fbpx
تحقيق

الذبح والتكبير في حرب العصابات بالعيون

خلايا نائمة استيقظت من سباتها لتعلن “الجهاد”

لم يكن أبناء الصحراء الأحرار، غير الخاضعين لطغمة المتآمرين على العباد والبلاد يتوقعون فظاعة الجرائم التي ارتكبتها أقلية محسوبة على المخابرات الجزائرية، لم يكن قلبها يحن للرضع وهم يذبحون في الحرب الأهلية التي عرفتها الجزائر في بداية التسعينات، بعد الانقلاب على صناديق الاقتراع، وتلك التي جعلت من مخيمات تندوف رهينة لنهب المساعدات المالية والمتاجرة في السلع الغذائية في أسواق موريتانيا ومالي والنيجر، وفرض حصار حقيقي على أبناء الصحراء، بمنطق الحديد والنار.

عرت الرحلة التي قمنا بها إلى مدينة العيون، عن حقيقة الطرح الانفصالي البائد، وبشاعته إلى أقصى الحدود، فالفرضيات التي قادتنا في البداية، لم تكن لتصل إلى درجة توقع وجود خلايا نائمة تتقن فن حرب العصابات والذبح بالتكبير والشعارات الجهادية، والتلذذ بدهس الجثث بسيارات جيب، كما رواها لنا من عاينوا مباشرة عمليات ذبح رجال من القوات المساعدة والدرك والوقاية المدنية في ضرب تام لكل الشرائع الدينية والمبادئ الإنسانية الكونية التي تسمو بالإنسان عن البربرية والهمجية.
كما لم نكن نتوقع أن تنهب البنوك وتحرق مؤسسات الدولة التي بنيت بأموال الشعب، وسيارات المواطنين ومنازلهم ومتاجرهم ومقاهيهم، وتدمر الأرصفة والجدران والمدارس. لقد كادت الأمور تتحول إلى ما يشبه حربا أهلية، كتلك التي عرفتها  لبنان نهاية السبعينات أو بغداد ما بعد صدام, بسبب نار الفتنة التي أذكتها عصابات بوليساريو بين أبناء المنطقة، والفكر الانفصالي، الذي تحول إلى عقيدة لابتزاز الدولة، بديلا عن المواطنة، التي لا تطلب المقابل، أو تجدد الولاء بأموال الجزائر التي مولت بها عصابات تحكمت في مخيم اكديم ازيك، في مخطط حيك منذ شهور.
استرجع أبناء العيون أنفاسهم بعدما أعادت قوات الأمن الأمور إلى نصابها دون أن تسفك قطرة دم تذكر، وكل ما روجته بوليساريو من مغالطات، في مواقعها عبر شبكة الانترنيت، يدخل في إطار حرب إعلامية مسمومة شاركت فيها، إلى جانبها، كل من الجزائر وإسبانيا.

أصل الحكاية
بدأت أولى المناوشات فجر يوم الاثنين، بعدما نجحت قوات الأمن في تفكيك مخيم اكديم ازيك، وإنقاذ الرهائن من يد العناصر الانفصالية، بطريقة احترافية سلمية، بشهادة تقرير المينورسو.
عاث الانفصاليون فسادا في شارع السمارة، بكل المنشآت العمـــــومـــية، بمـــا فيـــــها محكمة الاستئناف والوكالات البنكية، ومنازل ومتاجر أبنـــاء المنطـــقة المتحدرين من أقاليم ومدن أخــــــــرى، وكان غرض العابثين، تأجيج نار الفــــــتنة بين أبناء الصحراء وباقي المدن، بل إن الأمور، كما رواها ل”الصباح” شهود عيان، بلغت حد إحراق الأعلام الوطنية بعد إزالتها من المؤسسات العمومية، ووضع أعلام الانفصال محلها، كما حدث مساء يوم الاثنين في شارع السمارة وحي معطا الله، والمرسى، التي هاجم فيها الانفصاليون مركزا للدرك، مستغلين بلك انشغال قوات الدرك والقوات المساعدة والأمن بإخلاء المخيم، والحد من المواجهات التي كان يشهدها، لما منع الانفصاليون النساء والأطفال من مغادرته بالتهديد والوعيد.
النداءات المتكررة لقوات الأمن لسكان المخيم بهدفه إخلائه بعد ساعة، فجر يوم الاثنين، استعملت فيها مكبرات الصوت عبر طائرة الهيلوكبتر، وطلب منهم امتطاء حافلات تابعة للمكتب الشريف للفوسفاط، لنقلهم إلى منازلهم، بعدما تم التوصل إلى اتفاق بين وزير الداخلية ولجنة المخيم، يقضي بالاستجابة للمطالب الاجتماعية للمحتجين، وهذا ما كان، لما بدأت بعض الأسر في مغادرة المخيم، إلا أن الطوق الأمني، الذي كانت تحكمه العصابة على المنطقة، منع هؤلاء من النفاذ بجلدهم بعدما صاروا متيقنين أنهم صاروا رهائن بين أيدي هذه العصابة، وأدركت السلطات أن الأمر يتعلق بمخطط محبوك لزعزعة الاستقرار، وتحميل الدولة النتائج الوخيمة لأي تدخل أمني عنيف، لذا سارعت قوات الأمن إلى استعمال خراطيش المياه لتحرير الأسر من قبضة الجناة، ونقلهم إلى الحافلات المرابطة بالمكان، لتتفرغ إلى من كانوا يستغلون المطالب الاجتماعية للسكان تلبية لأجندة بوليساريو والجزائر.
اتضح في ما بعد أن شبابا في حالة تخدير كاملة ومراهقين، من ذوي السوابق، كما يؤكد بعض من كانوا في المخيم، يتوفرون على كل اللوجستيك الضروري لإحداث القلاقل بالعيون، لتشتعل نار الفوضى في المخيم من خلال استعمال المولوتوف، ومواجهة القوات المساعدة ورجال الدرك، بالسيوف.
تسللت هذه العناصر من المخيم بعد تفكيكه، ووسعت من نطاق المواجهات إلى باقي شوارع العيون وأحيائها، شارع السمارة وبوكراع وحي معطا الله وشارع المغرب العربي وحي عودة وحي الأمل  والدويرات…
بل إن عناصر انفصالية أخرى، لم تكن بالمخيم، فضلت المكوث في بعض المنازل، إلى أن تلقت الأوامر بالخروج إلى الشارع في عز المواجهات التي كان يعرفها المخيم، مستغلة بذلك انشغال قوات الأمن بتفكيك المخيم، وغياب تعزيزات أمنية إضافية بباقي المناطق، لتشرع في عمليات التخريب،  مرددة شعارات جهادية، وحث السكان على التمرد والعصيان، وإيهامهم بأن عائلاتهم في المخيم تتعرض للتقتيل من لدن قوات الأمن، مما جعل عددا من النساء والشيوخ والأطفال، ينخرطون في فوضى عارمة، اختلط فيها الحابل بالنابل.
انطلقت أعمال التخريب وإضرام النار في المنشآت العمومية من شارع السمارة، وقام عنصر من المخربين بإلقاء كلمة موجهة إلى الأمين العام للأمم المتحدة، يعلن فيها، ما يدعوه،”صمود الجبهة في مواجهة الاحتلال”، وروى شهود عيان ل”الصباح” تفاصيل هذه المهزلة، وكانت زغاريد بعض من النساء اللواتي كن يحتضن هؤلاء الانفصاليين، وتقدم لهم المساعدات الضرورية، تسمع في بعض المناطق قرب شارع السمارة، فيما فضلت غالبية السكان المكوث في منازلها وهي تتبع هذا السيناريو الدرامي، في حالة ذعر.

الهجوم على قناة العيون
توجه الجناة إلى قناة العيون، واستعملوا سيارات جيب، في اجتياز مدخل القناة بالقوة، وسارعوا إلى البحث عن مدير القناة محمد لغظف، الذي كان مستهدفا، إلا أن أحد الحراس أخبرهم بأنه غير موجود في مكتبه، كما قام هؤلاء بمحاولة تكسير أبواب المكاتب، وكان غرضهم، السيطرة على الاستوديو.
في ليلة الثلاثاء ، زارت «الصباح» مقر القناة، حيث يوجد أيضا مكتب القناة الثانية، لتأتي الإشارة بأن المخربين سيحلون بالمكان على الساعة العاشرة ليلا، فأحكم طوق أمني على المقر، لتنتاب حالة من الذعر كل الصحافيين والتقنيين، وطلب منا الاختباء في مكتب مدير القناة، بل إن الإشارة التي بلغتنا، كان مفادها أن مكتب القناة الثانية، كان بدوره مستهدفا، خاصة أن طاقمها كان بصدد الإعداد لنشرة الأخبار المسائية، التي كانت تتابع تطورات الوضع في العيون عن كثب.
حوصرنا في مقر القناة ساعتي زمن، تذكر فيها كل الحضور روايات السكان حول الجرائم البشعة التي لم تعرفها المنطقة من قبل، وما إذا كان الإعلاميون سيلقون مصير رجل الوقاية المدنية ياسين بوقطاية، الذي دهسته سيارة الجناة وعبثت بجثته. كل هذه الكوابيس كانت حاضرة في أذهان كل الطاقم الصحافي والتقني والإداري، قبل أن يتضح في ما بعد أن الجناة بلغوا بوجود تعزيزات أمنية في المكان المقصود، وتوجهوا إلى وجهة أخرى,

استهداف رموز السيادة
لعل ما كان يجمع كل أشكال التخريب، التي عاينتها « الصباح» في المنطقة، أنها كانت منتقاة بعناية، فحرق المراكز الأمنية، في حي معطا الله، وعودة، والمرسى، فضلا عن محكمة الاستئناف ومركز الجهة، والمكتب الوطني للماء الصالح للشرب، وشاحنات، في ميناء العيون، إضافة إلى إضرام النار في الطريق العام، والحدائق والمدارس، وسيارات موظفين وقضاة ورجال أمن ودرك، كلها صور توضح أن المخططين للعمليات، لم يكونوا مجرد أشخاص مدنيين ساخطين على الأوضاع الاجتماعية، بل قادة لتنظيم سري دربوا بشكل جيد في تندوف، وكانوا يزورون الجزائر باستمرار، آخرها الزيارة التي قم بها وفد انفصالي بغطاء حقوقي صيف هذا العام، للمشاركة في الندوة الدولية حول «تقرير مصير الشعوب».

بصمة القاعدة
في انتظار استكمال التحقيق القضائي مع الموقوفين من هؤلاء، وصفت لنا مصادر أمنية، الخصوصيات المشتركة لهذه العينة ، فأغلب هذه العناصر تتمتع ببنية جسمانية قوية، و تتقن حرب العصابات، ولها قدرة فائقة على تحمل ضربات قوات الأمن، تتحدث بالحسانية وبعضها لكنتها جزائرية، كما أن عمليات الذبح و التنكيل بالجثث، وترديد كلمات “الله أكبر” في عملياتها الإجرامية، تعني أن تيمة الجهاد، بمفهومها الظلامي، تبقى حاضرا بقوة في مرجعية هؤلاء.  أغلب هذه العناصر كانت تقع تحت تأثير التخدير، إلى درجة أن بعضهم قال للمحققين، إنه لم يقم سوى بما أنيط به من مهام، ذبح وتنكيل وتخريب وإحراق.  الشيء الذي يوضح أن اعتناق الانفصاليين للإديدولوجيا الوهابية، وارتمائهم في أحضان الإرهاب، أمر وارد، وهذا ما كشفت عنه عديد من التقارير الدولية في وقت سابق، والتي ركزت على منطقة الصحراء ودول جنوب الساحل الإفريقي، باعتبارها منطقة نفوذ القاعدة في المستقبل، خاصة أن هذه الأخيرة تتعامل مع تجار السلاح والمخدرات، بل تدعم الحركات الانفصالية، هذا ما يفسر، تحدث هذه التقارير عن صلة عناصر من بوليساريو بتنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي.

ثلاث فئات
كان المخيم يقع تحت قبضة ثلاث فئات، الأولى  تتكون من تجار مخدرات والتهريب، تمكنت القوات الملكية المسلحة من الحد من أنشطتهم في السنوات الأخيرة، والثانية تتشكل من مافيا الهجرة السرية إلى لاس بالماس، وهؤلاء أيضا يجدون أنفسهم اليوم، أكثر تضررا من الحرب التي تشنها القوات الملكية المسلحة ضدهم،أما الفئة الثالثة التي تضم عناصر لجنة المخيم، فهي من العائدين من إسبانيا بعد الأزمة الاقتصادية التي ألمت بها، كل هؤلاء احتضنتهم عناصر المخابرات الجزائرية للقيام بأعمال التخريب التي عرفتها المنطقة، في ظروف دولية مختارة بعناية.
نشير هنا إلى الصفعة التي تلقتها الجزائر  وبوليساريو في قضية ولد سلمة، وتزامن الأحداث مع جلسات المفاوضات غير الرسمية بين المغرب وباقي الأطراف، بل و تزامن أعمال الشغب مع ذكرى المسيرة الخضراء. كلها دلالات تعني الكثير لدى الأطراف المعادية للمغرب، بل إن الطرف الاسباني، يبقى حاضرا بقوة من خلال مافيا الصيد البحري، التي تسعى إلى الضغط على المغرب من أجل تجديد اتفاقية الصيد البحري، وتروج لما تدعوه بعدم أحقية المغرب في استغلال ثروات الصحراء.
تتكامل خيوط المؤامرة لتعني أن المغرب محاصر من جنوبه وشرقه وشماله، وهذا ما يجعلنا نقر، في انتظار نتائج التحقيقات الجارية، بأن مدينة العيون، كانت محطة أولى فقط، لتنفيذ مخطط ارهابي، تقوده آياد انفصالية، من توقيع جزائري، وبمباركة اللوبي الاسباني، الداعم لأطروحة الانفصال خارج حدوده فقط.

رشيد باحة  
موفد الصباح إلى (العيون)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى