fbpx
الصباح السياسي

بنكيران مُقبل على تنازلات

الباحث المغربي كمال القصير قال إن أزمة الانسداد الحكومي تدفع نحو إعادة بناء المشهد السياسي

قال كمال القصير، الباحث والمحلل السياسي، إن الحديث عن تعذر تشكيل الحكومة يعني قياس مستقبل حزب العدالة والتنمية، ومستقبل أمينه العام، عبد الإله بنكيران،
في الوقت نفسه. وأضاف القصير في حوار خص به «الصباح»، أنه حتى اللحظة لم يتم اللجوء إلى الحل الدستوري لمعالجة الأزمة الحاصلة، بل يراهن الجميع
على إيجاد الحلول ضمن الإطار السياسي، دون استبعاد خيار «وضع نتائج هذا المسار التشاوري  أمام جلالة الملك وانتظار تحكيم ملكي بشكل واضح في هذا الشأن،
دون التحرج سياسيا من الإشكالات التي أثيرت حول مفهوم التحكيم».

أجرى الحوار: إحسان الحافظي

ما هي سيناريوهات الخروج من «البلوكاج»؟
ما يطلق عليه حاليا «بلوكاج سياسي» يعكس بوضوح تضارب الخيارات والرؤى لدى الفاعلين السياسيين لمرحلة ما بعد انتخابات أكتوبر الماضي. ويبدو أن الخيارات والحلول السياسية العديدة التي طرحت طيلة الأشهر الماضية لتشكيل الحكومة لم تؤت أكلها حتى اللحظة، بدليل استمرار حالة التعثر والضبابية التي تسيطر على مستقبل الحكومة المنتظرة. ولم يتم حتى اللحظة اللجوء إلى الحل الدستوري الواضح والمكلف لمعالجة الأزمة الحاصلة، بل راهن الجميع على إيجاد الحلول ضمن الإطار السياسي الذي لا يعيد الأمور إلى مربع الصفر.

هل يتعلق الأمر بأزمة سياسية أم منهجية في المشاورات؟
عندما نتحدث عن تضارب في الخيارات بين الفاعلين السياسيين في هذه المرحلة فإننا بالضرورة نتحدث عن مشكلة سياسية تظهر تجلياتها في الكيفية المتعثرة للمشاورات والتعقيدات التي ارتبطت بهذا المسار منذ البداية، إذ يبدو أن قضية تدبير المشاورات هي الشجرة التي تخفي غابة الأزمة الحالية. وفي تقديري فإن نتائج انتخابات أكتوبر الماضي قد مثلت محفزا لإعادة تقييم حدود ومساحات وسرعات الفاعلين السياسيين، وبشكل أساسي حزب العدالة والتنمية. وبهذا الاعتبار فقد بات النسق السياسي في حاجة إلى إعادة ضبط مكوناته بما يحفظ التوازن السياسي داخل المملكة. حيث يقدم التعثر في المشاورات تفسيرات للحدود السياسية والمساحة التي بات مطلوبا من حزب العدالة والتنمية عدم تجاوزها والتي يفرضها تمدده سياسيا. ويبدو أن رسالة التعثر تشير إلى أن العلاقة بين الحزب والملكية لها سقف محدود لا يمكن تجاوز حدوده الحالية. وتظهر الأزمة الحالية أننا إزاء إعادة صياغة المشهد السياسي.

ما هي حدود تنازلات رئيس الحكومة اليوم؟
منذ بداية مشاورات تشكيل الحكومة كان عبد الإله بنكيران يدرك أن هنالك تنازلات سياسية كبيرة ومتنوعة تنتظره على طول الطريق. وهذا الإدراك ناتج أساسا عن استيعابه لقوة وشراسة المعركة الانتخابية التي أسقط فيها حزبه أيضا كثيرا من الريش. فقد تنازل عن التمسك بحزب الاستقلال، ثم وافق على تولي حبيب المالكي رئاسة مجلس النواب، وقبل بالوضع الذي أقامه عزيز أخنوش وبالكيفية التي يشارك بها في المشاورات. ومازالت التنازلات التي قدمها حزب العدالة والتنمية لم تؤد إلى أي نوع من الحل، لكن في تقديري مازال حزب العدالة والتنمية مضطرا مستقبلا إلى تقديم تنازلات أخرى ليس فقط في قضية إشراك حزب الاتحاد الاشتراكي، بل تنازلات مؤلمة تتعلق بطبيعة الحقائب الوزارية التي يمكن أخذها وتلك التي يمكن التنازل عنها.
ويبدو أن بنكيران لا يخشى التنازلات، حيث تبقى نقاط القوة في استخدام آلية التنازل هو تمكن بنكيران من إقناع الناخبين بأنها ضرورية واضطرارية، بالشكل الذي يجنب حزبه التكلفة السياسية والاجتماعية والأخلاقية المرتفعة للتنازلات، ومن ثم إخراجها بطريقة تكسب حزب العدالة والتنمية مزيدا من المظلومية أمام الناخبين لا يحسن خصومه استخدامها.

في حال تعذر تشكيل الحكومة، ما هو السيناريو الأقرب؟
عندما نتحدث عن تعذر تشكيل الحكومة فإننا نتحدث عن مستقبل حزب العدالة والتنمية، وفي الوقت نفسه عن مستقبل أمينه العام بنكيران الذي لن يقبل الفشل في مساره الحالي، بعد أن حاز ثقة حزبه سواء بالتجديد له من ناحية، أو بالتفكير في استمراره على رأس حزبه مستقبلا من ناحية أخرى، إذا استمر الوضع الحالي المتعثر على ما هو عليه، خاصة إذا أحس حزبه بأن رأس بنكيران هو المطلوب حاليا. فتشكيل الحكومة وبقاء بنكيران باتا معادلة مترابطة في تصور حزب العدالة والتنمية للوضع في الخمس سنوات المقبلة.

كيف تقرؤون خطاب رئيس الحكومة حول البلوكاج؟
لقد بات مضمون الكلام السياسي لبنكيران في الآونة الأخيرة يميل نحو إلقاء الكرة في مربع المؤسسة الملكية حتى تجد هي نفسها حلا لهذا التعثر، كي لا يبقى رئيس الحكومة المعين يتحمل المسؤولية السياسية لوحده في هذه المرحلة. وبهذا الاعتبار فإن اللجوء إلى المؤسسة الملكية هو في حد ذاته حل سياسي في نظر بنكيران، وعليها بعد ذلك أن تجد حلا لهذه الأزمة تتحمل تكلفته السياسية والاجتماعية وتريح بنكيران وحزبه من أي تكلفة زائدة، فالجميع في النهاية سوف يقبل بالحلول القادمة من القصر، ويرى فيها المخرج المناسب للمغرب. وبهذا الاعتبار سوف يستمر حزب العدالة والتنمية حتى الرمق الأخير في المراهنة على «خطورة» الحل الدستوري القاضي بإعادة الانتخابات، بما يفرض حلا سياسيا يأتي من المؤسسة الملكية.

خيارات معقدة

إذا لم يتمكن رئيس الحكومة المعين عبد الإله بنكيران من تجاوز حالة البلوكاج الحالي فإن أمامه خيارات أكثر تعقيدا بالنسبة إلى حزبه والمشهد السياسي عموما. وبهذا الاعتبار سوف يلجأ بنكيران إلى رفع سقف خطابه السياسي وهو ما يبدو أخيرا بوضوح، لأن عامل الزمن والتأخير بات يرفع التكلفة السياسية ويفرض على بنكيران تغيير نمط الحل والمقاربة التي تنبني على خيارين، إما أن يتفهم ويقبل الآخرون بالسقف الذي لم يعد بنكيران قادرا على تجاوزه من ناحية التنازلات السياسية، وإن كان البعض ربما داخل حزب العدالة والتنمية لم يعد يجد حرجا في إشراك حزب الاتحاد الاشتراكي في الحكومة، أو أن يتم وضع نتائج هذا المسار التشاوري أمام جلالة الملك وانتظار تحكيم ملكي بشكل واضح في هذا الشأن، دون التحرج سياسيا من الإشكالات التي أثيرت حول مفهوم التحكيم. ويبدو أن هذا السيناريو هو الرهان الأكبر الذي يعمل على إنجاحه بنكيران حاليا. وفي كلا الحالتين يبدو أن خيار إعادة الانتخابات لم يعد مستبعدا من قاموس بنكيران ولا خطا أحمر مثل السابق، فاللحظة الحالية تعرف تساويا في الخيارات التي يمكن أن يتجه إليها المشهد السياسي.

 في سطور    

> كمال القصير
> باحث ومحلل سياسي
> رئيس وحدة شمال إفريقيا بمركز الجزيرة للدراسات سابقا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى