خاص

الحكومة والنقابات… شد الحبل

الحكومة تأسف للجوء النقابات إلى الإضراب الوطني والمركزيات تتوعد بالتصعيد

الحكومة تأسف للإضراب، والنقابات تتوعدها بالمزيد، حرب الأرقام بشأن نسبة المشاركة في الإضراب، بين الطرفين، تزيد في عملية شد الحبل، والخاسر الأكبر هو المواطن، الذي يجد نفسه الضحية الأولى والأخيرة لإضراب الوظيفة العمومية. ملفات متراكمة في المحاكم، تأخر موعد البت فيها، تلاميذ ضحايا هدر ساعات التحصيل الدراسي، مصالح إدارية معطلة، في الوزارات والجماعات المحلية، وعدد من المواطنين، تعطلت مصالحهم، بسبب وضع الجمود الذي طبع الحياة العامة يوم الثالث من نونبر.
المركزيات النقابية تؤكد أن الحوار الاجتماعي أفرغ من محتواه، فلم يعد له وجود، وتوجه أصابع الاتهام إلى الحكومة، التي عطلت دورة شتنبر، وهيأت مشروع قانون المالية، حتى لا ترضخ لمطالب النقابات، فيما تصر الحكومة على أن الحوار مستمر، إلا أنها ترى نفسها غير ملزمة، بزمن محدد، أو أجندة  تحت الضغط.
سيناريو من هذا القبيل، يفتح المجال أمام استعراض النقابات لقوتها التعبوية، التي لم تعد، كما بالأمس القريب، بسبب واقع التشرذم، الذي يلازمها، وتراجع الإضرابات السياسية، لفائدة تنامي إضرابات قطاعات تهتم بمصالح فئوية، أما الحكومة، فتدير الحوار الاجتماعي بمنطق «تدبير الندرة»، في ظل شح إمكانيات الدولة، وارتفاع ضغط المطالب الاجتماعية.

إضراب الوظيفة العمومية يشل الحركة ويعطل مصالح البلاد

تعثر الحوار الاجتماعي  ينذر بموسم اجتماعي ساخن

شل إضراب الوظيفة العمومية أول أمس (الأربعاء)، الحركة بمختلف الإدارات العمومية، والجماعات المحلية، تباينت نسبه بين القطاعات، إلا أنها ناهزت، في عمومها 90 في المائة، حسب إحصائيات النقابات، بل هناك من الإدارات، يقول مصدر نقابي، من خلت من كل الموظفين، إلا من مسؤول.
وكان توقف عجلة الحوار الاجتماعي، وخلو مشروع قانون مالية 2011 ، من أي التزامات اجتماعية لفائدة الموظفين، سببا في عودة النقابات إلى خيار الإضراب العام في الوظيفة العمومية، ليضاف إلى سلسلة الإضرابات القطاعية التي لا تنتهي إلا لتبدأ أخرى.
مأسسة الحوار الاجتماعي، لم تأخذ مسارها الطبيعي كما كان منتظرا، فانتظام جولات هذا الحوار، بين شهري شتنبر وأبريل من كل سنة، للتباحث في عدد من الملفات المطلبية للمركزيات النقابية، والانتهاء إلى صياغة تصريح مشترك، يحظى بتوافق الأطراف المعنية بهذا الحوار، هو الذي من شأنه أن يضع حدا للعبة شد الحبل بين الحكومة والنقابات.
كان التصريح المشترك، بين النقابات الأربع المشاركة في الإضراب واضحا في شرح أسبابه وخلفياته، وانتهت من خلاله النقابات إلى تقييم مشترك للوضعية الاجتماعية، التي تجتازها البلاد، من خلال ، ما دعاه التصريح، بفشل الحوار الاجتماعي للسنة الماضية في جولة أبريل الأخيرة، لأن نتائجه بصفة عامة لم ترق إلى الحد الأدنى من انتظارات الشغيلة،  كما سبق للمركزيات النقابية أن وجهت خلال شهر يونيو الماضي رسالة مشتركة إلى الوزير الأول، تطلب فيها عقد لقاء على مستوى الأمناء والكتاب العامين للمركزيات النقابية بعد أن لاحظت أن الحوار يراوح مكانه، دون نتيجة.
وكان الجواب الحكومي يعدد ما اعتبر إنجازات، في حين أن اللقاءات التي تمت في إطار الحوار لم تتجاوز عددا من القضايا، وهي الاتفاق على تحديد منهجية مشتركة للحوار وجدول أعمال، مع أن الحكومة رفضت التوقيع على الورقة المتوافق عليها بخصوص النقطتين السابقتين، وتحديد تواريخ للقاءات لجنة القطاع العام والقطاع الخاص .
ويحيل التصريح المشترك للمركزيات النقابية، على الإرهاصات الأولى لحوار اجتماعي مشروخ، إذ أنه، ومنذ بداية أولى جولات الحوار الاجتماعي، في حلته الجديدة، في سنة 2008، ظل التشكيك في النوايا سائدا بين الطرفين. هذا ما كان يستشف من الجدال الدائر حول جدول أعمال كل جولة، إلا أن ذلك لم يكن يحل دون انعقاد هذه الجلسات، وإن كان ذلك يأخذ طابعا برتوكوليا، أكثر من اللازم.  أما الخلافات، فكانت تحتضنها جلسات اللجان المتفرعة عن الحوار الاجتماعي.
بدأ الخلاف بغياب الباطرونا، في عهد حفيظ العلمي، عن جلسات لجنة القطاع الخاص، وانتهى إلى غياب ممثلي وزارتي التشغيل وتحديث القطاعات العمومية في جلسات لجنة القطاع العام.
وتؤكد مصادر نقابية ل”الصباح” أن البوادر الأولى لقطع حبل الود بين الحكومة والنقابات، بدأت مع “استهتار الحكومة”، بعمل لجان الحوار، وعدم حسمها في نقاط جدول أعماله، لتنتهي بتمرير تصريح أحادي الجانب، لم يحظ بمباركة المركزيات النقابية، خلال جولة أبريل الأخيرة.
وقد بدأ التهديد بالإضراب العام، في قطاع الوظيفة العمومية، منذ شهر غشت الماضي، إلا أن النقابات، انتظرت حتى مرور موعد العطلة السنوية، وشهر رمضان، ومراسلة الوزير الأول، في موضوع جولة شهر شتنبر من الحوار الاجتماعي، لتعلن عن انطلاق موسم الإضراب، خاصة بعدما اتضح لها أن الحكومة لم تكن”جادة” في مسعاها، القاضي بمأسسة الحوار الاجتماعي، وأنها كانت تراهن دائما على اختيار الوقت المناسب لإجراء حوار اجتماعي يبدأ دائما، من نقطة الصفر، حسب تعبير المصادر ذاتها، قبل أن تضيف، أن النقابات تجد نفسها، مجبرة دائما على التصعيد، قبل أن تقبل بالجلوس إلى مائدة الحوار مع الحكومة للتباحث في ملفات كانت مطروحة مند أزيد من ثلاث سنوات، فترهن بحوار تحكمه تنازلات أحادية الجانب، وأجندة غير واضحة.
وتتعدد مبررات إضراب قطاع الوظيفة العمومية، بين تمسك النقابات بإجراء جولة شتنبر في موعدها، واتهامها للحكومة بالتملص من التزاماتها السابقة، وعدم دعوة النقابات للقاءات جديدة، حتى تعد مشروع قانون مالية 2011 خاليا من أي تحملات اجتماعية لفائدة الموظفين.
أما الملفات العالقة، التي تطالب النقابات، الحكومة بالوفاء بها، فعديدة، وتهم سن زيادة شاملة في أجور الوظيفة العمومية، لا تقل عن 30 في المائة، وتسوية ملف الترقيات الاستثنائية، مع تفعيل إجراءات تتعلق بالتعويض عن العمل في المناطق النائية، إضافة إلى تغيير النظام الأساسي للوظيفة العمومية، وهو العمل الذي بدأ مند سنوات لكنه توقف، إضافة إلى ضمان ممارسة الحريات النقابية، وحذف بعض النصوص القانونية التي تحد منها، وعلى رأسها الفصل 288 من القانون الجنائي.
وتذهب الحكومة في ردها على اتهامات النقابات، أبعد مما تنادي به هذه الأخيرة، حين تؤكد أنها أوفت بالتزاماتها السابقة، فيما يخص حذف السلاليم الدنيا من 1 إلى 4 في قطاع الوظيفة العمومية، دونا عن الجماعات المحلية، مع تحسين دخل الموظفين المرتبين في مختلف السلاليم الإدراية، إضافة إلى تحمل عبئ صندوق المقاصة للحفاظ على القدرة الشرائية لذوي الدخل المحدود، مع خفض معدلات الضريبة العامة على الدخل لفئات من الموظفين، والزيادة في التعويضات العائلية، ورفع الحصيص النظامي للترقية الداخلية.
وكلفت هذه التدابير حزينة الدولة حوالي 20 مليار درهم ما بين سنة 2008 و2009، إلا أن التراجع وقع في سنة 2010 ، ليغلق ملف الزيادة في أجور موظفي القطاع العام، في سنة 2011، ما جعل قطاعات عديدة تتحرك للتلويح بسلسلة من الإضرابات القطاعية، كالعدل والصحة والتعليم، قبل أن تتوج بإضراب عام في قطاع الوظيفة العمومية، اختلفت ردود الفعل حول دواعيه ونتائجه بين الحكومة والنقابات، إلا ذلك يؤشر على موسم اجتماعي ساخن، مطبوع بعودة شبح الإضرابات القطاعية والعامة.

النقابات تتهم الحكومة بتجميد الحوار

النقابات منتشية بنتائج الإضراب العام في الوظيفة العمومية، وتعتبر أنها كسبت رهان لي ذراع الحكومة، رغم خروج الكنفدرلية الديقراطية للشغل، عن صف التنسيق المشترك، إذ رفض نوبير الأموي، الاستجابة للمراسلات العديدة، التي توصل بها من المركزيات النقابية الخمس، الفيدرالية الديمقراطية للشغل، الاتحاد المغربي للشغل، والاتحاد الوطني للشغل، فضلا عن الاتحاد العام للشغالين بالمغرب، الدراع النقابي لحزب الاستقلال، ثم المنظمة الديمقراطية للشغل. وأجمعت النقابات الخمس على أن إضراب 3 نونبر كان ناجحا، وأنه حقق غاياته. هذا ما يؤكده سعيد الصفصافي، عن الاتحاد النقابي للموظفين، في تصريح ل” الصباح”، حين يقول، “إن الإضراب العام في الوظيفة العمومية والجماعات المحلية، فاق كل التوقعات المنتظرة، وانخرطت فيه العديد من القطاعات بشكل غير مسبوق”.
وأضاف المصدر ذاته، أن مصير الحوار الاجتماعي، الذي تتحمل الحكومة وزر تعثره وجموده، بات مجهولا، كما أن القواعد النقابية، لم تعد تثق في هذا الحوار، مادام أن الحكومة غيبت المسألة الاجتماعية من أجندتها، وكانت قراراتها انفرادية في العديد من الملفات، كما هو الشأن بالنسبة إلى الزيادة الطفيفة في الأجور، والتي لم تلب الحد الأدنى من المطالب التي طرحتها النقابات في دورة أبريل 2008، ضمن جولات الحوار الاجتماعي.
والأمر ذاته، يقول الصفصافي، يشمل ملف الترقيات، والزيادة الشاملة للأجور بنسبة 30 في المائة، التي تتحد حولها النقابات الخمس، كما أن خلو مشروع قانون مالية سنة 2011 ، من كل الإجراءات ذات البعد الاجتماعي لفائدة الشغيلة، يجعل الحكومة مهتمة فقط بالحفاظ على التوازنات الماكرواقتصادية. وذهب علي لطفي، كاتب عام المنظمة الديمقراطية للشغل، في الاتجاه ذاته، حين أكد أن الحكومة أشاحت بوجهها عن الملفات المطلبية الأساسية، فلم يعد بإمكانها الحديث عن حوار اجتماعي ليس له وجود على أرض الواقع.
واعتبر  العربي حبشي، عضو المكتب المركزي للفيدرالية الديمقراطية للشغل،  من جهته، أن الإضراب العام ل3 نونبر، رسالة تحذير موجهة للحكومة، ستتلوها بلا شك خطوات تصعيدية أخرى، سيعلن عنها في حينها، حسب قوله.  ووصف حبشي جلسات الحوار السابقة، بالاستعراضية، لأن الحكومة، لا تعير اهتماما، على حد تعبيره، للحوار الجاد و المسؤول، وما تزال تقصي البعد الاجتماعي من سياساتها العمومية. وأكد حبشي أن الحكومة، لم تعبر لحد الآن، سوى عن أسفها عن هذا الإضراب، ليختم قوله” لكننا نأسف بدورنا لأسفها”.
وتبقى المسيرة الاحتجاجية التي كانت مبرمجة سابقا، قبل أن يقع التراجع عنها بتدخل من الوزير الأول لدى النقابات، أمرا واردا، كما أن سيناريو الإضراب العام، الذي  كان له وقعه السياسي، فيما مضى، يبقى حاضرا في أجندة المركزيات النقابية الخمس.

إعداد: رشيد باحة

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق