ربورتاج

الهيلولة … حج اليهود إلى المغرب

آلاف العبرانيين في وزان لإحياء طقوس دينية وطلب بركة الأولياء

يحج آلاف اليهود من مختلف دول العالم إلى المغرب، من أجل الاحتفال بموسم الهيلولة، التي تعد أكبر المناسبات الدينية لدى اليهود، والتي تقام بمزارات الأولياء والصالحين العبرانيين بعدد من المدن والقرى. وتعتبر قرية “أسجن” قرب وزان، إحدى المناطق التي تضم أحد أشهر المزارات التي يحج إليها اليهود، إذ يحرصون كل سنة على زيارة ضريح “رابي عمرام بن ديوان”، المدفون وسط هضاب وزان،
منذ ثلاثة قرون، ومنذ ذلك العهد، دأب اليهود على إيقاد الشموع فوق قبره، والتضرع أمامه، طلبا للبركة والشفاء من الأمراض، وجلب السعد وطرد نحس العنوسة، وحسد الناقمين.

إنجاز: عصام الناصيري – تصوير: عبد المجيد بزيوات (موفدا الصباح إلى وزان)

يصل زوار ضريح “رابي عمرام بن ديوان” منطقة “أسجن”، بعد تجاوز وزان بحوالي 10 كيلومترات، وهي قرية أمازيغية جبلية، شيدها الأمازيغ قبل الإسلام على نهر اللوكوس، وتعاقبت عليها عدد من الحضارات والأديان، إذ كانت قاعدة قبيلة مصمودة، قبل أن يستولي عليها الجنود المسلمون بقيادة عقبة بن نافع. كما كانت وما تزال تعبق بالتراث والوجود اليهودي، إذ يزورها آلاف المريدين الراغبين في نيل بركة الوالي “رابي عمرام بن ديوان”.

تجديد الإيمان

يبدأ موسم الحج اليهودي إلى المغرب، من أجل إحياء حفل الهيلولة بحضرة الصالحين والأولياء، في أوائل ماي من كل سنة، وتدوم الاحتفالات والطقوس الدينية ثلاثة أيام، غير أن اليوم الثاني من المناسبة، هو الذي يحرص اليهود على حضوره، لأنه مفعم بالعبادة والاحتفالات، ويكون فرصة للقاء العائلات اليهودية المنتشرة في جميع دول العالم، وتجديد الإيمان والعودة إلى الدين.
ويقام طقس الهيلولة داخل الضريح، الذي يحيط به سور، ويضم عددا من المرافق، إذ بالإضافة إلى الضريح وأماكن إقامة الصلاة، وقاعات الاحتفالات، يوجد عدد من المنازل التي يمكث فيها الزوار خلال زياراتهم المتكررة للضريح.
وبلغ عدد زوار الضريح هذه السنة، قرابة 9 آلاف يهودي، وفقا لما أكده سامي علون، المسؤول عن مزار “رابي عمرام بن ديوان”، وعضو مجلس الجماعات اليهودية بالمغرب، موضحا أن المزار يحظى بشهرة واسعة في صفوف يهود العالم وليس فقط المغاربة، الذين يحزمون أمتعتهم للسفر من إسرائيل وأمريكا وكندا وإسبانيا وفرنسا وفينزويلا، بالإضافة إلى العائلات اليهودية المستقرة في المغرب، مبرزا أن السياحة الدينية للمكون اليهودي بالمغرب، تعيش أبهى مراحلها، مؤكدا أن كل سنة يزداد عدد الزوار، الذين يتحولون إلى سفراء في بلدان إقامتهم، إذ يحرصون على جلب أقاربهم وأصدقائهم في المرات المقبلة.
ويضيف سامي علون، وهو مغربي يهودي يقطن بالبيضاء، يبدو في عقده الخامس، بشعر أبيض وسحنة بيضاء، أنه في السنوات الأخيرة تغيرت طبيعة الوافدين على المزار، مبرزا “لاحظنا في السنوات الأخيرة إقبالا كبيرا على المزار من قبل الشباب، عكس السنوات الماضية التي كان فيها أغلب الزوار من المسنين، الذين عاشوا في المغرب في مرحلة ما”، معتبرا أن هؤلاء الشباب يزورون الأماكن التي كان يعيش فيها آباؤهم، ومقابر أجدادهم، ويرممون الأضرحة والقبور، في مدن مثل الصويرة، وتنغير، وأزرو، ومراكش، ودمنات.

عائدون إلى وزان

لعل اليهود المغاربة أكثر الطوائف التي تجسد تجربة جرح الوطن، التي ساقها غسان كنفاني في رواية “عائد إلى حيفا”، فرغم القهر والتهجير، إلا أنهم ظلوا يحملون أمل العودة إلى ذلك الوطن الساكن في الوجدان، ولا شك أن الحوار الذي دار بين سعيد وصفية حول الوطن، كررته عائلات عديدة، لما حلت بوزان بعد عقود من الحرمان والغربة.
حضور مناسبة الهيلولة تجربة فريدة لدى اليهود، لأنها مكتنزة بالطقوس والعبادات والاحتفالات، وفيها إحياء لأواصر القرابة وصلة الرحم. ورغم برودة طقس “أسجن”، إلا أن الدفء عم الضريح، في ليلة امتزج فيها الشوق إلى الوطن والأقارب، بالعبادة وإيقاد الشموع، وحرارة العناق والقبل التي ظل يتبادلها المريدون طيلة الليلة، إذ كان أغلب الوافدين يعرفون بعضهم البعض، خصوصا الشيوخ والعجائز، الذين كانوا يمدون جسور التواصل بين الشباب والأشخاص الذين يحلون لأول مرة بالمزار.
والتقت “الصباح” عددا من العائلات اليهودية التي كانت تعيش في المغرب وهاجرت صوب إسرائيل أو إحدى الدول الأوربية. ورغم عقود من الغربة عن الوطن، إلا أن “الدارجة” ظلت عالقة بأذهانهم، ويتنافسون في الحديث والغناء بها.
رجل مسن، يبدو في عقده السابع، يقف رفقة زوجته وابنتيه الشابتين، وكان يتحدث إلى “الصباح” بحرارة قائلا “كنت أقطن بسلا رفقة أسرتي، وكنت لاعبا في فريق سطاد المغربي، رفقة الجيلالي والطيبي وعبد الرزاق”، قبل أن يضيف بنبرة تطبعها الحسرة “هجرنا من المغرب، حينما كان الصراع قائما بين المغاربة والفرنسيين”، مستطردا “تخلعنا ومشينا، ولكن المحبة ديال المغرب منسينهاش”، موضحا أنه يزور المغرب كلما أتيحت له الفرصة، كما يوصي أصدقاءه وأقاربه بزيارته، ويحكي لهم عن أجواء العبادة والفرحة وحفاوة أبناء الوطن.
وأشار الشيخ بأصبعه صوب امرأة تبدو في عقدها الرابع، كانت ترتدي لباسا مغربيا، وتضع أحمر شفاه فاقعا، قائلا “هذه ابنتي، تدعى غوت، ولدت هنا في المغرب”، قبل أن تقترب وتقول “هاجرنا من المغرب حينما كنت في السابعة، هذه المرة الثانية التي أزور فيها المغرب، ولاحظت أن المدن تغيرت بعض الشيء. هناك بنايات جديدة، والناس رائعون وطيبون”، مضيفة “سافرنا نحو باريس، ولبثنا هناك لمدة ثم هاجرنا إلى إسرائيل”، قبل أن تستطرد بلهجة مغربية قائلة “مشيت مع بابا وماما وإخوتي، وكنا عايشين مع المسلمين بحال الخوت”.

في حضرة السلطان

يكن اليهود المغاربة حبا وتقديرا كبيرا للسلاطين وملوك الدولة العلوية، ولا يفوتون فرصة زيارة ضريح محمد الخامس بالرباط.
وقالت امرأة عجوز تحدثت إليها “الصباح” إنها كانت حريصة على زيارة الضريح والقصر الملكي، موضحة “كنا عند السلطان فالرباط، سمعنا الحرس نتحدث بالدارجة وأدخلونا إلى القصر وفرحوا بقدومنا، وكنا نردد يحيا السلطان ونزغرد”، وأضافت العجوز التي تبدو في عقدها الثامن، أنها كانت تغني مع من حلوا رفقتها إلى القصر أغنية “جالسة فباب الدار…جيت نشوف سيدنا السلطان”، وهو ما نال إعجاب الحرس ومن كانوا في استقبالهم.
ويتقاسم اليهود المغاربة الذين تحدثت إليهم “الصباح” مشاعر الحب نفسها تجاه الملوك والسلاطين العلويين، إذ يعترفون بفضلهم عليهم، وإدراكهم أهمية المكون اليهودي ضمن الثقافة والحضارة المغربية.
ومن جانبه تساءل سامي علون خلال حديثه مع “الصباح”، عن السبب الذي يجعل اليهود يحجون إلى المغرب بأعداد كبيرة كل سنة، موضحا أن “المغرب بلد مفتوح في وجه جميع الديانات، وفي وزان نلاحظ أن اليهود والمسلمين يعيشون ويمضون أوقاتا كثيرة في جو من التسامح والتآخي”، مضيفا “المغرب عكس عدد من دول شمال إفريقيا والشرق الأوسط وحتى أروبا، يعد نموذجا يحتذى به في تعايش الديانات”، مبرزا أن الفضل في هذا المناخ السائد في المغرب يرجع إلى العناية الكبيرة التي يوليها الملك محمد السادس وكذا أجداده عبر العصور لجميع المؤمنين.

“المزاد اليهودي”

لا يمكن أن يختتم اليهود المغاربة احتفالات الهيلولة دون إحياء طقس المزاد. فبعد الصلوات والأدعية والأغاني والرقصات، ينتقل الزوار إلى قاعة خاصة، يتناولون فيها وجبة العشاء، ويرافقها طقس المزاد، الذي تسخر الأموال المستخلصة منه في تجهيز الضريح.
ومن أجل تحميس الوافدين لدفع أكبر قدر من المال، كان سامي علون ينشط الحفلة، إلى جانب جوق موسيقي. وتكمن أهمية هذا المزاد في بساطة الأشياء التي يقام حولها، من قبيل الشموع وبعض الكتب وغيرها، لكن قيمتها تصل أحيانا إلى 10 ملايين سنتيم.
التجارة لا تفارق اليهود حتى في الاحتفــالات الدينية، إذ جلب شيخ يهودي إلى داخل الضريح، مجموعة من المستحثات والسلع قصد بيعها للزوار، وهــي عبــارة عن بعــض الأوراق القديمــة مـن الكتاب المقدس، التي يصل ثمنها إلى 300 درهم، وكــذا قرون الخراف، التي يزمر بها الأشخاص الــذين اشتــروها، كمــا كــان الشيـخ يبيع “الكيباه” أو طاقية اليهود بـ 100 درهم.

“منحة”

يحظى الحاخامات بقيمة كبيرة في صفوف اليهود، إذ يكنون لهم الاحترام والتقدير، ويعتقدون أنهم أكبر درجة في الدين. ويحرص الحاخام على دعوة الناس إلى الصلاة، التي يطلقون عليها اسم “منحة”، إذ كان كبير الحاخامات بمدينة بات يام بإسرائيل، “إسرئيل نيسيم لوكاسي”، ينادي بين الفينة والأخرى زوار الضريح، من أجل الدخول إلى مكان مقدس يؤدون فيه الصلوات، ويعتلي منبرا خشبيا، ويمسك بين يديه كتابا مقدسا ويتلو منه بعض الآيات، بينما كان المصلون يرددون عبارة “آمين”، كما أنه كان يدعو للحاضرين بالصحة والسعد، وهو واقف أمام قبر الوالي الصالح “رابي عمرام بن ديوان”، الذي يشعل الزوار الشموع فوقه، وهو طقس ضروري من أجل أن تقبل الدعوات.
وبعدما انتهى الحاخام “نيسيم لوكاسي”، من أداء الصلوات والأدعية، انتقل إلى الباحة التي يجتمع فيها الزوار قرب قبر الولي، وكان الجميع يحادثه ويسمع أقواله بتمعن. وبعد وهلة بدأت الاحتفالات، وشرع الوافدون في الغناء والرقص، وكانت نساء يزغردن، فيما كان الجميع يردد الأغاني من قبيل “بولة بولة بولة…بولة حمرا”، وكانت حينها شابات يطفن على الزوار، ويحملن أطباقا مليئة بالفواكه الجافة والتمر. وقال كبير حاخامات بات يام في حديثه مع “الصباح”، “اليوم عيد كبير عند اليهود، ويتزامن أيضا مع ذكرى وفاة أحد أكبر الأولياء لدى اليهود، الذي يدعى رابي شمعون بريوحاي”، المدفون في جبل ميران بإسرائيل.
واستطرد الحاخام نفسه حديثه قائلا “الشمع نشعله حينما نكون نتضرع إلى الوالي، وحينما يذوب ننادي عليه ويجيبنا، سواء المرضى منا أو الراغبين في الزواج أو المهمومين”، مضيفا “الناس رأت العجائب في هذا الضريح، وهو ما يفسر الإقبال المتزايد على هذا المزار كل سنة”.

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق