fbpx
تحقيق

“شـنـاقـة” بـوزرات بـيـضـاء (2/2)

 حكايات وقرائن تفضح “بروفيسورات” حولوا قطاع الصحة إلى “رحبة” للسمسرة والعمولات والتحايل على القانون

لم نكن نتوقع أن مجرد مقال افتتاحي في بضعة أسطر، نشر قبل شهر، حول أساليب السمسرة في القطاع الطبي، يمكن أن يتحول إلى “مانيفست” احتجاج أشهره عدد من المرضى وأسرهم في وجه أساتذة أطباء اختلط لديهم قسم أبقراط بعمليات “القسمة”، وجدول هيأة الأطباء بجداول الضرب والطرح والجمع، جمعُ الأموال بطرق غير قانونية في قطاع إنساني بامتياز رأسماله الأساسي تخفيف آلام الناس وأوجاعهم، وعلاج أمراضهم ومواساتهم حين تشتد
بهم نائبات الحزن. في الجزء الثاني من هذا التحقيق، ندقق في طرق الاستغلال اعتمادا على استراتيجية التأزيم بالقطاع العمومي لتهريب المرضى إلى القطاع الخاص، وعلاقة بعض الأساتذة بالمصحات
الخاصة، وعودة إلى امتياز “تي.بي.أَ” الذي يجري “تفعليه” خارج القانون.

يميز بعض الأساتذة المشتغلين في أقسام وتخصصات بالغة الحساسية بالمراكز الجامعية الاستشفائية بين نوعين من المرضى، لكل نوع طريقة خاصة لـ”حلبه” إلى آخر قطرة:
– هناك المرضى “المنعم” عليهم، أو الذين تقف خلفهم شركات تأمين “صْحيحَة”. ففي هذه الحالة يستعمل الطبيب المعني كل حيله من أجل إقناع المريض وعائلته بالخطر الداهم الذي يتهدده، إذا ما استمر في العلاج داخل “مستشفيات عمومية لا تتوفر على الحد الأدنى من البنيات التحتية والأجهزة الطبية الحديثة والموارد البشرية الكفأة، ما يعني خطر الموت، أو الإعاقة الدائمة في أي لحظة”، بصيغة أخرى، إن الطبيب يلجأ إلى ما يسمى “استراتيجية التأزيم الكلي” من أجل تسهيل عملية نقل (حتى لا نستعمل كلمة تهريب) المريض من مستشفى عمومي إلى مصحة خاصة يشير إليها بالاسم، والمقابل، بطبيعة الحال، حصة من “الكعكة” التي يستلمها في شكل “أومفولوب” نهاية الشهر.
والأفظع أن عددا من الحالات “المهربة” إلى المصحات، يتم إرجاعها إلى المستشفيات العمومية، إذا ما أحس الطبيب أنها ميؤوس منها وقد يداهمها الموت في أي لحظة، لذا يستحسن أن تموت فوق سرير الدولة، بدل أن تحسب على المصحة الخاصة، بالتالي تفادي وجع الرأس الذي قد يأتي من أسرة المريض، أو تحقيقات أجهزة الأمن.
– وهناك المرضى المعدمون من ذوي شهادات الاحتياج، الذي لا يفلتون من مقصلة بعض “البروفيسورات” بإتباع تقنية الإغراق في لوائح طويلة من الأدوية وطلب التحليلات الطبية والراديوغرافية والكشوفات، وأساسا شراء المعدات التي لها علاقة بالعمليات الجراحية والأجهزة الطبية الخاصة بترميم العظام، والأجهزة الخاصة بالقلب وغيرها من الأجهزة الأخرى التي يتم التأشير على محلاتها الخاصة في ورقة الطبيب، أو إرفاقها ببطاقة الزيارة “كارت فيزيت” الخاصة بالمختبر أو المحل، وعليه أن يتجه إليهما، ولو كان عنوانهما في “بــــلاد الوقواق”.
ومن أغرب ما كشفته “الصباح”، في هذا الإطار، أن بعض الأساتذة الأطباء يضعون فوق مكاتبهم عددا من المغلفات تحمل العلامة التجارية وعناوين مختبرات ومحلات وصيدليات بعينها، وما أن ينتهي الواحد منهم من كتابة ورقة المعدات، أو التحليلات، أو الكشوفات، أو الأدوية حتى يضعها وسط المغلف المعني ويسلمها إلى المريض، أو أحد أفراد أسرته الذي “يفهم رأسه”، ويتجه مباشرة إلى العنوان الموجود على المغلف طلبا لخدماته.
ولا يحتاج المرء هنا إلى ذكاء كبير ليفهم أنه كلما ارتفع عدد المغلفات، كلما ارتفع منسوب العمولات وارتفعت أسهم الطبيب المعني لدى صاحب المختبر، أو المحل، وتوصل بانتظام ليس فقط بأتعابه الشهرية، بل بعدد من الهدايا والإكراميات وأنواع الويسكي الباريسي الرفيع التي تصله بمناسبة “رأس العام” الذي يُحتفى به على أنخاب المرضى وآلامهم وعرقهم وبؤسهم.

“كاين شي حوالة”
إنها “كلمة السر” بين بعض الأساتذة وأطباء في القطاعين العام والخاص وبعض مديري المصحات الخاصة، وبين أصحاب المختبرات والكشوفات الطبية ومراكز الأشعة والراديو ومحلات بيع الأجهزة والمعدات الطبية المنتشرة على نطاق واسع في أحياء المستشفيات في المدن الكبرى.
ويحكي تقني مختبر أنه كان شاهدا على مكالمات هاتفية بين المدير العام للمختبر وبين “باطرون” مصحة خاصة بالرباط، وكيف كان يشكو الأول قلة الزبناء وتراجع المداخيل وكثرة المصاريف والأجور بسبب الحالة “العيانة بزاف” التي يشكو منها المختبر، ثم كيف كان الثاني يعده خيرا لا يتأخر في ترجمته في صباح اليوم الموالي بثلاثة أو أربعة مرضى يحملون طلبيات تحاليل تزيد عن 3500 درهم  لكل واحدة منها، “بعض هذه التحاليل، يقول التقني، مجرد معاينات لا تكلف المختبر ريالا واحدا، لكنها تُفوترُ بمئات الدراهم يدفعها المريض عن طيب خاطر، مدفوعا بالخوف من تفاقم المرض، قبل أن يحمل كشوفاته ويعود أدراجه إلى المصحة”.
“كاين شي حوالة”، لعبة تمارسها، أيضا، بعض الكاتبات وممرضون وممرضات بعيادات طبية أو مصحات خاصة، حين يلجأ الواحد منهم إلى عقد “اتفاقات” مع أرباب صيدليات ومختبرات ومحلات لبيع المعدات والأجهزة، يكون البند الأساسي فيها إقناع المريض وأسرته بالتوجه إلى عناوين بعينها، ولا بأس من كلمات إطراء  في حق هذا المحل أو ذاك تطلق مع ابتسامة خفيفة، بموازاة عملية دس ورقة الطبيب في غلاف أنيق يحمل العلامة التجارية للمحل نفسه..وبقية الفيلم يعرفها الجميع.

الكلينيكات..حدائق خلفية
كان التهامي الخياري، وزير الصحة الأسبق، أقرب إلى “الحقيقة”، حين انفلتت من فمه، ذات تصريح، جملة قصيرة تحمل أكثر من دلالة، مؤكدا أن الدولة تستطيع فقط أن تمنح رخصا بفتح بعض المصحات الخاصة وتعجز عن اتخاذ إجراءات من أجل إغلاقها”.
الرجل، الذي اعترف يوما بأنه لا يعرف عدد مديريات وزارته التي التحق بها في إطار صفقة التناوب التوافقي، كان يعرف أن لوبيا بأذرع كبيرة “عشش” في قطاع الصحة منذ سنوات وفرض خرائط طريقه على الجميع وصاغ قوانينه الخاصة التي توفر الحماية إلى بعض تجاوزاته ودوسه قسم أبقراط وأخلاقيات مهنة الطب.
الحديث عن بعض المصحات الخاصة، في هذا الإطار، يعني إثارة علاقة المنافع الجدلية التي تربط بعض هذه المصحات وعدد غير قليل من الأساتذة المستفيدين من امتياز الوقت الكامل المعد (TPA)، أو حتى بعض الأطباء والممرضين والتقنيين الذين يعمدون إلى «السليت» أثناء أوقات العمل الرسمية التي يتقاضون عليها أجورا من الميزانية العامة، أو الميزانيات المستقلة، للاشتغال في «النوار» مع هذه المصحات التي تدفع لهم نقدا في غفلة من قضاة المجلس الأعلى للحسابات ومصالح وزارة المالية ومديرية الضرائب والوزارة الوصية، ما يجعل كلام الوزير الخياري عين العقل.
العلاقة بين الطرفين، لا تعني تمكين الأساتذة المعنيين من أغلفة مالية نقدا لتسهيل عملية التملص الضريبي (الضريبة على الدخل على الخصوص) الذي يمكن اكتشافه عبر اعتماد المعاملات البنكية، بل التغطية على عمليات جراحية وهمية، مدرة للربح، يتعسر إجراؤها في المستشفيات العمومية، مثل الإدعاء باستئصال الحصي من الحويصلة (المرارة)، أو الماء من الرئتين، ليكتشف المريض، بعد استشارة طبية مضادة، أنه كان ضحية لعملية خداع لم تكلف الطبيب غير فتح البطن ورتقه من جديد.

«TPA»..تسع سنوات من اللاقانون
يسميه البعض الوقت الكامل المعد (temps plien aménagé)، بينما يطلق عليه البعض الآخر، نكاية، الوقت الكامل للتغيب (temps plein d’absenteisme)، ويعني استفادة الأساتذة الأطباء الذين يزاولون عملا مزدوجا في كليات الطب والمراكز الجامعية الاستشفائية من رخصة «قانونية» للعمل في المصحات الخاصة، وهي رخصة كان قد أجازها الراحل الحسن الثاني، على نحو مؤقت، لهؤلاء الأطر توفيرا لعائدات مالية إضافية توازي موقعهم الاجتماعي والعلمي، وترد إليهم بعض الاعتبار نظير الوظائف المزدوجة التي يقومون بها في قطاع التعليم العالي (التدريس والبحث العلمي والإشراف على البحوث والمتدربين الأطباء..) والقطاع الصحي (العمل في المراكز العمومية كجراحين، وإجراء الفحوصات والاستشارات الطبية في مختلف التخصصات).
المصيبة اليوم، أن هذا الامتياز المؤقت، الذي كان من المفروض أن ينتهي به العمل منذ نونبر 2001، تحول إلى رخصة مفتوحة، يستفيد من ريعها المالي ليس فقط بعض الأساتذة الأطباء، ولكن أطباء عاديين، ما اضطر وزيرة الصحة، في أحد استجواباتها، إلى التنبيه إلى هذا الموضوع، مهددة باللجوء إلى القضاء في حالة استمرار خرق القوانين المنظمة للوظيفة العمومية وقطاع الصحة (دورية داخلية رقم 47 صادرة بتاريخ 26 يونيو 2008).
ليس هذا فقط، فقد حول البعض هذه الرخصة المحددة في الزمن (نصف يوم في الأسبوع) إلى عمل دائم في المصحات الخاصة، ولا يتذكر أصحابها أن عملا أصليا ينتظرهم في المستشفيات العمومية التي تؤدي لهم أجورهم من أموال دافعي الضرائب، إلا حين يتعلق الأمر بوجود مريض (ضحية) يجب التأثير عليه لتوجيهه إلى مصحة خاصة، هذا التأثير يتم إما بشكل مباشر، أو عن طريق سماسرة ووسطاء مستعدين لتلطيخ أياديهم بالدم.

جيوب المقاومة
ولضخ مزيد من الأوكسجين في رئتي «تي.بي.أَ» المتوقفتين منذ 2001، تجد بعض الأساتذة الأطباء من أشد المعارضين لمشاريع الإصلاح والمشاريع الهائلة التي تشهدها المراكز الجامعية الممولة إما عن طريق ميزانيات الإدارات العامة والوزارة الوصية، أو صناديق دولية، وكثير منها من تبرعات المحسنين الذين يتكلفون في صمت ببناء وهيكلة عدد من المصالح وتجهيزها بالمعدات والأجهزة الطبية باهظة الثمن، لخفض التكلفة على المواطنين وتقليص لوائح الانتظار في عدد من التخصصات، خاصة أمراض السكري والكلي والقلب.
وبسبب ذلك، على سبيل المثال لا الحصر، قامت الدنيا ولم تعقد وأصابت بعض الأساتذة موجة غضب عارمة، حين شرعت الإدارة العامة للمركز الاستشفائي الجامعي ابن رشد، بتاريخ 8 يونيو 2009، في تطبيق تعرفات منخفضة على بعض أجهزة الراديو، مقارنة بالقطاع الخاص، لأن ذلك يعني، بالنسبة إليهم، «منافسة غير شريفة» تهدد أرزاقهم في مقتل، مادام «الزبناء» سيفضلون، في المحصلة، التوجه إلى مستشفى عمومي للاستفادة من الخدمات الصحية نفسها الموجودة في القطاع الخاص، لكن بأسعار معقولة لا تنهك جيوبهم.
ومن هذه التعرفات المنخفضة، هناك تعرفات بعض أجهزة الراديو، مثل «تي.دي.إم» الذي انخفض من 600 إلى 200 درهم (في القطاع الخاص ما بين 1200 و1500 درهم)، وراديو «إِ.إر.إم» الذي يمكن إجراؤه اليوم بابن رشد بـ500 درهم، بدل 1500 درهم سابقا (القطاع الخاص 3500 درهم)، هناك أيضا فحص «أونجيوغرافي» الذي حددت تعرفته في ألف درهم، بدل 5 آلاف درهم بالمصحات الخاصة، أو «كونوناروغرافي» الذي تطلب المصحات الخاصة 8 آلاف درهم، مقابل ألف درهم بالمركز الاستشفائي ابن رشد.
وقالت المصادر نفسها إن مثل هذه التعرفات قد يضيق على البعض هامش الربح الذي كانوا يتقاضونه بتوجيه المرضى وعائلاتهم إلى مراكز ومصحات بعينها لإجراء هذه الأنواع من الفحوصات، مقابل عمولات شهرية، ما يبرر، حسب المصادر نفسها، مظاهر الغنى الظاهر (سيارات باهظة الثمن وأسفار وإقامات في جنوب اسبانيا…) على بعض الأستاذة الأطباء الذين لا تزيد أجورهم بالقطاع العام، وفي أحسن الأحوال، عن 35 ألف درهم شهريا.

إعداد : يوسف الساكت

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى