fbpx
ملف الصباح

الطرب… نغمة التعايش

كاروتشي آخر العنقود وجيل الشباب مقيم بالخارج

يتميز الطرب اليهودي المغربي باعتماده، بشكل كبير، على التراث الموسيقي الأندلسي، ويظهر هذا الأثر بشكل جلي حتى في غنائهم الديني المنتمي إلى التقليد “السفادري” والذي يتضمن سمات أندلسية خالصة تميز نغماته ومقاماته، إذ أن البِيَع والمعابد اليهودية تُستعمل فيها أشكال من الموسيقى الغنائية على شكل تراتيل وأغان حوارية، ف”الحزان” (رجل الدين اليهودي) يبتدع صورا من الشعر الديني بشكل يتوافق مع ألحان موضوعة مسبقا، في ما يُعرف لدى اليهود المغاربة ب”الحزنوت” أي الغناء الديني المنفرد.
وعندما يقدم اليهود المغاربة الطرب الأندلسي، وهم أكثر الفئات التي حافظت عليه، فإنهم يقدمونه في الكثير من الأحيان باللغة العبرية، وهو اللون الغنائي المعروف باسم “البيوتيم” الذي كان في البداية يؤدى دون مصاحبة الآلات الموسيقية بل يؤدى بالأصوات فقط. و”البيوتيم” في الأصل عبارة عن اختيار حر لأنغام أندلسية يتم تنسيقها بشكل يتيح الحصول على متتالية مرتبة تخضع كما في النوبة والميزان لمبدأ التسارع (من البطيء إلى الأسرع)، وتسمى هذه المتتالية أيضا ب”الطريق”.
وخلال مستهل القرن العشرين وتحديدا سنة 1902، سيصدر “إدموند ناتان يافيل” (باحث مهتم بالموسيقى اليهودية) مجموعة من المدونات الموسيقية تحت إشراف خبير الموسيقى الفرنسية “جول رواني” سميت ب”رصيد الموسيقى العربية والمورية” ضمنها نوبات وتواشي وانقلابات موسيقية برع فيها اليهود “المغاربيون” وقد دُونت هذه المجموعات، التي وصلت إلى 22 كتيبا، اعتمادا على الشيوخ القدماء لهذه الأنماط الغنائية منهم شيخ كان يدعى “المعلم سفينجة”. وقد أكمل “يافيل” تدوين تلك الأعمال وجاءت ضمن إصدار تضمن الرصيد الشعري الكامل لذلك التراث الغنائي.
وتعزز المشهد الغنائي اليهودي المغربي، خلال القرن العشرين، بالعديد من الأسماء التي أثرته وساهمت في تطويره، بدءا ب”جوزيف يانون بسحان” الذي اشتهر بالبيضاء خلال مرحلة الثلاثينات، إضافة إلى كل من “دافيد إيزوكلان” (توفي سنة 1975) و”دافيد إفلاح” الذي كان حزان الطائفة اليهودية بالصويرة، والمعلم عيوش راعي فن الطرب الغرناطي بالرباط، فضلا عن الشيخ “زوزو” صاحب قصيدة “بن سوسان” الشهيرة، وغيرهم من رواد الطرب اليهودي المغربي، الذين كان بعضهم سباقا إلى تسجيل أعماله الغنائية على الأسطوانات والاستفادة من انتشار المذياع في أوساط المجتمع المغربي.
وخلال عقد الخمسينات وما بعده برزت أسماء أخرى تركت بصمتها على مسار الأغنية المغربية، منها “زهرة الفاسية” واحدة من بين أولى الأصوات الغنائية النسائية المغربية التي تمكنت من تسجيل أغان خاصة بها على أسطوانات اندثر، للأسف، جلها.
هناك اسم آخر برز خلال مرحلة الخمسينات، وهو سالومون أمزلاغ الشهير باسم “سامي المغربي” (1922ـ 2008) والذي قدم لونا غنائيا مزج فيه بين أنماط مختلفة اشتملت على الشعبي والعصري والطرب الغرناطي، كما قدم سامي نماذج من طرب الملحون.
وقد تأثر سامي في بداياته الغنائية بسليم الهلالي، كما انتقل من “البيوتيم” إلى الغناء العاطفي، ومن بين أشهر الأغاني التي قدمها هناك “داك الزين الغالي”، و”مارشي نوار”، “العين القتالة”، و”يا وحيدة”، و”لو كانوا عندي الملايين”، و”يا عاشق الزين”….
كما اشتهرت أصوات أخرى طبعت مسار الأغنية المغربية عموما، أمثال حاييم بوطبول صاحب رائعة “بين البارح واليوم”، وريموند البيضاوية، وإيلي لالو، والحاخام حاييم لوك وهو أمريكي من أصل مغربي اشتهر، نهاية الثمانينات خلال سهرة بباريس رفقة الراحل عبد الصادق شقارة، فضلا عن أسماء أخرى مثل ألبير سويسة وكوهن بنحاس.
ويتجلى كذلك إسهام اليهود في نشر الأغنية والتراث الفني المغربيين، في حرص الجاليات اليهودية في كل بقاع العالم على المحافظة على العادات المغربية بما فيها الموسيقى والغناء.
ومن بين الأسماء التي ما زالت تحمل مشعل الأغنية اليهودية المغربية هناك الفنان ماكسيم كاروتشي الذي يعد آخر من تبقى من الفنانين اليهود بالمغرب، فضلا عن جيل جديد من الفنانين الشباب مثل بنيامين بوزاغلو وآخرين إلا أن أغلبهم مقيم خارج المغرب.
ع. م

 

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق