ملف عـــــــدالة

مختلقو حوادث شغل استقالوا لتفادي الاعتقال

شركات خاصة اكتشفت التلاعبات وخيرت مستخدميها بين المغادرة بدون تعويض أو تبليغ الشرطة

اكتشفت شركات تشتغل في القطاع الخاص، أخيرا، تلاعبات قام بها بعض مستخدميها، يدعون أنهم تعرضوا لحوادث شغل بمناسبة أداء عملهم. واكتشفت إدارة الشركة هذه التلاعبات عن طريق الصدفة ، وذلك بعدما وقف بعض المسؤولين الإداريين على تناقضات في البيانات المدرجة الشهادات الطبية التي حصل عليها المستخدمون، وبين التصريحات التي سبق لهم أن أدلوا بها للإدارة. وبوشرت تحريات وعملية تدقيق في هذه التلاعبات بعدما تقدم الضحايا المفترضون بطلبات إلى الإدارة للحصول على شهادات العمل، التي طلبتها منهم شركات التأمين لإثبات اعتراف الشركة أولا بتشغيلهم، وبأن ما حصل وقع لهم بمناسبة أداء عملهم.
وعلم من مصادر موثوقة أن إدارة الشركة تدارست الإجراءات الواجب اتخاذها إزاء هذه العملية، إلا أن الشركة كانت أكثر عطفا، وراعت الجانب الاجتماعي والوضعية الصعبة التي يجتازها هؤلاء العمال، فقررت أن تخيرهم ما بين تقديم استقالاتهم، والانصراف إلى حال سبيلهم بدون الحصول على التعويضات، أو تقديم الملف إلى الشرطة القضائية، وطلب إجراء تحقيق، خصوصا أنه كان بإمكان الشركة التسبب في الزج بهم في السجن، وحرمانهم من الحرية.
إلا أن الأمر لم يكن ليمر على الشركة مرور الكرام، إذ قرر عدد من مناديب العمال بالشركة، المتخصصة في إنتاج الملابس الجاهزة، اللجوء إلى وضع شكايات لدى المحكمة، ضد المسؤولين الإداريين، بتهمة عدم توفير الأجواء والشروط الآمنة للعمل، والطرد التعسفي.
وينتظر أن تبت عدد من محاكم الرباط وسلا، في العشرات من الشكايات التي تقدم بها ضحايا حوادث شغل وهمية، أو التظاهر بأمراض مزمنة ناتجة عن ظروف ووسائل العمل، من قبيل أمراض الرأس، والتي يجمع الكثير من المختصين على صعوبة إثباتها.
وصدر قرار مناديب العمال هذا، بعد إقدام الشركة على طرد مجموعة من العمال، الذين ادعوا تعرضهم لحوادث شغل خطيرة، أو أمراض مزمنة بسبب العمل، وتبين من التحريات الأولية أنهم لا يعانون أصلا من أي أعراض للحوادث أو الأمراض المزمنة التي تعرضوا أو أصيبوا بها بسبب أداء عملهم.
وصارت ظاهرة حوادث الشغل الوهمية في الشركات وبعض الإدارات المغربية هاجسا يقض مضجع الكثير من المستثمرين والمسؤولين. وليس وحدهم من يتخوفون من تأثيرات هذه الظاهرة على أرباح شركاتهم وإداراتهم فقط، وإنما شركات التأمين أيضا، لأن الغاية من افتعال وفبركة حوادث شغل وهمية، هو التحايل على شركات التأمين، قصد الحصول على تعويضات مهمة، يتم تقاسمها بين المتواطئين، وقد يكون، إلى جانب العامل أو المستخدم، متدخلون آخرون، في المصالح الصحية والأمنية والمحاماة وحتى شركات التأمين نفسها.
وتكشف بعض الحقائق أن الكثير من العمال والمستخدمين نجحوا في النصب على شركات تأمين عديدة، وتمكنوا من استخلاص تعويضات مهمة عن حوادث شغل وهمية. وما يزال أغلب هؤلاء بعيدين عن أي مساءلة قانونية. وربما ما زالوا ينفذون عمليات مماثلة في شركات وإدارات أخرى.
وإن كانت مصالح الأمن والدرك لا تتوانى في إيقاف كل من يثبت تورطه، وتقديمه إلى العدالة، فإن مطالب بالبحث في احتمال وجود قنوات رسمية أخرى تشارك المتهمين عمليات النصب والاحتيال، وتساعدهم في الحصول على الوثائق بغرض تسلم التعويضات، باتت ترتفع بشكل أكثر حدة في أوساط الأطراف المتضررة. ويرى فاعل اقتصادي أن الدولة مطالبة بالتدخل في هذا الجانب لتوفير الحماية الكاملة للإدارات والشركات العاملة في القطاع الخاص، التي تتعرض لمشاكل من هذا النوع، من طرف مستخدمين وعمال لا هم لهم إلا الحصول على الثروة ولو على حساب ضمائرهم. فيما يرى آخرون أن المطلوب اليوم هو التدقيق والبحث في أصل الظاهرة لكشف المتواطئين في القطاعات المتدخلة. وخلاصة القول، وهذا ما لا يختلف حوله اثنان، فإن هناك العشرات، إن لم يكن المئات، من المحسوبين على القطاعين العام والخاص على السواء، متورطون في تحريض البعض على اختلاق حوادث شغل وهمية، أو حتى متعمدة، ومساعدتهم في تزوير الوثائق والحصول على الشهادات الطبية التي تثبت إصابتهم بـ»العاهة» أو «الضرر الجسدي». ويبدو أن كثيرا من هؤلاء ينتظرون أياما عسيرة بعد التوجه العام للدولة في تنظيم حملة على المتورطين في مثل هذه الملفات، لكن ذلك يبقى مؤجلا إلى وقت غير مسمى، لعدم توفر الأدلة الكافية لإثبات الجرائم المرتكبة.
محمد البودالي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق