ملف عـــــــدالة

المحامي ملزم بالحفاظ على مصالح موكليه

لمرابط المحامي والباحث دعا إلى محاسبة كل من أخل بقسم المهنة وتعدى على حقوق الغير

يرى عمر الإسكرمي المرابط، المحامي بهيأة الرباط والأستاذ الزائر بكلية الحقوق السويسي، أن من الصعب الحديث عن أزمة قيم في مهنة المحاماة، لأن شريحة واسعة من المحامين ملتزمة بقسم مهنتها وغيورة على بذلتها التي ترتديها بعز وافتخار، مشيرا إلى أن المحامي الذي يتورط في جنحة أو جناية، يمحى من الذاكرة بأثر رجعي.

ما هو واقع مهنة المحاماة في المغرب ؟
بداية اسمحوا لي في جريدة «الصباح» أن أنوه باختياركم لهذا الموضوع، الذي يتطلب حلقات عديدة للإحاطة به من جميع جوانبه. واقع مهنة المحاماة في المغرب ليس حلوا كما يعتقد البعض، فالمهنة تعيش فترة أزمة حقيقية، تتحمل مسؤوليتها عدة جهات، فعلى مستوى توزيع الثروة، يغلب على المهنة الطابع الاحتكاري، فتجد مكاتب معينة يعهد إليها بجميع ملفات المؤسسات المالية مثل البنوك ومؤسسات القروض وشركات الاتصال والقطاعات الحكومية، وزارات وغيرها، في حين يظل باقي الزملاء يتقاسمون فتات الملفات، ويزيد واقعها مرارة كلما صادفت شخصا يسمي نفسه وسيطا بين المحامي والموكل مقابل عمولة، يقطع الرزق عن الباقين. وعلى المستوى الأخلاقي يصعب الحديث عن أزمة قيم، لأن شريحة واسعة من المحامين ملتزمة بقسم مهنتها وشرفه، وغيورة على بذلتها التي ترتديها بعز وافتخار، ولا ترضى لنفسها الذل والمهانة، والحالات التي نسمع عنها في الآونة الأخيرة، معزولة، تشكل استثناء من الأصل العام، كما أن مهنة المحاماة معززة بنقبائها الذين يعتبرون الرمز والقدوة ويستدركون في إبانه أي تجاوز أو خرق للأعراف والتقاليد.

من هي في نظركم الجهات التي تتحمل مسؤولية تخليق مهنة المحاماة ؟
مهنة المحاماة لا يمكن النظر إليها منعزلة عن السلطة القضائية، لأنها مكون أساسي للعدالة في الدول المتقدمة، فلا محاكمة بدون دفاع ولا عدالة بدون محاكمة، وحينما أقول السلطة القضائية، فإن مفهومها ليس تنفيذيا كما يرى البعض، فمظهر سلطة القاضي هو استقلاله ونحن داعمون لهذا الاستقلال، لأنه بدوره دعامة أساسية لعملنا اليومي، ومظهر أساسي للأمن القضائي في البلد، لهذا الارتباط يصعب عمليا وحتى نظريا الحديث عن تخليق مهنة المحاماة خارج منظومة الإصلاح القضائي ككل، فالدولة مطالبة من باب أولي وبشكل مستعجل باتخاذ تدابير حقيقية للنهوض بمهنة المحاماة في المغرب،  لكن هذا لا يمنع مسؤولية المجالس المهنية المنتخبة والسادة النقباء من المساهمة الجدية في تخليق الجسم المهني داخليا، خاصة أن المحاماة مهنة أعراف وتقاليد تتوارثها أجيال المحامين في ما بينها.

ما هي في نظركم التدابير التي يجب اتخاذها لتحسين وضعية مهنة المحاماة؟
كثيرة ومتعددة، وعلى سبيل المثال، يجب على الدولة أن تغير منظورها الحالي إلى مهنة المحاماة، وتعطيها المكانة المرموقة التي تستحقها، وأن لا تعتبرها مهنة تمتص البطالة من الشارع، فكما يقول المثل يولد المحامي محاميا والقاضي تصنعه الأيام، رغم أن الأيام تساهم في صناعتهما معا.

وخلافا للمادة 6 من القانون المنظم لمهنة المحاماة، التي تنص على إحداث مراكز للتكوين، يجب إنشاء معهد عال للمحاماة، على غرار المعهد الوطني للدراسات القضائية، يستقبل الطلبة الحاصلين على شهادة الإجازة أو ما يعادلها، لمدة سنتين على الأقل، يخضعون خلالها لتكوين قانوني مستمر، بعدها يلتحقون كمحامين متمرنين بأحد مكاتب المحاماة للمدة نفسها. ويجب أن تقدم النقابات الدعم الكافي للمحامين الجدد بمجرد ترسيمهم، كضمانهم لدى المؤسسات البنكية قصد الحصول على قروض بفوائد تفضيلية  ومساعدتهم في الحصول على التجهيزات الأولية لمكاتبهم، على غرار الموثقين. أيضا على الدولة مراجعة النظام الضريبي المطبق على المحامين، وإعفائهم بصفة كلية من الضريبة على القيمة المضافة والرجوع بالضريبة على الدخل إلى نسبة معقولة، تأخذ بعين الاعتبار الجهد اليومي لهذه الفئة من المهنيين في قضايا المساعدة القضائية التي لا يعوضون عنها. كما أن النقابات ملزمة بضمان التكوين المستمر للمحامين وتأمين مناخ ثقافي يضمن للمحامي الإلمام بالمستجدات التشريعية والقضائية.

هل طبيعة مهنة المحاماة قانونية أم قضائية ؟
المحاماة مهنة قانونية منظمة بمقتضى القانون رقم 08. 28الصادر بتنفيذه الظهير الشريف رقم :101.08.1، الذي ينظم كيفية ولوج المهنة ومزاولتها وعلاقة المحامين في ما بينهم وعلاقتهم بالمحاكم وبموكليهم ويحدد كيفية تشكيل النقابات وانتخاب النقيب وانتخابا جمعية هيآت المحامين بالمغرب، وتبقى وزارة العدل هي الجهة الحكومية الوصية على المهنة.

ماهي المخاطر التي يمكن أن يتعرض لها المحامي في عمله ؟
يجب تسجيل أن التزام المحامي مع موكله التزام ببذل عناية، وليس التزاما بتحقيق نتيجة، وبالتالي فإنه مطالب بالحرص الشديد على مصالح موكله التي ائتمنه عليها، كالحضور في الجلسات وتهييء المذكرات والأجوبة والحرص على آجال الطعون، خوفا من تفويت الفرصة على الموكل، كما أن أكبر خطر يلف عمل المحامي، يدور حول ودائع زبنائه، فإبراء الذمة والاستبراء بالنفس والتغلب بها على سبيل المال، يبعد كل المخاطر عن المحامي والعكس صحيح.

ما هي الجرائم الشائعة المقترفة من بعض المحامين بمناسبة قيامهم بعملهم؟
يجب الانتباه إلى أن الأصل في المحامي كما في القاضي أنهما ليسا من أهل التهمة، وبالتالي فإن أي تعد يصدر منها يكيف فعلا جرميا، يجب أن يثبت بصفة قطعية وفق وسائل الإثبات الجنائية التي تنتهي عند قناعة المحكمة بارتكاب الفعل، ومن هنا نلاحظ تحفظ بعض النيابات العامة على الأمر باعتقال المحامين المشتكى بهم وتفضل متابعتهم في حالة سراح إلى غاية ثبوت التهم في حقهم. وعن سؤالك فإن الجرائم المرتكبة من طرف محامين بمناسبة أداء مهامهم تدور غالبيتها حسب علمي حول جرائم الأموال وبصفة خاصة خيانة الأمانة والنصب وإصدار شيكات بدون رصيد وخيانة التوقيع في وثائق على بياض.

ازدادت المتابعات في حق محامين متهمين بجرائم مختلفة ما هو تعليقكم؟
كما قلت سابقا هذه حالات سواء كثرت أو ندرت، تبقى معزولة، لكن يجب التعامل معها بحزم شديد لأنها تمس الجسم المهني كله، والمحاماة أولا وأخيرا هي السمعة، ودعني أوضح لك أن تداول خبر في جريدة وطنية حول محام في نقابة معينة تورط في جريمة معينة، يؤثر على سمعة المهنة في البلد بكامله، لذلك فإنه من منظوري الشخصي لا أعتبر المحامي المدان في جناية أو جنحة محاميا، بل تنساه ذاكرتي بأثر رجعي لأنه مس بشرف وكرامة مهنة هي دم يجري في عروقي.

ما هي السبل الكفيلة بوضع حد لهذه الممارسات ؟
أؤكد لك مجددا أن هذه الممارسات هي استثناء وليست أصلا والتغلب عليها سهل، للمحامي مسؤولية كبيرة، والمسؤولية اقترنت في الآونة الأخيرة في جميع المهن والوظائف بالمحاسبة، فكل من أخل بمسؤوليته تجاه الغير أو تجاه مهنته، يجب أن يتعرض للمحاسبة الحقيقية والجدية، وهنا تتحمل نقابات هيآت المحامين مسؤوليتها، فلا معنى أن يدان محام من أجل جنحة أو جناية وتجده يمارس مهامه وسط شرفاء هذه المهنة وأمام الهيأة القضائية التي أدانته، أو أن تسجل شكاية بمحام وتحفظ محاباة له أو لعلاقاته بمجلس الهيأة، كما أن القضاء الجالس والواقف يجب أن يلعبا دورهما كاملا في الشكايات والملفات المعروضة عليهما، وأن ينظرا فيها بنوع من الحزم مساعدة منهما في إصلاح منظومة العدالة في الدولة.

أجرى الحوار:  محمد البودالي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق