تحقيق

عاملات التوت… جاريات بإسبانيا

معاناة  تصل إلى الاعتداء عليهن وابتزازهن  جنسيا

نساء متزوجات في مقتبل العمر، يعلن أطفالا وعائلات، شددن الرحال إلى إسبانيا، بعدما وقع الاختيار عليهن ليشتغلن في حقول “الفراولة” هناك، لجني ما جادت به الأرض، قبل العودة إلى الوطن، حسب الاتفاق. نساء الفراولة الإسبانية، يتذوقن مرارة المعاناة، بعدما يقفن في طوابير طويلة من أجل الحصول على فرصة للسفر إلى هناك، والاشتغال ساعات طويلة في الحقول وتحت أشعة الشمس. وتستمر معاناتهن بعدما يوضعن في غرف بلاستيكية للنوم، ويتلقين معاملة قاسية، إلا أنهن يفضلن البقاء هناك، مادام لا يوجد بديل لهن. هذا جزء من الواقع الذي تعيشه نساء الفراولة في إسبانيا، فيما تفاصيل أخرى، ستكشف، لأول مرة، في هذا التحقيق.

إنجاز إيمان رضيف

أفسدت أشعة الشمس بشرتهن، وتركت المجال للتجاعيد لتظهر  وتجد مكانا لها قبل الأوان، فيما سكنت الأتربة الخطوط المرسومة على كفوفهن، بعدما امتزجت بحمرة الفراولة التي يسهرن على جنيها في الحقول  الاسبانية. إنهن مغربيات، غادرن أرض الوطن نحو الجارة الشمالية، للعمل ساعات طويلة مقابل أجر، لن يحصلن عليه في المغرب.  من هناك،  تسمع  معاناة  بعضهن، وتقفز على السطح، حتى تصل إلى المسؤولين.

البديل المر

 6 فبراير 2018، في هذا اليوم  كانت مليكة، (اسم مستعار) تستعد  للسفر  إلى الضفة الأخرى، للعمل وسط حقول الفراولة، وقضاء ساعات طويلة فيها. ورغم أنها على علم بكل تفاصيل ما يحدث هناك، وأنها ستتحول، رفقة الكثير من زميلاتها، إلى “جاريات” وستهضم حقوقهن، اختارت إعادة التجربة، وهيأت أغراضها للسفر إلى إسبانيا، لعلها تأتي هذه المرة، وفي حوزتها مبلغ مالي يساعدها على مواجهة مصاريف الحياة القاسية.

 قرار مليكة، هو القرار ذاته الذي اتخذته الكثير من المغربيات، فبعدما ذقن مرارة الفقر في بلدهن، غيرن الوجهة صوب أوربا، وكلهن أمل في أن يجدن رغد العيش هناك.

هن نساء لم يحالف أغلبهن الحظ في التمدرس، لا يعرفن القراءة والكتابة، ويجهلن حقوقهن، همهن الوحيد جلب لقمة العيش لأسرهن، ومن أجل ذلك أجبرن أمام قساوة ظروفهن الاجتماعية، على الهجرة وترك أطفالهن وأسرهن، وهو الأمر الذي قد يدخلهن في معاناة نفسية كثيرة.

تقول مليكة 40 سنة، متزوجة وأم لطفلين، تعمل بحقول الفراولة باسبانيا منذ سنوات، إنه أمام عجز زوجها العاطل عن العمل، على تأمين حاجياتهم، والعيش حياة كريمة، اضطرت إلى العمل في حقول الفراولة، وذلك بعدما أخذت الموافقة منه، وتركت أطفالها تحت مسؤولية حماتها.

تقول مليكة إنها وجدت نفسها مجبرة على خوض المغامرة، سيما أن المرأة العاملة في القطاع الفلاحي في المغرب، تعاني أيضا، وربما تعاني أكثر مما قد تعانيه في إسبانيا “ويل ويل، اللهم ويل إسبانيا”.

 مشاكل قبل السفر

كان من الضروري الكشف عن تفاصيل المشاكل والمعاناة التي تحدثت عنها مليكة، وماذا نقصد بـ”ويل إسبانيا”، وهو السؤال الذي نقلته “الصباح”، إلى منظمة “اوكسفام” فرع المغرب، خلال الزيارة التي قامت بها لمكتبها بالرباط، قبل أن تتلقى الكثير من الأجوبة.

“معاناة “نساء الفراولة” اللواتي يشتغلن في الحقول الإسبانية، تبدأ قبل وصولهن إلى الضفة الأخرى، وبشكل أدق، خلال وضع طلبات السفر”، هذا ما جاء على لسان أسماء فاخوري، المتحدثة باسم منظمة “اوكسفام”، وهي اتحاد دولي لـلمنظمات الخيرية التي تركز على تخفيف حدة الفقر في العالم، مشيرة إلى أن الظروف التي توضع فيها النساء الراغبات في السفر والحصول على فرصة للاشتغال في حقول إسبانيا، بعيدة عن الإنسانية “آلاف النساء، يجتمعن في مكان واحد، ويتدافعن من أجل وضع ملفاتهن، وهو الأمر الذي يتسبب في فوضى عارمة، وكان السبب في وقوع الكثير من الحوادث”، تقول فاخوري قبل أن تضيف أنه من خلال اللقاءات التي تجمع  “أوكسفام” والمسؤولين على “الأنابيك”، يتم التطرق إلى هذه النقطة،  ويشددون على أهمية أخذها بعين الاعتبار، إلا أن الوضع لا يعرف أي تغيير، وفي كل سنة يتكرر الوضع. وتحدثت الشابة عن العنف الذي يتعرض له بعض النساء من قبل رجال الأمن الخاص، وما زيد الطينة بلة، على حد تعبيرها، أن أغلب النساء لا يتلقين معلومات مضبوطة حول الوثائق المطلوبة لقبول الملف، وهو الأمر الذي يدفعهن إلى صرف الكثير من المال لتوفير العديد من الوثائق قد تكون دون أهمية.

 لم تتوقف فاخوري عند هذا الحد، إذ تابعت بالقول إن النساء اللواتي يتقدمن بطلب الاشتغال في الحقول الإسبانية، غالبا ما يكن من اليد العاملة التي يعتمد عليها المغرب والتي استفادت من تكوين في هذا المجال، إلا أن اسبانيا تستغل ذلك دون أي عناء، ودون حتى أن تمنح المهنيات حقوقهن، والأكثر من ذلك، تفرض عليهن أجورا غير ملائمة.

قهر

الحديث عن حقوق “نساء الفراولة”، يتطلب وضع الموضوع على طاولة النقابات. وفي هذا الصدد، كان لنا حديث مع سعيد خير الله، الكاتب العام للجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي، والذي تحدث عن الموضوع بحرقة كبيرة، قبل أن يصف المغربيات اللواتي يشتغلن في الحقول الاسبانية بـ”الجاريات”، وذلك للمعاملات غير الإنسانية التي يتلقينها، والظروف المزرية التي يجدن أنفسهن مضطرات لعيشها. يقول الرجل، والذي سبق أن قام بزيارة ميدانية لأحد الحقول باسبانيا والتي تستعين باليد العاملة المغربية، في إطار الشراكة التي تجمع النقابة بنقابة أخرى باسبانيا، إنه وقف على الكثير من المشاكل  والمعاناة وعلى وضع كارثي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، مشيرا إلى أنهن يعاملن معاملة غير إنسانية، ويوضعن داخل بيوت بلاستيكية، تفتقر لأبسط شروط العيش الكريم. وأكثر ما حز في نفس النقابي، أن قانون الشغل الإسباني لا يطبق على “نساء الفراولة” المغربيات، ولا يحصلن على الأجر الذي يوصي به القانون “والخطير في الأمر، أن المسؤولين المغاربة، على علم بذلك، ويتجاهلون الأمر، كأن الأمر لا يهم فئة مهمة من المواطنين المغاربة”، حسب قوله.

 كما أن شروط  اختيار النساء، على حد تأكيد المتحدث ذاته، تفرض طرح  الكثير من علامات الاستفهام “يخترن النساء المتزوجات، واللواتي لديهن أطفال، ويفرض عليهن التوقيع على عقد مدة صلاحيته لا تتجاوز 9 أشهر، ويشترط فيهن التمتع بصحة جيدة، ونقط أخرى، نعتبرها تخص العبيد، وكأننا مازلنا في القرون الوسطى”.

 من بين الحقائق التي وقفت عليها النقابة خلال الزيارة التي قامت بها، وأيضا من خلال ما تتوصل به من معلومات من النقابة الإسبانية، فإن العاملات في الحقول، يمنعن من مغادرة مكان الإقامة، بعدما تسحب منهن  جوازات السفر “يعشن القهر، وفي ظروف تفتقر لأبسط شروط السلامة الصحية، علما أن العاملات من دول أخرى، لا يعشن الوضع ذاته، ويعاملن معاملة حسنة  تليق بالإنسان، عكس المغربيات”.

تحرش واغتصاب

“احتقار وإهانة وعيش حياة العبيد، وحرمان من  الحقوق”، هذه أبرز ما تحدثت عنه المتحدثة باسم “اوكسفام”، والكاتب العام للجامعة الوطنية للقطاع الفلاحي، لكن الواقع يتضمن حقائق أخرى تتخبط فيها “نساء الفراولة”  بالحقول الاسبانية، وتدفع إلى دق ناقوس الخطر، وحث المسؤولين على التدخل.

فإلى جانب كل تلك المعاناة، تقفز إلى السطح معاناة أخرى، تداس فيها كرامة المرأة ويحط منها، سيما أن أغلب العاملات هناك لا يخفين الإحساس بالإحباط الذي قد يصل إلى حد الصدمة، بعدما يتضح لهن جليا أن تحقيق أحلامهن مستحيل، وأن أقصى ما يمكن بلوغه هو تحقيق مكاسب هزيلة اعتبارا لظروفهن القاسية.  “يتعرضن للعنف بكل أشكاله، ويواجهن التحرش، وحالات كثيرة تعرضت للاغتصاب”، هذا ما جاء على لسان أسماء فاخوري، قبل أن تطلب، من أجل معرفة تفاصيل أخرى، الاتصال بأمينة الصالحي، فاعلة جمعوية، مقربة من نساء خضن تجربة الجني في الحقول الإسبانية، وذقن طعم مرارة الاشتغال في جني تلك الفاكهة الحمراء. تقول أمينة، إن اللواتي عدن إلى المغرب، بعد قضاء أشهر وسط حقول الفراولة، يتحدثن عن معاناة أخرى، بعيدا عن هضم حقوقهن وحرمانهن من العيش حياة كريمة، مؤكدة، حسب ما جاء على لسان إحداهن، أن الجميلات منهن واللواتي يتمتعن بقدر من الجمال، غالبا ما يكن عرضة للتحرشات الجنسية، وهو الأمر الذي أكدته مليكة، مشيرة إلى أن الكثير من العاملات في الحقول، تعرضن للاغتصاب، وأجبرن على ممارسة الجنس وأشياء أخرى، وتعرضن للابتزاز، من أجل الاستمرار في العمل، وحتى لا يخصم من أجورهن.

تقول مليكة قبل أن تضيف أنه بالإضافة إلى مشاكلهن الاجتماعية، تضطر الكثير من العاملات، في حال اكتشاف أنهن يحملن أجنة، إلى إخفاء الأمر، خوفا من الطرد، ومن العقاب، سواء كان ذلك نتيجة علاقة جنسية شرعية جمعتهن مع أزواجهن بالمغرب، قبل السفر، أو نتيجة علاقة غير شرعية.

ولا يتوقف الأمر عند  هذا الحد، إذ تجد الكثير من العاملات أنفسهن أمام خيارين، إما الاستمرار في عيش حياة مزرية طيلة الأشهر التي يقضينها بالمزرعة الاسبانية، أو الاستسلام لنزوات المسؤولين عليهن، وتنفيذ رغباتهن “العيش بسلام، يتطلب  تقديم بعض التنازلات”، حسب ما أكدته مليكة قبل أن تضيف أن بعض العاملات في حقول الفراولة، يعتبرن محظوظات لأن مسؤولا  أعجب بهن، وأرادهن أن يكن من خليلاته، ويزرنه كلما حل الظلام، لقضاء ليلة حمراء، قبل التوجه إلى الحقول للعمل ساعات أخرى.

ناقوس الخطر

 الكشف عما يقع في الضفة الأخرى، دفع مليكة إلى حد التأكيد أن بعض المغربيات العاملات هناك، ضحايا “نصابين”، يستغلونهن أبشع استغلال “بعض العاملين في بعض الحقول، يوزعون الوعود على المغربيات، ويتعهدون بمساعدة من قبلت بشروطهم من أجل الحصول على الإقامة الاسبانية، قبل أن يكتشفن أن تلك الوعود، حبرا على ورق، وأن لا شيء مما يقولون يتحقق، فيعدن أدراجهن، حاملات معهن خيبات الأمل”،  تقول المرأة قبل أن تضيف، أن بعض العاملات يصبرن على التحرشات، ويقبلن بابتزاز بعض الرجال، من أجل البقاء في إسبانيا، والعيش هناك، بعيدا عن المعاناة التي يتكبدنها في المغرب، لكن دون نتيجة، ويعدن إلى المغرب، حتى دون أمل العودة إلى الاشتغال في الحقول الاسبانية في إطار عقد لمدة معينة.

فما جاء على لسان المرأة، دقت بسببه جمعيات حقوقية ناقوس الخطر، معبرة عن قلقها من استغلال الفلاحات المغربيات اللواتي يتوجهن إلى إسبانيا قصد جني الفراولة، من طرف مافيا الاتجار بالبشر، التي تستغل أميتهن وظروفهن الاجتماعية الصعبة من أجل دفعهن لامتهان الدعارة مقابل وعدهن بالاستقرار في إسبانيا.

في المقابل تقول فاطمة، إن اللواتي يعملن بجد ودون كسل، يتم الاتفاق معهن للعودة مرة أخرى للاشتغال في الحقول، وفق عقد يجمعهن  بمسؤولي المزرعة، ودون أن تمر من الإجراءات التي تفرض من قبل مسؤولي إسبانيا والمغرب “يضمن مكانهن، وعند حلول موسم الجني، يتوصلن بدعوة من مسؤولي المزرعة الاسبانية للاشتغال معهم، وذلك لأنهن من العاملات المجتهدات اللواتي يستحققن فرصا أخرى”.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق