع النفوس به في الأموال، ويشترك فيه ذوو الإكثار
    والإقلال.
  • القاعدة السادسة: إنسانية: ترتد إلى أمل فسيح في الدنيا، ورغبة قوية جامحة في البناء والتعمير وتقديم الواجب بدل الحديث
    عن الحقوق.

لا شك أن هذه القواعد لها دور جلي في صلاح الدينا وإصلاحها، غير أنها لا تتحقق إلا في إطار فاعلية إنسانية، متوازنة دقيقة، تجمع بين قطبي الدين والدنيا من خلال مجموعة من القواعد الدينية والأخلاقية والاجتماعية والمادية، التي من بابها دعا الشرع المكلفين إلى تحقيق هذا التوازن والنهوض الحضاري كما أشار إلى ذلك الأستاذ مالك بن نبي في كتابه القيم: شروط النهضة.
إن طبيعة العلاقة بين الإنسان باعتباره جزءا من شبكة علاقات اجتماعية، وبين الحكم باعتباره نظاما سياسيا جامعا، تقوم على نوع من التماسك يقوي الشعور بالانتماء إلى سلطة شرعية تاريخية، ويدفع الفرد إلى القيام بدوره والنهوض بمسؤولياته للإسهام في بناء ذاته.

من جهة أخرى، فإن إمارة المؤمنين من حيث بعدها الوظيفي أقدر على تمثيل النموذج الحضاري، إذ لا انفصال بين بناء العمران وبناء الإنسان في ظل إمارة للمؤمنين حربصة على قيام العدل وحفظ النفس وصيانة الحقوق والكرامات، وهذا عين ما أشار إليه الإمام الماوردي في سياق حديثه عن الإنسان باعتباره جزء يتوقف عليه نجاح المعادلة.

وإذا كان تصور الإمام الماوردي رحمه الله لفاعلية الإنسان في علاقته بالتراب أكثر التصورات امتدادا في العصور العربية الإسلامية الحديثة، وأكثرها رسوخا في فكر الكتاب المسلمين المحدثين، فإن طريقة الإمام ابن خلدون رحمه الله في وضع مسألة البناء الحضاري من زاوية فاعلية الفرد وقوة السلطان تقع في قلب مدراس الفكر الإسلامي، ممركزة في نصوص أعلامه إشارة أو تلميحا.
لهذا يمكن الجزم أن تجربة الإمامين الماوردي وابن خلدون تظل أكثر التجارب دلالة من حيث المنهج والفلسفة، بالنظر لمركزية العلاقة بين إمارة المؤمنين والبناء الحضاري، والمقصود حاجة الإنسان لسلطة تنظم أمور الدين والدنيا، لحراسة الأركان وتدفع الأهواء، تحقق الصلاح والنفع والعدل.

خلاصة القول: إن قراءة متمعنة للمتون الإصلاحية التي صاغها أقطاب الفكر السياسي الإسلامي، تجعلنا نكون رؤية موضوعية للواقع المعيش، كما تجعلنا نشعر أن فيها مساحات واضحة من الحركة الإصلاحية التي فتحها أمير المؤمنين نصره الله وأيده. ولعلنا في حاجة إلى مثل هذا الفهم السليم، لننصهر جميعا في بناء فكر حر مبدع لازم للأداء الحضاري البناء للفرد والمجتمع بقوة واعتزاز، وفق فلسفة حكم عادل، لاستكشاف قواعد انطلاق جديدة في ظل حراك اجتماعي مملوس.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى