fbpx
حوادث

الغرفة الجنائية بمحكمة النقض وتخليق الحياة العامة

الرشوة جريمة لا تستقيم في ظل غياب اتفاق فيما الأظناء

بقلم: الدكتور حسن فتوخ*

(الحلقة الثالثة)

وجاء في حيثيات قرار المحكمة ما يلي:
لكن حيث من جهة أولى، لئن كان الإضراب يعتبر حقا يمارسه الأجراء في مواجهة المشغل لتحقيق بعض المطالب كما يضمنه الدستور، إلا أنه يجب أن لا يتجاوز حدود المشروعية، حينما يؤدي إلى عرقلة حرية العمل، وإحداث شلل بنشاط المشغل، أو إلحاق ضرر به، ذلك أنه من الثابت من وثائق الملف، أن الطالب ومن معه من العمال، قاموا بنصب خيمة داخل مقر الفندق المطلوب، ودخلوا في اعتصام وتوقف عن العمل، وقد استصدر المطلوب في مواجهتهم حكمين استعجاليين بإفراغهم مقر الفندق، كما أنهم قاموا بمنع عمال الرصاصة من القيام بالإصلاحات الضرورية بالفندق لافتقاره للماء، الأمر الذي أدى ببعض زبناء الفندق إلى مغادرته، وفضلا عن ذلك، فإنهم منعوا تزويد الفندق بالماء بعدما أحضرت إدارة الفندق جرارا يجر صهريجا من الماء، وهذه الأفعال كلها استخلصت المحكمة المطعون في قرارها، وفي إطار سلطتها التقديرية والتي لا رقابة عليها من قبل محكمة النقض، إلا من حيث التعليل منها أنها تشكل عرقلة لحرية العمل، وأفعالا خطيرة أثرت على السير العادي لمؤسسة الفندق وألحقت ضررا بالغا به.
-2 جريمتا عرقلة حرية العمل والتهديد وسلطة المحكمة في تقييم الأدلة
في طعن بالنقض، تمسكت من خلاله المشغلة بانعدام التعليل وخرق مقتضيات الفصلين 288 و429 من القانون الجنائي، ذلك أن المحكمة مصدرة القرار المطعون فيه، أيدت الحكم الابتدائي فيما قضى به من براءة المتهمين، رغم أن الشهود أكدوا أن المتهمين حملوا البحارة على التوقف الجماعي عن العمل، ومنعوهم من الصعود إلى المراكب مستعملين في حقهم السب والشتم والتهديد.
غير أن محكمة النقض اعتبرت في ردها على ما ذكر أعلاه، أن القرار المطعون فيه، لما أيد الحكم الابتدائي فيما قضى به من براءة المتهمين مما نسب إليهم، فقد استند في ذلك إلى إنكارهم وعدم توافر عناصر واقعية وقانونية، تفيد ثبوت اقترافهم للمنسوب إليهم، وذلك بعد أن استمعت إلى الشهود، الذين لم يستشف من شهادتهم توافر العناصر القانونية للجنحتين موضوع المتابعة، مما تكون معه المحكمة قد استعملت سلطتها في تقدير الوقائع وتقييم أدلة الإثبات المعروضة عليها، بما في ذلك شهادة الشاهد المستمع إليها أمامها، ما كون لديها القناعة بعدم ثبوت جنحتي عرقلة حرية العمل والتهديد في حق المتهمين فجاء قرارها من غير خرق للقانون معللا تعليلا كافيا.
المحور الثاني: مظاهر التخليق بالنسبة للخدمات العامة
-1 جريمة الإرشاء وجواز إثباتها بجميع الوسائل:
من خلال طعن بالنقض للمحكوم عليه، عاب بموجبه على القرار المطعون فيه تأييده للحكم الابتدائي الذي أدانه من أجل جنحة الارتشاء رغم أنه ليس بموظف عمومي، وأن الأفعال المنسوبة إليه في حالة ثبوتها لا تتعلق بوظيفته موظفا عموميا إما فعلا وإما بحكم القانون، واعتماده في الإدانة على محضر الضابطة القضائية، الذي ورد أكثر من عنصر يخالفه في محضر الجلسات وتصريحات الأطراف ومرافعات الدفاع، كما أنه شابه تناقض في تعليله لما أدان الطاعن من أجل الارتشاء وبرأه من باقي ما نسب إليه، رغم أن الرشوة جريمة لا تستقيم في ظل غياب اتفاق فيما بين الأظناء.
وقد ردت محكمة النقض على الوسائل المذكورة، معتبرة أن الطاعن توبع بجنحة الإرشاء طبقا للفصل 251 من مجموعة القانون الجنائي، وأثبت الحكم المستأنف المؤيد بالقرار المطعون فيه تقديمه رشاوى لموظفين للحصول على رخص استغلال سيارات الأجرة، اعتمادا من المحكمة على اعترافه في محضر الشرطة القضائية بذلك، والذي له حجية ثبوتية طالما اقتنعت بفحواه بحكم مالها من سلطة تقديرية في تقييم الحجج المعروضة عليها، وما دامت غير ملزمة باتباع وسيلة معينة في الإثبات. وتبقى الإشارة إلى لفظ الارتشاء عوض الإرشاء مجرد خطأ مادي لا تأثير له على سلامة القرار، وكيانه طالما أبرزت المحكمة الأساس القانوني لما قضت به والعناصر التكوينية للجنحة التي أدانت من أجلها الطاعن، فضلا عن أن تقديم الرشوة من قبل هذا الأخير للحصول على مزية، وقبول الموظفين المعروض عليهم، يكون الاتفاق الممثل لمادية الارتشاء، الأمر الذي جاء معه القرار المطعون فيه المؤيد للحكم الابتدائي والمتبني لتعليلاته معللا، ولم يشبه أي تناقض يذكر، وتبقى الوسائل فيما اشتملت عليه على غير أساس.
-2 قناعة المحكمة بالوسائل الالكترونية في إثبات جريمة الرشوة.
في نازلة تتعلق بطعن بالنقض من قبل الموظف المدان من أجل جنحة الرشوة، عاب على محكمة الاستئناف أنها لم تعلل قرارها بخصوص تصريح المتهم، وإنما تبنت علل وأسباب الحكم الابتدائي، مضيفا أن مصافحة الطاعن (موظف) لأصحاب السيارات، ووضع يده في جيبه بعد المصافحة، لا يمكن اعتباره قرينة على أنه تلقى مبالغ مالية أو هدية أو أي شيء آخر، لأن القرينة هي استنباط شيء مجهول من شيء معلوم، وأن مجرد المصافحة ووضع اليد في الجيب بعدها، لا يمكن اعتباره شيئا معلوما، خاصة أن الطاعن أنكر أن يكون قد تسلم أي مبلغ مالي من أصحاب السيارت، وأن شريط الفيديو الذي شاهدته المحكمة الابتدائية لم يظهر من خلاله أنه قد توصل بمبلغ مالي.
بيد أن محكمة النقض اعتبرت ردها على الوسيلة المذكورة أعلاه، أن المحكمة استخلصت بعد ثبوت الفعل المادي، أن نية المتهم اتجهت إلى تسلم أشياء ذات قيمة مادية من سائقي السيارات المستعملة في نقل البضائع والأشخاص من أجل السماح لهم بالمرور، دون قيامه بدوره المنوط به، ومادام أن الفعل المنسوب إليه مجرم ومعاقب عليه بمقتضى الفصل 248 من القانون الجنائي، اقتنعت المحكمة بعد دراستها القضية ووثائقها، وكذا ما راج أمامها، خصوصا القرص المدمج، بأن المتهم قام فعلا بالمنسوب إليه، فقررت مؤاخذته من أجل ذلك.
* رئيس مكتب الودادية الحسنية
للقضاة بمحكمة النقض

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى