خاص

ربورتاج: شغب 5 أيام باليوسفية يكبد الفوسفاط 300 مليار

محاصرة الشاحنات والحافلات من قبل العاطلين بالمنطقة يصيب معامل الفوسفاط بالشلل

لم يكن برنامج التوظيف الذي أطلقه المكتب الشريف للفوسفاط لاستيعاب جيوش العاطلين بالمناطق المنجمية، الذين خرجوا للتظاهر بقوة في الشهور الأخيرة، سوى مشجب علق عليه العاطلون العديد من الأخطاء المتراكمة للمكتب الشريف للفوسفاط، بعدما اتسعت يومي الاثنين والثلاثاء من الأسبوع الماضي، رقعة الاحتجاج لتطول أرامل المتقاعدين وأبنائهم، والمتقاعدين أنفسهم والمطرودين خلال إضراب سنة 1981، إذ أطلقوا جميعهم أساليب احتجاجية جديدة، أدت إلى توقف الحركة الانتاجية بقطاع الفوسفاط بنسبة فاقت 35 في المائة، وفق ما ذكرته مصادر مطلعة لـ “الصباح”، إذ تمت محاصرة حافلات نقل العمال وشاحنات نقل الفوسفاط، دون تدخل الجهات المعنية، التي تراقب الوضع، وتكتفي بعقد اجتماعات ماراثونية وإنجاز تقارير حول الحركة الاحتجاجية، دون البحث عن حلول حقيقية، ما أجج الوضع بمدينة لم تعد كل الطرق تؤدي إليها..

اليوسفية.. التراب الأبيض
تشكل منطقة اليوسفية، الجزء الغربي من ركازة «الغنطور»، وقد انطلق استغلال الفوسفاط بها سنة 1931 بالجزء الشمالي الغربي من الموقع، وأدى إلى إنشاء المركز الفوسفاطي لليوسفية المعروفة آنئذ باسم «لوي جانتي»، نسبة إلى لويس جونتي، ويقدر الاحتياطي في هذه المنطقة بـ 10.2 ملايير طن.
وتتكون ركازة الفوسفاط باليوسفية من نوعين من المعادن، فوسفاط “أبيض” يحتوي على مواد عضوية قليلة، انطلق استغلاله سنة 1931، وفوسفاط “أسود” شرع في استغلاله في نهاية عقد الستينات، وهو غني بالمواد العضوية.
ويعتبر قطاع الفوسفاط، أهم قطاع بإقليم اليوسفية، وكان وجهة للراغبين في الشغل منذ الخمسينات من القرن الماضي، غير أنه في بداية التسعينات، ستتغير سياسة التوظيف بالمكتب الشريف للفوسفاط، وتراجعت نسبة توظيف أبناء المنطقة، مقابل توظيف شباب من خارج الإقليم، وهو ما كان موضوع احتجاج جمعيات العاطلين، غير أن إدارة الفوسفاط كانت ترفع شعار الكفاءة لإخراس أصوات المحتجين.

استمر الوضع على ما هو عليه، دون أن يأبه أحد بارتفاع وتيرة الاحتجاج، التي سرعان ما تخبو، غير أنه في الوقت الذي كان مسؤلو إدارة الفوسفاط يعتقدون أن الاحتجاجات لن تطول سوى سياسة التوظيف، عمدت فعاليات المجتمع المدني، إلى إثارة العديد من المشاكل الأخرى المتعددة المرتطبة بإدارة الفوسفاط، أبرزها استنزاف الفرشة المائية لمنطقة الكنتور، إذ في الوقت الذي كان فيه العشرات من المواطنين يعتصمون بمديرية الاستغلالات المنجمية لمنطقة الكنتور، توفي شيخ مسن كان من بين المحتجين، في وقت حمل المحتجون المسؤولية إلى عدة مسؤولين منهم مدير الاستغلالات المنجمية للمنطقة ورئيس مصلحة الأعمال الاجتماعية باليوسفية، لتجاهلهما احتجاجات العاطلين دون فتح تحقيق في النازلة.
منذ تلك الفترة، بدأت سياسة شد الحبل بين سكان جماعة الكنتور وإدارة المكتب الشريف للفوسفاط، إذ بعدها بشهور قليلة سيعمد سكان الجماعة إلى الاحتجاج إثر تخلص إدارة الفوسفاط من نفاياتها الصلبة بأحد الأراضي المهجورة الواقعة على بعد أمتار قليلة من سكان عدة دواوير، وعقد اجتماع بمقر قيادة الكنتور، من أجل تسوية المشكل، غير أن الوضع ظل على ما هو عليه.
لم تكن تلك الحركة الاحتجاجية البسيطة على مطرح للنفايات سوى محاولة فتح باب “صراع أبدي” مع إدارة الفوسفاط، التي ظلت تتعامل مع هذا الواقع بنوع من اللامبالاة، يؤكد أكثر من مصدر.

موجة احتجاج جديدة
في سابع مارس، برزت حركة جديدة أطلقت على نفسها «حركة 7 مارس»، والتي أخذت على عاتقها الدعوة إلى تحويل مؤسسة الفوسفاط إلى مؤسسة مواطنة حقيقية، وطرحت الحركة العديد من الملفات منها ظاهرة التلوث التي تعرفها المنطقة وتوفير الحق في التطبيب المجاني لأبناء المنطقة الفوسفاطية القاطنين بجوار معامل التنشيف والتكليس وضمان حق الأسبقية في التوظيف لأبناء المتقاعدين وأبناء المنطقة، وغيرها من المطالب.

وأكد أحد أعضاء حركة سابع مارس، أنه برزت، خلال تلك الفترة، نية انتزاع مكتسبات من إدارة المكتب الشريف للفوسفاط، وإرجاع المياه إلى مجاريها، على اعتبار أن إدارة الفوسفاط مقاولة مواطنة، إذ «طالبنا أولا بالتشغيل الفوري وتوفير التطبيب، غير أن مدير الاستغلالات المنجمية ومعه رئيس قسم الشؤون الاجتماعية، أصما أذنيهما تجاه مطالبنا البسيطة والمشروعة»، يضيف المتحدث ذاته.
في اليوم الموالي لبروز هذه الحركة، تم نصب خيام أمام مديرية الاستغلالات المنجمية لمنطقة الكنتور، وإنشاء معتصم هناك، إذ في الساعة الثانية عشر والنصف ليلا، سُجل تدخل أمني، وصفه بيان للجمعية المغربية لحقوق الانسان باليوسفية، بالعنيف والمفاجئ في حق مجموعة من المتظاهرين الشباب المعتصمين والمطالبين بحقهم في التشغيل بالمجمع الشريف للفوسفاط، أدى إلى وقوع إصابات بليغة في صفوف الضحايا الذين فاق عددهم أربعين حالة، وشملت الإصابات كسورا في الفخذ والساق ورضوضا نتيجة إصابات مباشرة على مستوى الرأس والظهر، بالإضافة إلى جروح متفاوتة الخطورة، إذ جاء التدخل ساعة بعد إلقاء عامل إقليم اليوسفية بمعية أحد المسؤولين عن المجمع الشريف للفوسفاط كلمة تتضمن «وعودا» بالاستجابة إلى مطالب المعتصمين عبر استعمال مكبر الصوت، والدعوة إلى إخلاء المكان وفك الاعتصام.

لم يكن ذلك كافيا لإخماد فتيل الاحتجاج، إذ عاد المحتجون في اليوم الموالي إلى محاولة اقتحام مقر مفوضية الشرطة ليتم إطلاق سراح كل المعتقلين، وعقد لقاء مع ممثلين عن المحتجين، خلص إلى فتح ملحقة المركز الجهوي للاستثمار، لتسجيل الراغبين في التوظيف.

توظيف لامتصاص الغضب
بمجرد أن ذاع الخبر، سارع آلاف الراغبين في التوظيف إلى ملحقة المركز الجهوي للاستثمار باليوسفية، قصد تسجيل أنفسهم في اللوائح الخاصة بذلك، غير أن عدم وضع شروط للترشح، جعل الباب مفتوحا أمام الجميع، ويكفي الإدلاء ببطاقة التعريف الوطنية، ليتم تسجيل اسمك. أحد أعضاء الجمعية الوطنية لحملة الشهادات المعطلين بالمغرب، اعتبر ذلك مجازفة غير محمودة العواقب، إذ أن العديد من الأشخاص، ممن تجاوزوا السن القانوني للتوظيف أو ممن قضوا عقوبات حبسية تحرمهم من حق التوظيف، بادروا إلى تسجيل أنفسهم، وأصبحوا يعتبرون أن من حقهم الحصول على وظيفة بالمكتب الشريف للفوسفاط.
وتشير مصادر حقوقية إلى أن الجهات المعنية كانت تتوخى من خلال تلك الخطوة امتصاص غضب الشارع، قبل أن تفاجأ في آخر المطاف، بأنها كانت كمن  يسكب الزيت على النار.

امتعاض واحتجاج
خلال الأسبوع الماضي، توصل المئات من الشباب العاطل برسائل عبر البريد المضمون تفيد توظيفهم أو إخضاعهم للتكوين في المجالات التي يحتاجها المكتب الشريف للفوسفاط.
الكل اعتبر الأمر مكسبا جديدا، لكن سرعان ما ذاعت أخبار عن توصل أكثر من شخص من الأسرة الواحدة باستدعاءات للتوظيف المباشر، وآخرين للتكوين، حتى إن من بين من استدعوا أشخاص من ذوي السوابق القضائية أو موظفين بقطاعات عمومية أو خاصة، وآخرون لا يتوفرون على مؤهلات علمية أو دراسية تؤهلهم للولوج إلى سوق الشغل.
ولم يكن عدد ممن تم استدعاؤهم يتجاوز خمسة الآف شخص، وهو ما أجج غضب الآخرين الذين لم يتوصلوا بالاستدعاء، إذ انطلقت شرارة الاحتجاج من جماعة الكنتور، وتواصلت في الأيام الأخيرة بمدينة اليوسفية، لتتكبد إدارة الفوسفاط خسائر مادية جسيمة، بعدما تم إلغاء 24 رحلة يوميا بين آسفي واليوسفية وابن جرير.

خسائر بالجملة
إلى حدود أول أمس (الثلاثاء) تم إلغاء أزيد من 120 رحلة بين اليوسفية وآسفي وابن جرير، منها رحلات خاصة بنقل الفوسفاط إلى المركب الكيماوي بآسفي وأخرى إلى معامل ابن جرير، فضلا عن رحلات المسافرين، لتتكبد إدارة الفوسفاط (ومعها إدارة السكك الحديدية) ما يزيد عن 300 مليار سنتيم، هذا بالإضافة إلى مشاكل أخرى مرتطبة بعلاقة إدارة الفوسفاط بمجموعة من الزبناء.
الأمر أصبح معقد أكثر، بعدما عمد المحتجون إلى وضع استراتجية جديدة، تتمثل في توزيع مناطق الاحتجاج، واللجوء إلى الحصار الاقتصادي لإدارة الفوسفاط، إذ عمل المعتصمون على الاعتصام في الطرق التي تتنقل فيها شاحنات نقل الفوسفاط،  وانتشروا عى أكثر من موقع، حيث قاموا بوقف حركة هذه الشاحنات في مدخل المدينة من الطريق القادمة من كل من بنجرير وآسفي، و كذا قطع حركة كل سيارة أو حافلة تابعة للمكتب الشريف للفوسفاط، وكذا الحافلات والشاحنات والسيارات القادمة من معمل التكليس.
كما شهد مخرج حافلات نقل عمال الفوسفاط احتلالا من طرف العاطلين، أدى إلى شلل تام في حركة عمال القطاع.
وتأتي هذه الخطوة حسب المعتصمين كرد لتجاهل السلطات لمطالبهم وعدم التواصل الجدي معهم، يؤكد مصدر ل «الصباح».
ودخلت عدة جمعيات للعاطلين عن الخط، آخرها جمعية المجازين المعطلين بإقليم اليوسفية، والتي خاضت اعتصاما إنذاريا الاثنين الماضي استمر من العاشرة صباحا إلى الثامنة مساء، إذ عبرت الجمعية المذكورة عن استنكارها اللامحدود للنتائج المخيبة للآمال في عملية التوظيف والانتقاء وعن استنكارها للصمت الذي صاحب هذه النتائج من طرف الجهات المسؤولة.
وسُجلت خلال الاعتصام ذاته، حالة إغماء في صفوف أحد أعضاء الجمعية الذي نقل إلى مستشفى لالة حسناء بالمدينة ذاتها.
كما دخلت جمعيات المتقاعدين، بدورها، على الخط، لإعادة طرح العديد من مطالبهم، التي يبقى أبرزها توظيف أبنائهم، وتوفير الحق في التطبيب لكل أفراد أسرهم، وإعادة توفير المعدات الطبية اللازمة والأطر الطبية المكونة بمستشفى المكتب الشريف للفوسفاط الذي لم يعد يحمل من المستشفى سوى الاسم، وإعادة النظر في التعويضات الشهرية التي تتلقاها أرامل المتقاعدين.
ويطالب أبناء المطرودين، خلال إضراب سنة 1981 بضمان توظيف أبنائهم.

في انتظار الآتي..
تظاهر أول (أمس الثلاثاء) وإلى حدود الساعة الواحدة ظهرا أزيد من خمس مائة شخص، من مشارب مختلفة، وحدت بينهم العطالة، أمام مقر العمالة وهددوا بإحراق أنفسهم جماعة، إذ ما استمر تجاهل احتجاجهم من طرف مسؤولي إدارة المكتب الشريف للفوسفاط، والتي تعدت مطالب التشغيل إلى مطالب أكبر تتجلى في التعويض عن البطالة، وإعادة النظر في أجوز المتقاعدين ومعاش أرملاتهم وتوفير التطبيب مجانا لأبناء المنطقة، ومحاكمة من يعتبرونهم رموزا للفساد والاغتناء الفاحش بإدارة الفوسفاط، وإجبار شركات المناولة على احترام القانون والتقيد بمضامين مدونة الشغل، عوض الالتفاف عليه، ومطالب أخرى..
وأمام هذه الاحتجاجات الصاخبة، حل بالمدينة مدير الموارد البشرية بإدارة المجمع الشريف للفوسفاط ومندوب وزارة التشغيل، ومسؤول عن عمالة اليوسفية، فضلا عن أعضاء لجنة الحوار، بهدف الوصول إلى اتفاق نهائي.
غير أن الشرخ الذي برز خلال وقفة أول أمس (الثلاثاء) تجلى في جمعيات أخرى للعاطلين، اخذت على عاتقها مواصلة الاحتجاج، مشيرة إلى أنها غير معنية بما قد يسفر عنه الحوار، على اعتبار أن إدارة الفوسفاط، دأبت على الإخلال بالتزاماتها منذ مدة.

خطة جديدة للتوظيف

أعلن المكتب الشريف للفوسفاط، في بلاغ له، قبيل اندلاع الاحتجاجات الأخيرة، أنه أعد برنامجاً جديداً لتوظيف 5800 عامل موزعين على كل المهن و المهام التي يقوم بها المكتب، مع إعطاء الأولوية للمرشحين من أبناء المتقاعدين والمقيمين بجوار مرافق المكتب.
وحسب بلاغ للمكتب، فإن عملية الانتقاء والإدماج بالنسبة إلى المستفيدين ستتم عبر شروط معينة ودقيقة وبالشفافية المطلوبة، وسيقوم المكتب بتكوين العمال الجدد في مجالات مختلفة، وسيخصص منحا للمرشحين قد تصل إلى 2000 درهم شهرياً خلال فترة التكوين.
وسيخصص هذا البرنامج الجديد أيضاً عدة مساعدات لحاملي المشاريع المحدثة لفرص الشغل، حيث سيوفر لهم الدعم المالي و التقني لإنجاز مشاريعهم.
وتعهد المكتب باتخاذ إجراءات ملموسة من أجل تنفيذ هذا البرنامج ، من الآن وحتى 30 يونيو المقبل، إذ سيتم الكشف عن لائحة المستفيدين.

محمد العوال (اليوسفية)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

شاهد أيضاً

إغلاق
زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض