fbpx
حوار

المغرب لا يستفيد من عائدات الحشيش

خبيرة تكشف زيف تصنيف البلد المنتج الأول وتكذب مساواة عائداته 23 % من الناتج الداخلي

في بداية مارس 2017، أثار تقرير للخارجية الأمريكية، جدلا كبيرا، عندما أكد أن “إنتاج الحشيش” بالمغرب، يساوي 23 % من الناتج الداخلي الخام للبلد، ما يعني أن عائداته في 2016، بلغت 23 مليار دولار أمريكي، فكان الرقم بمثابة غمامة دخان خلف النافذة، تحجب حقائق مركبة بخصوص زراعة وتحويل القنب الهندي. إن السوسيولوجية والخبيرة الاقتصادية كنزة أفصحي، المحاضرة في جامعة “بوردو” بفرنسا، والباحثة في مركز “إميل دوركهايم”، ومركز “جاك بيرك” بالرباط، أنجزت أطروحة حول زراعة القنب الهندي بالمغرب، وهنا تشرح ما لم يقله التقرير الأمريكي.
امحمد خيي (بتصرف عن لوموند)

< هل يبدو لك الرقم الأمريكي المذهل ذا مصداقية؟
< إن إنتاج القنب الهندي يحتل مكانة مهمة في الاقتصاد المغربي، لكن الرقم الأمريكي يجب التعامل معه أو تلقيه بحذر. إن مصدره هو التقرير الأخير لمكتب الأمم المتحدة لمكافحة المخدرات والجريمة، الذي يقوم بتقدير الحجم الإجمالي للإنتاج من "الحشيش"، بـ700 طن، أما تقرير كتابة الدولة الأمريكية، فتحدث عن يتحدث 700 طن من "القنب الهندي"، الذي بتحويله إلى "حشيش"، يحتمل أن تعادل قيمته 23 % من الناتج الداخلي الخام. إن هذا الأمر، يكشف إذن، وجود خلط بين القنب الهندي في حالته الخامة، وبين القنب الهندي المحول إلى حشيش.
ومن جهة أخرى، لا نعرف إن كان تقدير حجم الإنتاج من القنب الهندي قد تم بناء على حجم الكميات المحجوزة من قبل الجمارك وأجهزة الأمن بالمغرب والعالم، أم بناء على تقدير مساحة الأراضي المزروعة بالحشيش. وفي كلتا الحالتين، أعتبر أن المنهجية، التي لم يتم شرحها في التقرير، غير دقيقة بتاتا.

< بالنسبة إليك، هل يعكس الرقم حقيقة الواقع؟
< لا. لأن الأمر معقد جدا. فبين 2003 و2005، قام مكتب الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة والمخدرات، مع الحكومة المغربية، بأبحاث حول المساحات المزروعة بالقنب الهندي، بمنهحية معروفة ومفصلة، لكنهما، ومنذ 2006، توقفا عن ذلك.
إن زراعة القنب الهندي عرفت في السنوات العشر الأخيرة تغييرات كبيرة، فتراجع أو انخفاض المساحات المزروعة رافقه إدخال أصناف جديدة وهجينة من الزرع، من أوربا، وتتميز بأنها ذات عائد أقوى، كما أن جرعة "تتراهيدرو-كانابينول"، وهو المادة الرئيسية الفاعلة في الحشيش، أكثر تركيزا.
وتتميز الأصناف الهجينة الجديدة من الزرع، بأنها أكثر استهلاكا للمياه والأسمدة والمبيدات، وبالتالي تطلبت اعتماد تقنيات جديدة في الزراعة ومزيدا من العناية والكفاءة لدى اليد العاملة، ما جعلها أصنافا غير مضمونة العائد، لأن كثيرا من الفلاحين لا يتمتعون بعد بالبراعة أو الخبرة المطلوبة المتعلقة بهذه الأصناف الهجينة، كما أن الأراضي، أنهكت، بفعل سنوات كثيرة من الاستغلال الحاد.
وعلاوة على ذلك، فسعر الحشيش عند الاستهلاك بأوربا مرتفع بشدة مقارنة مع السعر لدى الفلاح في الريف المغربي، وبالتالي، فإن جزءا كبيرا من عائدات سوق الحشيش، ليس الاقتصاد المغربي هو الذي يستفيد منها، إنما الخارج، كما أن المزارعين بدورهم لا يستفيدون، وكثيرون منهم يعيشون في هشاشة شديدة.
< هل توجد مناطق أخرى للإنتاج غير الريف؟
< حاليا، تعد جهة الريف الوحيدة التي تتم فيها زراعة القنب الهندي وإنتاج الحشيش، أما في الماضي، فقد كانت هناك مناطق أخرى، إذ في القرن العشرين، كانت فرنسا، أدخلت زراعة القنب الهندي ونمتها في مناطق بني ملال والحوز ووزان عن طريق وكالة التبغ والكيف.
ويتم توجيه المنتوج إلى السوق العالمية، لكن أيضا إلى السوق الداخلية الوطنية، أي أن الكميات المنتجة ليست كلها مصدرة، ويظل الاستهلاك بالمغرب مهما جدا، غير أنه يستحيل معرفة حجم الاستهلاك لغياب دراسات حول الموضوع.

< زراعة القنب الهندي هي مصدر دخل كثير من الفلاحين، فهل يمكن للمغرب الاستغناء عن هذا النشاط؟
< إذا أردنا التقدم على هذا الصعيد، يجب على الفاعلين العموميين والمؤسسات إرساء إستراتيجية على المديين المتوسط والبعيد بإشراك الفاعلين المحليين. إن هذا ما ينقص اليوم، علما أن شمال المغرب، صار ثاني منطقة غنية بالبلاد، هي التي كانت مهمشة في عهد الملك الراحل الحسن الثاني، إذ تحت حكم الملك محمد السادس، تم تثمين عدد من القطاعات والأقطاب، منها مشروع ميناء طنجة المتوسطي، وتطوان وشفشاون وتاونات وتازة، لكن الفضاء التاريخي لزراعة القنب الهندي، لا يستفيد من هذه التنمية، بسبب العزلة الجغرافية التي توجد فيها هذه المناطق الجبلية.
إن السلطات لا يمكنها إنهاء زراعة القنب الهندي، لأن السكان مقتنعون بأن أراضيهم غير صالحة لأي زراعة بديلة. إن الوضعية تتطلب إبداعا وإشراكا وفكا للعزلة عن هذه المناطق. إن الجهة لها مؤهلات حقيقية، وبفضل البجر والجبل، ومحميات جهوية، يمكن أن تعرف المنطقة تنمية سياحية مستدامة وإيكولوجية.
< ماذا عن تقنين زراعة القنب الهندي؟ أليست حلا؟
< إن النقاش حول تقنين زراعة القنب الهندي من أجل استعماله في صناعات النسيج والصيدلة تم إطلاقه من قبل نشطاء جمعويين، ثم تبنته أحزاب سياسية. إن مشروع تقنين الزراعة لم يأت من الفاعلين المحليين، كما أن المزارعين، إما معترضون أو حذرون ومتسائلون عن آفاق التقنين، فهم يتخوفون، على سبيل المثال، أن يكونو تحت سيطرة مصنعي الأدوية يعد أن كانوا تحت سطوة المهربين، أو أن تستفيد من التقنين مناطق فلاحية لا تعاني مشكلة الجفاف ونقص المياه الموجودة، وحيث الأراضي الزراعية مازالت خصبة ولم تتعرض للإجهاد والتلف.
وكيفما كان الحال، مجرد أن يناقش المغاربة مستقبل القنب الهندي في بلدهم شيء جيد جدا، بشرط أن يكون الأشخاص المعنيون مباشرة، أي المزارعين والمستهلكين، في قلب النقاش العمومي. إن اعتبار أغلبية الفاعلين في القضية أو توصيفهم بأنهم "مجرمون" يعقد كثيرا الولوج إلى التفاوض.

< ماهي الإستراتيجية التي تظل معتمدة إلى الآن من قبل السلطات إزاء الظاهرة؟
< قبل 2001، فشلت كافة مشاريع الزراعات البديلة التي مولها الاتحاد الأوربي، وبين 2003 و2011، صارت الإستراتيجية هي استئصال وتخفيض المساحات المزروعة. ومنذ سنوات، ركزت السلطات أيضا، على قمع أنشطة التهريب خارج منطقة الزراعة، وارتفعت وتيرة حجز الشحنات المهربة.
على مستوى التنمية، تم إقرار مشاريع لفك العزلة وإنجاز عدد من الطرق الجماعية، دون أن يكون لها تأثير حقيقي، وللأسف، تمركزت المشاريع الكبرى في الأقاليم المحيطة بفضاءات زراعة القنب الهندي، فلم يستفد المزارعون وظلوا مهمشين ومحرومين من التنمية.

تقنين الحشيش

< زيادة على الرقم، يقدم المغرب على أنه أول منتج ومصدر للحشيش في العالم، فكيف تفسرين ذلك؟
< إن هذا الادعاء يغذي في أحيان كثيرة النقاش العمومي، بالنظر إلى أن الحشيش المغربي يصدر كثيرا إلى أوربا، باعتبار أن أجهزة الشرطة والجمارك، بما فيها الأوربية، تقول إن أغلبية كميات الحشيش التي تحجزها مصدرها المغرب، ولكن هذه أيضا معلومة يجب التعامل معها بحذر.
أولا يجب أن نعرف أن مكافحة تهريب المخدرات عملية أكثر تطورا بين ضفتي البحر الأبيض المتوسط، مقارنة بمناطق أخرى في العالم، وثانيا تفتقد تصريحات أو تقديرات دول تعد من أكبر البلدان إنتاجا للحشيش، من قبيل أفغانستان ولبنان والهند، إلى المصداقية، ما لا يسمح لنا بالحصول على مؤشرات حقيقية من أجل مقارنة موضوعية.
وأخيرا، يجب ألا نغفل أن عددا من الدول الصناعية، صارت من البلدان المهمة في إنتاج الحشيش -وعلى الأقل عشبه-، وهي ظاهرة ابتدأت منذ 10 سنوات، وستتقوى أكثر مع اتجاه كثير من الدول إلى تقنين زراعة المخدرات.
أن يكون المغرب المنتج الأول في العالم، أو لا يكون، في الحقيقة، ليس هو الأمر المهم، فبالنظر إلى التغييرات الحاصلة في السوق العالمية، والمنافسة الأوربية، فالتركيز، يجب أن يكون على اللايقين إزاء مستقبل آلاف الأسر القروية، المهمشة والموصومة بالإجرام أصلا، التي تعتمد بشكل كبير على هذا النشاط في الريف المغربي.
إن تقرير الخارجية الأمريكية، وإجمالا كل التقارير الدولية حول الحشيش بالمغرب، هي مثال جيد على اللامساواة في معالجة عدد من القضايا بين الدول الغربية وبلدان الجنوب. إن دول الشمال تناقش تقنين الحشيش، وتركز على الصحة العامة لسكانها في علاقتها باستهلاك المخدرات، في وقت تتعرض بلدان الجنوب للوصم والتمييز والمراقبة بسبب الإنتاج والتهريب.

تدويل المبادلات

< إن السلطات المغربية بارعة في حماية التراب الوطني من الإرهاب، فكيف تفسرين عدم تمكنها من القضاء على التهريب؟
< ولكن السلطات المغربية فعالة جدا على مستوى الريف! ولماذا تعتقدون بعدم وجود أعمال عنف وصراعات مرتبطة بالمخدرات؟ إن مكافحة أو قمع التهريب المرتبط بنشاط تقليدي موروث، لا تستقيم مقارنتها بمكافحة الخلايا الإرهابية.
من اللازم معرفة أنه رغم تدويل مبادلات القنب الهندي، يل هذا النشاط الاقتصادي مترسخا في العمق المحلي، لكن بفضل مراقبة السلطات، لم تتطور شبكات الترويج لتسفر أو تتحول إلى تهديد لأمن الدولة، ولا وجود، حتى الآن، لصراع كبير في الريف.

في سطور

– باحثة محاضرة في السوسيولوجيا بمركز "إميل دوركايم" في جامعة "بوردو" بفرنسا
– عضو في مركز "جاك بيرك" لتنمية العلوم الإنسانية والاجتماعية بالمغرب
– عضو شبكة "مغرب تيكنولوجيا"
– صدر لها بالإنجليزية والفرنسية: "الحشيش بالمغرب ولبنان، دراسة مقارنة" (2016)، و"لا زراعة للقنب الهندي دون نساء، نموذج الريف المغربي" (2015)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق