fbpx
حوار

العثماني يقود حكومة التدبير اليومي

سمير بلفقيه القيادي في “البام” أكد أن البرنامج الحكومي غير طموح ويفتقر للإبداع

أكد سمير بلفقيه، القيادي في حزب الأصالة والمعاصرة، أن تأخير إخراج القانون المالي 2017 فوت على المغرب إنتاج ثروة تعادل 20 مليار درهم في الستة أشهر، أي ما يعادل نقطتين من الناتج الداخلي الخام، وبالتالي إضاعة حوالي 55 ألف فرصة عمل كان من الممكن إحداثها خلال هذه المدة. وأكد بلفقيه أن برنامج حكومة العثماني غير طموح، ويفتقر إلى الإبداع والمنظور الاقتصادي الشمولي القادر على تحقيق انتظارات المغاربة، خصوصا التسريع في الارتقاء بالفرد والمجتمع. في ما يلي نص الحوار:

أجرى الحوار: برحو بوزياني- تصوير: (عبد المجيد بزيوات)

*نبدأ من التصويت على البرنامج الحكومي من قبل مجلس النواب. كيف تقرأ حصول التصريح على 208 أصوات فقط، رغم أن الأغلبية حرصت على حشد أغلبية مريحة مشكلة من 6 أحزاب؟
* في البداية، لا بد أن نسجل مفارقة غريبة في نتائج التصويت، انطلاقا من أن تشكيل الحكومة استغرق وقتا طويلا، بمبرر البحث عن حكومة قوية ومنسجمة عدديا وكيفيا. لكن البرنامج الحكومي، وبسبب غياب 35 نائبا من الأغلبية، لم يحظ سوى بثقة 208 من أصل 243، وهو مجموع نواب الأغلبية التي تضم ستة أحزاب، في حين أن حكومة بنكيران التي لم تكن تتكون سوى من 4 أحزاب، حصلت على ثقة 218 نائبا.
وكنا على وشك أن نعيش أزمة ثقة في الحكومة الحالية، لو تغيب 11 نائبا من الأغلبية الحكومية في آخر لحظة، وهذا الوضع يفند ادعاء قوة وصلابة الأغلبية الحكومية.
وفي هذا الصدد، أعتقد أن الشهور المقبلة ستكون حبلى بالمفاجآت، بالنظر إلى ما يعتمل داخل الأغلبية من خلافات وحسابات مبطنة.

*نعود إلى السياق الذي تشكلت فيه الحكومة، بعد 6 أشهر من “البلوكاج”. كيف تقيم الكلفة الاقتصادية لهذا التأخر؟
*أعلن عن حكومة العثماني في سياق سياسي خاص، وغير مسبوق في الحياة الحزبية، تمثل في ما عرف بـ”البلوكاج” الذي كلف المغرب ثمنا باهظا. فمن حيث الكلفة المالية، قمنا بدراسة دقيقة لآثار تأخير إخراج القانون المالي 2017 على الأداء الاقتصادي، وخلصنا إلى أنه كان بالإمكان إنتاج ثروة تعادل 20 مليار درهم في الستة أشهر، أي ما يعادل نقطتين من الناتج الداخلي الخام، وبالتالي إضاعة حوالي 55 ألف فرصة عمل جديدة.
لقد تم تأخير إخراج المناصب المالية المحدثة في إطار قانون مالية 2017، وكذلك مباشرة صرف ميزانية الاستثمار الخاصة بالقطاعات الحكومية (67 مليار درهم)، وتعطيل صرف ميزانيات المؤسسات العمومية، التي لم تعقد بعضها مجالسها الإدارية، ما أدى إلى حرمان الدورة الاقتصادية من دينامية مالية لتحريك عجلة الاستهلاك والاستثمار معا، وهذا ما أكده تقرير 2014 لصندوق النقد الدولي، الذي ربط بين قيمة الاستثمار وقيمة الثروة المنتجة.

* وماذا عن المقاولات؟
*على صعيد المقاولات، أشير إلى رقم مخيف، وهو أننا أمام 100 ألف مقاولة أعلنت أنها في وضعية مالية سلبية، منها المئات أعلنت إفلاسها، لارتباطها الوثيق والعضوي بالاستثمار العمومي، بسبب تأخر أداء مستحقاتها، وتأخر خروج طلبات العروض المفروض برمجتها لسنة 2017. كما أن الاستثمارات الخارجية لم تتجاوز 30 مليار درهم في 2015، وهو رقم لا يرقى إلى الطموح.
كما أدت تعقيدات المساطر الإدارية في مختلف مرافق الإدارة والقطاعات الحكومية، إلى تعطيل مشاريع بحجم 25 مليار درهم، تهم استثمارات خاصة كان أصحابها جاهزين منذ السنة الماضية، لإطلاق مشاريعهم، وكانت ستساهم لا محالة في إنعاش سوق الشغل.

*نلاحظ أن الحكومة الحالية تواصل العمل على غرار سابقتها باللجوء إلى الاستدانة لتغطية فوائد الديون المتراكمة. كيف تقيم السياسة المالية للحكومة في تدبير المديونية؟
*إن تركيز رئيس الحكومة على مديونية الخزينة، عوض الحديث عن المديونية العمومية، فيه تمويه فقط، والقول إن نسبة مديونية الخزينة لن تتجاوز 60 في المائة من الناتج الداخلي الخام في أفق 2021، مجرد كلام مردود عليه، لأنه نتيجة حتمية لنسبة النمو الاقتصادي وعجز الميزانية.
ومن ناحية أخرى، لا تتحدث الحكومة عن المديونية العمومية التي تضم إلى جانب مديونية الخزينة، ضمان قروض المؤسسات العمومية.

*سجل العديد من الملاحظين أنه لا يرقى إلى مستوى البرنامج من حيث منهجية إعداده، وضعف الأرقام والبرامج الواضحة ومدد الإنجاز. كيف تقيمون في “البام” هذا البرنامج؟
*بكل موضوعية، لا يرقى البرنامج الذي قدمه سعد الدين العثماني إلى المستوى، المتعارف عليه في الديمقراطيات العالمية، والذي يفترض أن يتضمن برامج مدققة وبكلفتها المالية ومدد إنجازها، تفعيلا لمبدأ ربط المسؤولية بالمحاسبة. لكن ما نحن بصدده اليوم لا يتجاوز التدبير اليومي للشأن العام، في غياب أي تصور إستراتيجي مؤطر بنسق منطقي وعلمي، ولذلك نعتبر أن المنهجية التي أعد بها جعلته عبارة عن تجميع حزمة من المذكرات القطاعية بتعابير في الغالب إنشائية، ولا ترقى إلى مستوى البرنامج، حيث تم الاقتصار على الشكل أكثر من المضمون، والذي اكتفى بالحديث عن مؤشرات ماكرو اقتصادية في أفق 2021، وهو ما يعني أن ما وعد به البرنامج من مؤشرات ستحقق في نهاية الولاية، ولا يتضمن معدلا سنويا دقيقا للإنجاز، والحكومة لم تقدم جوابا بهذا الصدد.

*وصف المحللون اقتصار معدل النمو الذي جاء به التصريح، وتحديده في 4.5 %. هل يكفي في نظركم رفع إكراهات التنمية والتشغيل بهذا المعدل؟
*اقتصار معدل النمو في البرنامج الحكومي عند 4.5 في المائة، يعيدنا فقط إلى ما كان عليه الاقتصاد الوطني على عهد حكومتي جطو والفاسي، أي أن هذه الحكومة لا تمتلك الطموح الكافي والقدرة على الابتكار، للذهاب بعيدا في تحقيق معدل نمو أمر يستجيب للطموح المجتمعي.
وهنا أشير إلى أن الحكومة كان مفترضا فيها إعطاء نسبة نمو اقتصادي خارج النمو الفلاحي، الذي يظل غير متحكم فيه بالنظر إلى ارتهانه للتساقطات المطرية، لأن الناتج الخام غير الفلاحي، هو الذي يعكس دور الحكومة وسياستها الإرادية.
ثانيا، نسبة 4.5 في المائة التي وضعها البرنامج الحكومي، معدلا للنمو لن تستجيب إلى حاجيات التشغيل ومحاربة البطالة التي تظل أحد أكبر التحديات التي تواجه الحكومة، أمام الارتفاع المتزايد للوافدين على سوق الشغل، والذين يتجاوز عددهم سنويا 170 ألف شخص، دون أن ننسى فقدان 37 ألف شخص لمناصب الشغل في 2015، بسبب التسريح أو إفلاس المقاولات.
ثالثا، القول بالعجز في 3 في المائة، ما هو إلا عودة إلى الوضع العادي، علما أن عجز الميزانية هو اليوم في 4.5 في المائة، بعدما كان في 2012 حوالي 7.2 في المائة. وقد انخفض العجز في 2014، بسبب انهيار أسعار البترول وظرفية اقتصادية اتسمت بالإيجابية، حيث لم يتجاوز سعر البترول 35 دولارا، كما تم توجيه 8 ملايير درهم من صندوق التماسك الاجتماعي لسد عجز الميزانية.
ويبقى السؤال المطروح هو كيف ستدبر الحكومة عجز الميزانية، الذي يظل مرهونا بالمستجدات الاقتصادية، غير المتحكم فيها، ويصعب ضبطها سلفا في ظل الارتباط الوثيق للاقتصاد الوطني بالتساقطات المطرية وبمحددات السوق الدولية، خاصة سوق المحروقات، ناهيك عن عدم انتظام حجم الهبات الممنوحة.

* لم يتجاوز عدد مناصب الشغل في مشروع قانون المالية 23 ألف منصب. ألا ترى أن معدل البطالة مرشح للارتفاع، في ظل إفلاس مئات المقاولات؟
* أظن أن معدل البطالة يفوق النسبة المعلن عنها، إذ تصل إلى 9.4 % من الفئة النشيطة، وهذه النسبة لا ترقى إلى انتظارات وطموحات الوافدين الجدد سنويا على سوق الشغل، وهي مرتبطة أساسا بالنموذج الاقتصادي المتبع، والذي للأسف، لم يكشف عن ملامحه، ولا هويته الاقتصادية بشكل واضح من خلال البرنامج الحكومي، هل هو نموذج يسعى إلى دعم الاستهلاك أم الإنتاج، لأن تطوير الإنتاج الصناعي، يفرض “تضريب” الاستهلاك، وليس الإنتاج، وهذا يؤكد غياب الرؤية الاقتصادية لدى الحكومة، التي تكتفي بالتدبير اليومي، في غياب المنظور الاقتصادي على المدى المتوسط، والذي يفرض تحديد الأهداف والقطاعات الواجب تطويرها، مع ما يقتضيه ذلك من سياسة ضريبية تسعى إلى تحقيق التنمية الاقتصادية، وهذا هو المقصود بالنموذج الاقتصادي.
وما يعاب أيضا على البرنامج الحكومي، عدم التطرق بشكل دقيق إلى السياسة الميزانياتية للحكومة والسياسة الجبائية، حيث نتحدث اليوم عن أكثر من 412 تحفيزا جبائيا، تكلف حوالي 32 مليار درهم، بعدما كان عدد التحفيزات لا يتجاوز 350 في 2005، وهذا ما يؤثر بشكل سلبي مباشر على مداخيل الوعاء الضريبي، أي مداخيل الضريبة. وأشير هنا على سبيل المثال، إلى أنه لحد الساعة، لم تقم الحكومات المتعاقبة بتقييم منظومة السكن الاقتصادي التي تستفيد من إعفاءات ضريبية، بالإضافة إلى إعفاءات أخرى.

برنامج بدون منظور اقتصادي

البرنامج الحكومي يفتقر إلى منظور اقتصادي شمولي، معبر عنه عبر سياسة إنتاجية وسياسة ضريبية، وسياسة ميزاناتية، وإلى التوجهات الكبرى للاستثمار العمومي، كما تفتقد الإستراتيجيات القطاعية للالتقائية، وهذا هو النموذج الاقتصادي الذي نتحدث عنه، ناهيك عن غياب مؤشر تقييم لمردودية الاستثمار العمومي، ومستوى إنتاجيته.
ولم يحمل البرنامج أيضا أي شيء عن مؤشرات ذات مدلول اجتماعي، ضمن المؤشرات الرقمية المقدمة، من قبل الحكومة، والذي يحدد حجم التفاوتات الاجتماعية، والذي بلغ 0.43% ، بعد أن كان 0.38% ، ما يعني أن الفوارق الاجتماعية ازدادت اتساعا مع الحكومة السابقة.

تفاوتات اجتماعية

*كيف تقيم السياسات العمومية المنتهجة في الجانب الاجتماعي، وهل تستجيب للمطالب الملحة للمغاربة؟
*لقياس مدى التحديات الصعبة التي تنتظر الحكومة في غياب إجابات وبرامج مدققة في البرنامج الحكومي، دعني أذكر في البداية بالواقع الاجتماعي الحالي، الذي يتسم بتعميق التفاوتات الاجتماعية والمجالية، وتأزم منظومة التربية والتكوين، وسوء استهداف الفئات الهشة، حيث جرى توجيه موارد صندوق التماسك الاجتماعي لتخفيف وتمويل عجز الميزانية (حوالي 8 ملايير درهم).
أما في مجال التربية والتشغيل، فإن 5/3 من الفئات النشيطة لا تتوفر على أي دبلوم، و5/4 من النساء لا ينتمين إلى الفئات النشيطة، أما 21.5% من الشباب بين 15سنة و24 ، فهم في حالة عطالة، 27% منهم من الحاصلين على شهادات عليا.
أما قطاع الصحة، فنسجل غياب العدالة المجالية في الولوج إلى الخدمات الصحية الجيدة (القرى /المدن) ، وتمركز 60% من الأطباء في محور الرباط – الدارالبيضاء- القنيطرة. كما أن نصف المغاربة لا يتمتعون بالتغطية الصحية، ناهيك عن المؤشرات الصحة السلبية (الصحة الإنجابية، وفيات الأطفال…)
وارتباطا بقطاع الصحة، لا نلمس أي طموح حكومي لتقويم وتسوية حال المستوصفات العمومية، وتجويد خدماتها مع خفض الكلفة التي يتحملها المواطنون ومعالجة الفوارق الجهوية، وسد الخصاص المهول في الممرضين الذي يقدر بـ 15 ألف ممرض، والخصاص في الأطباء الذي يقدر بحوالي 6 آلاف طبيب، مقارنة مع ما هو عليه الحال بالدول الشبيهة للمغرب كالأردن ولبنان ومصر، التي هي أكثر تجهيزا صحيا وتطورا، حسب معطيات المنظمة العالمية للصحة.

تحديات تواجه الصناعة

*يطرح البرنامج تسريع التحول الهيكلي للاقتصاد الوطني والتركيز على التصنيع والتصدير. ما هي النقائص التي تعتري البرنامج الحكومي؟
* من المعلوم أن مساهمة الصناعة في الناتج الداخلي الخام لا تتجاوز14 في المائة، بعد أن كانت تتجاوز في سبعينات القرن الماضي، 20%، والدليل على هذا، أن المغرب لا يتوفر على نسيج اقتصادي مستقيم، إذ أن معدل النمو المسجل في السنة الماضية لم يتجاوز 1.1% ، بسبب الارتهان القوي للقطاع الفلاحي، والذي تميز بالجفاف، ما يعني أن باقي روافد الاقتصاد ما زالت غير مؤثرة بشكل واضح في الناتج الداخلي الخام. وأشير هنا إلى أن قطاع صناعة السيارات، الذي يعتبر من القطاعات الصناعية الواعدة اليوم، من حيث مستوى الإنتاج والقيمة المضافة الذي يشكلها في الصادرات، لم يتجاوز 25 مليار درهم في 2015، أي ما يعادل 11% من إجمالي الصادرات المغربية. كما أن صناعات الطيران التي تعرف تطورا كبيرا (حوالي 7 ملايير درهم)، لا تمثل سوى 3% من الصادرات.
وهذه المؤشرات تؤكد أن الإنتاج الصناعي ما زال يواجه عددا من التحديات، من قبيل محدودية وجهات تصدير السيارات المركبة في المغرب إلى مصر وتركيا والأردن وتونس، أمام الشروط التي تفرضها اتفاقية التبادل الحر من ضرورة توفر السلع المتبادلة على 40% من القيمة المنتجة محليا، ناهيك عن أن من أصل 150 مقاولة نشيطة في تركيب السيارات، هناك فقط 7 مقاولات مغربية.

في سطور

د. سمير بلفقيه
من مواليد 1974
– متزوج أب لطفلين
– أستاذ التعليم العالي تخصص تحليل المعطيات وهندسة الأنظمة التقريرية
-حاصل على باكلوريا في العلوم الرياضية سنة 1992
-إجازة في علوم الرياضيات التطبيقية بجامعة محمد الخامس بالرباط 1996
-دبلوم الدراسات المعمقة في علوم الرياضيات التطبيقية في مجال الهندسة من جامعة باريس دوفين
-دكتوراه في تحليل المعطيات من جامعة مونبوليي بفرنسا
-شهادة التأهيل الجامعية للإشراف على الأبحاث العلمية
-أستاذ التعليم العالي بمدرسة المهندسين للمعادن بفرنسا
-هندسة النظام المعلوماتي التقريري للمستشفى الجامعي الجهوي ليل
-أستاذ باحث محاضر في عدد من المحاضرات العلمية الدولية
-الإشراف على تكوينات في مجال الأمن الالكتروني
-خبير ومستشار لدى شركات دولية مستثمرة في مجال قطاع التربية والتكوين والصحة

– نائب برلماني سابق
-عضو المكتب السياسي لحزب الأصالة والمعاصرة
-رئيس اللجنة الاستشارية للتنمية الاقتصادية لجهة الرباط ـ سلاـ القنيطرة
-رئيس سابق للجنة الدائمة للحكامة بالمجلس الأعلى للتربية والتكوين والبحث العلمي
-نائب رئيس المركز الدولي للرياضيات التطبيقية
-نائب رئيس مركز شمال إفريقيا للسياسات

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى