ملف عـــــــدالة

تقاعس مجالس هيآت المحامين وراء تكاثر المتابعات

أصحاب البذل السوداء يتمتعون بحصانة تبطل إجراءات متابعتهم أو اعتقالهم دون إشعار النقيب

إن المتأمل لمهنة المحاماة يقف على حقيقة عامة وهي أن المهام الجسيمة الموكولة للمحامي صاحب البذلة السوداء ومحتكرها لا تجلب له إلا مجالا واسعا لمسؤولية، سواء في إطار المسؤولية المهنية أو الأخلاقية أو التأديبية أو المسؤولية المدنية والجنائية. وكثيرا ما عالج الفقه والقضاء مسألة التمييز بين تلك المسؤوليات، باعتبار كل واحدة منها لها خصوصيتها. فالمهم هي المسؤولية التأديبية المتعلقة أساسا بالقواعد المهنية التي توقعها مؤسسة مهنية ينظمها القانون، المجلس التأديبي ثم غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف، بعد ذلك، ثم المسؤولية الجنائية والتي يقصد منها مسؤولية المحامي عما يصدر عنه من تصرفات تقع ضمن التشريع الجنائي.
وتجد المسؤولية الجنائية سندها في قانون المهنة في إطار المادة 65 من قانون 20 أكتوبر 2008، وأغلب ما يمكن تصوره هو الجنح التي قد تقترن بالمخالفات والأخطاء المهنية مثل خيانة الأمانة والنصب وإفشاء السر المهني.
ويمكن القول إن من بين الأسباب التي تجعل من المحامي أحيانا مرتكبا للجنح المذكورة، هو حنثه لليمين القانونية من جهة ثم زيغه عن الامتثال للقواعد القانونية المنظمة للمهنة، سواء قانون المهنة أو النظام الداخلي للهيأة التي ينتمي إليها.
ولم يكن لظاهرة متابعة المحامي والحكم عليه بمقتضى القانون الجنائي (الفصلان 540 و547 منه) أي وجود في ما سبق لأسباب عدة، ليس ضمنها عدم الاحتفاظ بالودائع بل عدم تسليمها لأصحاب الحق فيها من الموكلين الزبناء.
كما يمكن أن يرجع تكاثر المتابعات حاليا ضد المحامين إلى غياب دور مجالس الهيآت وتقاعسها عن القيام بواجبها القانوني الذي هو السهر على حماية المهنة من تصرفات من لا يشرفها أن ينتسبوا إليها.
ومهما يكن فإن من واجب النيابة العامة تطبيق ما جاء في قانون مهنة المحاماة سيما المادتين 58 و59 منه المتعلقتين بحصانة الدفاع إذ يجب تحت طائلة البطلان كل الاجراءات التي تمت دون إشعار النقيب (اعتقال المحامي أو وضعه تحت الحراسة النظرية)، ويستمع إلى المحامي بحضور نقيب الهيأو التي ينتمي إليها أو من ينتدبه لذلك.
ولعل أكبر تطبيق قضائي لما ذكر، قرار محكمة الاستئناف بأكادير بتاريخ 5 مارس 2009 الذي أبطل قرار قاضي التحقيق بالمحكمة الابتدائية بكلميم القاضي بإيداع محام السجن على خلفية اتهامه بالمشاركة في جنحتي خيانة الأمانة والنصب دون تطبيق مسطرة المادة 59 من قانون مهنة المحاماة.
إن الهالة القانونية المضفاة على المحامي ليس اعتبارا لذاته وإنما لصفته المستمدة من قانون المهنة الذي يلقي بدوره على المحامي مهاما خطيرة تتعلق بحقوق الموكل الشخصية والمالية وغيرهما بل يتعداهما أحيانا إلى مصيره وحريته إن لم نقل حياته. وبناء عليه كان الاهتمام بحصانة المحامي مبدأ وحقا لصيقا به اعتبارا لالتزاماته المهنية وللثقة الزائدة من المشرع والمجتمع له نظرا لذلك. فإذا كان الاحتكار المهني المتعلق بالمؤازرة والنيابة في جميع القضايا المدنية والجنائية والتأديبية موكولة للمحامي وحده وما يتخلل ذلك من التزامات تتعلق بالسر المهني والمحافظة على الودائع، فإنه بالمقابل يجب تمتيعه بضمانات حقيقية ليقدم خدماته على الشكل المطلوب ومنها ضمان أتعابه وضمان حصانته المهنية (أي حصانة الدفاع المتعلقة فقط أثناء القيام بمهامه) وضمان محاكمته إن كان لها محل. ولهذا كان مجلس الهيأة التي ينتمي إليها المحامي بمثابة قضاء تحقيق وقضاء الحكم بالعقوبات التأديبية إن تبينت في حقه المخالفة أو الخطأ المهني، ولهذا وجد المشرع أيضا النيابة العامة متمثلة في الوكيل العام للملك للطعن في مقررات مجلس الهيأة أمام غرفة المشورة بمحكمة الاستئناف، كلما كان هناك تقاعس في المتابعة أو التأديب أو هضم لحقوق الموكل المتقاضي يستفاد من عدم النظر في شكايته أو حفظها رغم وجود أدلة مثلا.
إن ما حصل، أخيرا، من إيداع محام السجن لمظنة ارتكابه جنحة أو جناية وإن كان ذلك من حق النيابة العامة أو قاضي التحقيق تبعا لسلطتها في هذا المجال، فإنه ينبغي النظر في ضمانات حضوره خلال إجراءات مسطرة المحاكمة أو التحقيق وبحضور مستمر لنقيب هيأة أو من ينتدبه لذلك من أعضاء مجلس الهيأة.
إن تفتيش مكتب المحامي في إطار المسطرة الجنائية (في حالة ارتكاب جناية أو جنحة خطيرة) يخضع بدوره لمسطرة خاصة كما هو مشار إليه آنفا وذلك اعتبارا للسر المهني من جهة ولاعتبار الصفة أيضا، فالمحامي ليس مواطنا عاديا في معنى الالتزامات وبصريح قانون المهنة، فهو جزء من أسرة القضاء الموكول إليها إظهار الحقيقة وتحقيق العدالة التي لن يكون لها معنى إلا في إطار الاحترام الواجب لرجالها ولالتزاماتهم المهنية.

المصطفى صفر

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق