خاص

إغماءات واعتقالات أثناء هدم منازل بحي المطار بالبيضاء

جرافة تدك منزلا بحي المطار
أزيد من 80 سيارة شرطة طوقت الحي لتنفيذ الأحكام ونقل ممتلكات السكان إلى وجهة مجهولة

تحول حي المطار بالدار البيضاء صباح أمس (الأربعاء) إلى منطقة أمنية مغلقة بعد محاصرته من طرف مختلف قوات الأمن لتنفيذ أحكام الإفراغ الصادرة في حق السكان، وعاينت «الصباح» وجود أكثر من 80 سيارة أمن بمحيط الحي الذي تم تطويقه ومنع السيارات من الوصول إليه.
وعرف الحي حالة من الاحتقان الشديد أدت إلى حدوث مصادمات بين السكان ورجال الأمن الذين تدخلوا بعنف خلال عملية الإفراغ، إذ نقلت ثلاث نساء على وجه السرعة إلى المستشفى لتلقي العلاجات الضرورية بينهما امرأة حامل في شهرها السابع، اتهمت عائلتها أحد رجال الأمن الذين شاركوا في عملية التدخل لهدم منزل عائلتها بالاعتداء عليها رغم حالة الحمل الظاهرة. ومنعت قوات الأمن بالقوة السكان من الوصول إلى مكان عملية الهدم، وتدخلت بعنف في مواجهة أفراد عائلة أحمد عزمي، نائب رئيس جمعية حي المطار، الذين احتجوا على قرار الهدم وحاولوا منع السلطات من تنفيذه، وهو ما أدى إلى إصابة سيدة نقلت إلى المستشفى بعد تعرضها لحالة إغماء.
وعلمت «الصباح» أن عملية التدخل لإجلاء بعض سكان حي المطار وهدم منازلهم بدأت حوالي الساعة الخامسة من صباح أمس (الأربعاء)، إذ حلت مختلف أنواع قوات الأمن من شرطة وقوات مساعدة بالحي قبل أن تبدأ عمليات إفراغ سكان المنازل التي شملها الهدم عبر توقيف رب المنزل وأبنائه الذكور ونقلهم إلى مفوضية الشرطة لمنع حدوث مصادمات مع القوات العمومية خلال عملية الهدم قبل إصدار الأوامر إلى زوجته وأبنائه الصغار بمغادرة البيت، ويتكلف ممثلو السلطة المحلية بنقل أثاث العائلة خارج البيت بطريقة عنيفة دون مراعاة وجود أشياء ثمينة يمكن أن تتعرض للتلف.
مصطفى حمين، من سكان الحي الذين شملتهم عملية الهدم، قال لـ»الصباح» إنه فوجئ صباح أمس برجال الأمن يقتحمون بيته وينقلون العائلة إلى الشارع المقابل ويشرعون في إخراج الأثاث إلى الشارع دون أن يقدموا أي تفسير لما يجري.
محين يؤكد أنه سينصب خيمة مكان بيته بعد هدمه لأن ليس لديه أي مكان ليذهب إليه بعد هدم المنزل الذي أقام به أكثر من 30 سنة. والدة حمين التي تجاوزت السبعين من العمر جلست إلى كرسي خشبي أمام بيتها تراقب رجال الشرطة وهم ينقلون قطع أثاث البيت قطعة تلو الأخرى وتتحسر على هدم بيتها الذي قطنته منذ أكثر من 30 سنة. مصدر من جمعية سكان حي المطار التقته «الصباح» بالحي أكد أن استراتيجية السلطات في إفراغ الحي كانت ترتكز على هدم منازل أعضاء مكتب الجمعية، مؤكدا أن عملية الهدم بدأت ببيت الرئيس عبد العالي رباني الذي أوقفته الشرطة ونقلته إلى مقر الأمن الإقليمي بالحي الحسني، كما شملت عملية الهدم بيت نائب رئيس الجمعية أحمد عزمي الذي أوقف كذلك ونقل إلى مقر الأمن الإقليمي. وأضاف المصدر ذاته أن عملية إيقاف مكتب الجمعية جاء من أجل تحييد مؤطري الجمعية لتفادي تأطير احتجاجات السكان وتشتيتهم لتسهيل عملية الهدم.
وأكد المصدر ذاته أن عملية الهدم شملت كذلك مقر الجمعية، إذ تم الاستيلاء على ممتلكاتها والأرشيف الخاص بها قبل عملية الهدم التي تمت دون إشعار أعضاء الجمعية وبعد توقيف عضوين بمكتبها صباح أمس (الأربعاء).
وبينما كانت الجرافات تستعد لتنفيذ عمليات هدم المنازل، كان عدد من أعوان شركة «ليدك» لتوزيع الماء والكهرباء يقطعون التيار الكهربائي عن المنازل التي استهدفتها عمليات الهدم لتجنيب عمال الهدم خطر حدوث تماس كهربائي يمكن أن يتسبب في حوادث خطيرة.
واحتج السكان على الطريقة التي تمت بها عملية الهدم والتي قالوا إنها اتسمت باستعمال مفرط في القوة ضد سكان عزل أرادوا حماية ممتلكاتهم من الضياع خلال عملية الإفراغ. وأوضح جمال الدين حفراوي، أحد سكان الحي المتضررين أنهم ليسوا ضد تطبيق القانون، ولكنهم ضد الطريقة «الهمجية» التي تم بها تنفيذ القانون عبر الاستعمال المفرط للقوة وحمل أثاث السكان إلى وجهة غير معروفة وتشريد السكان بعد هدم منازلهم. واعتبر حفراوي أن السلطات ذهبت إلى رئيس الجمعية وقامت بإيقافه وهدم منزله ليخاف باقي السكان ويرضخوا إلى الأمر الواقع ويعملوا على مغادرة منازلهم. موضحا أن هذا الأمر لن يتم لأن لا أحد مستعد لمغادرة بيته الذي أقام به لمدة تفوق 20 سنة لأنهم ببساطة لا يتوفرون على أي مكان آخر يذهبون إليه في حال مغادرة منازلهم.
إلى ذلك، أكد مصدر أمني ل»الصباح» أن بعض السكان أوقفوا احترازيا في إجراء وقائي لمنع عمليات المصادمة التي يمكن أن تحدث مع قوات الأمن خلال عملية تنفيذ الأحكام القضائية، مضيفا أنه سيتم إطلاق سراحهم بعد إتمام العملية، فيما سيتم الاحتفاظ بشخصين في انتظار تعليمات النيابة العامة.
وفي سياق متصل، أكد مصدر من جمعية سكان حي المطار، أن معظم القاطنين موظفون نشطون ومتقاعدون كانوا يعملون بقطاعات الطيران المدني والأرصاد الجوية، منحت لهم هذه المنازل مقابل سومة كرائية، وأنهم حصلوا على موافقة تمليكها بتاريخ 25 أبريل 2001 خلال اجتماع عقد بإدارة الأملاك المخزنية، وأنجزت الملف التقني واستخرجت بإذن من الأملاك المخزنية الرسوم العقارية الجزئية من الرسم العقاري الأصل 1634/س، وبلغ عدد الرسوم العقارية 220 رسما عقاريا.
وأضاف المصدر ذاته أن اللجنة الإدارية للخبرة حددت ثمن التفويت النهائي بتاريخ 19 أبريل 2005، الذي تــــراوح ما بين 1600 درهــــــم و2000، درهم حسب موقع المسكن، وأتفق على إبرام عقود التفويت بشهر أكتوبر 2005، ليفاجؤوا بطلب إفراغهم بصفتهم، حسب تعبيرهم بـ»محتلين لمساكن وظيفية وبدون سند
إسماعيل روحي


تـعـنـيـف امـرأة حـامـل

الأطفال نظموا مسيرة تلقائية بعد أن عجز الكبار بسبب الحصار الأمني

واجهت زوجة أحد سكان المطار المعنيين بقرار الإفراغ الذي نفذته القوات العمومية بالحي الحسني، الموت بعد أن وجه إليها أحد عناصر قوات التدخل السريع ضربة في البطن وهي في شهرها السابع ما خلف ردة فعل قوية وسط سكان الحي الذين عاينوا عمليات هدم البيوت المعنية بقرار الإفراغ أمس (الأربعاء). وكادت ردود فعل السكان الغاضبة تؤجج الوضع، لولا تدخل بعض مسؤولي الأمن لاحتواء غضب المحتجين، بعد أن أججها مرؤوسوهم ممن كانوا يدفعون المواطنين بعنف ويوجهون أعقاب عصيهم إلى بطونهم وهم يدفعونهم، مخلفين لبعضهم إصابات، «خشا العصا في كرشي، قالك غير دفعني، هو را اعطاني بها حتى كرمني بلا ما يشوفو حتى واحد، أنا براسي ما عرفت الضربة منين جاتني»، تقول إحدى النساء، فيما تشير أخرى إلى أنها لم تتوقع يوما أن تنتقل إلى غزة، وهي في حي المطار، «حسيت براسي في غزة، غير قولي انتيا واش هاذي ما شي فلسطين»، في إشارة إلى الطوق الأمني الذي ضربته الأجهزة الأمنية على حي المطار من كل مداخله، إذ حاصرت أغلب أزقته وبثت الرعب في مواطنيه، بل لم تستثن كل الداخلين والخارجين منه، إذ حرص رجال الأمن، خاصة قوات التدخل السريع، أن يكون لكل واحد نصيبه من العنف النفسي على وجه الخصوص، والجسدي لمن اعتبر منهم «عاصيا».
وصفت إحدى محتجات حي المطار ما عاشته في وقت مبكر من صباح أمس (الأربعاء) ب»فيلم رعب»، «وصلوا، بدؤوا في رص صفوف قوات التدخل السريع، دخلت الجرافة، وكنت حينها متوجهة إلى الدكان، فعدت مسرعة إلى البيت لأتصل بزوجي الذي كان قد غادر البيت إلى العمل، وأيقظت شقيقته، وبعدها لاحظت أن الحركة دبت داخل الحي برمته، الكل مرتبك، يجرون في كل الاتجاهات، الذين خرجوا منهم من الحي رفضت الشرطة السماح لهم بالدخول، إلا بعد مرور حوالي ساعة ونصف، المهم بدأ الحصار وعلمنا أن قرار محكمة الاستنئاف لا قيمة له إذا ما تم إفراغنا بالفعل».بعد أن تجاوزت الساعة العاشرة صباحا بربع ساعة كان أطفال المدارس قد عادوا إلى بيوتهم ليكتشفوا أن المكان ما عاد كما تركوه في الصباح الباكر، بعضهم شرع في البكاء، وبعضهم الآخر استفسر وبعضهم الآخر نظم مسيرة احتجاجية تلقائية رددوا خلالها شعارات تندد بإجلائهم من بيوتهم، قبل أن يتدخل مسؤول أمني ويخاطبهم قائلا، «يا الله أولادي صافي…سيرو تلعبو…»، مختزلا الفجيعة التي عاشها سكان حي المطار والطريقة المرهبة التي تم بها إجلاء خمس أسر في «لعب»، رغم أن بعض هؤلاء الأطفال وهم يرددون شعاراتهم بتلقائية اغرورقت عيونهم دمعا ولم يكن الأمر بالنسبة إليهم مجرد حماسة أو لعبة، بل احتجاجا لم يستطع أغلب الكبار تنظيمه، خاصة بعد توقيف خمسة من مكتب جمعيتهم، والتهديد بإيقاف كل من يعصي أوامر «المخزن»، رغم أن عدد سيارات الأمن وقوات التدخل السريع والقوات المساعدة كان كافيا لإرهاب ليس فقط سكان حي المطار، بل حتى سكان الأحياء المجاروة لهم.
من جهته، اختار أحد قدماء المقاومين الذي جاء لمؤازرة ابنته، المقارنة بين ما يجري في مخيمات العيون وحي المطار، «هاذوك إيعطويهم البقع والديور وبطاقات الإنعاش، وهادو إريبو على باباهم الديور…آشمن بلاد هاذي…واش هادي هي البلاد اللي قاومنا عليها واعيطنا روسنا للموت؟؟».
فيما ذكرت امرأة أخرى بجملة الخروقات التي تعتري جميع المشاريع التي يشرف عليها صندوق التدبير والإيداع، «سينزعون الأرض منا ويفوتوها لأطرهم، فهذا ما فعلوه في عدة مشاريع، لم إذن لم يقبلوا أن يضمونا إلى جميع الذين سيستفيدون من المشروع السكني الذي سينجز على هذه الأرض ومكان بيوتنا؟ لم لن يكون لنا  استفادة، وقد بقي منا فقط حوالي 120 أسرة هنا، فلسنا مجرد محتلين، بل مكترين وسبق أن قدموا لنا وعدا بالبيع، بل إن السكان أنفقوا حوالي 70 مليون سنتيم لإجراء التهيئة للمكان، وعرضنا عليهم مبالغ أكثر من تلك التي استفاد بها الصندوق لشراء هذه الأرض، وفوق هذا وذاك ينكلون بنا ويذلوننا…»، قبل أن يقاطعها زوجها قائلا، «إذا هدموا بيوتنا سنعود إلى الأرض وننصب فيها خياما، ولن نخرج منها إلا جثثا».
أحد السكان المصابين بداء السرطان رفض أن تنقله عائلته إلى المصحة لإجراء حصة العلاج الكيماوي، خشية أن يعود من المصحة ويجد أمتعته وقد وضعت في شاحنات صندوق الإيداع والتدبير، إذ وقعت الأخيرة اتفاقا مع السلطات يقضي بنقلها على حسابها الخاص أمتعة السكان إلى مكان لم تحدده مصادر أمنية تحدثت إلى «الصباح»، مضيفة أن قرار الإفراغ جاء بعد أن استوفت الشركة جميع الحلول مع السكان، إذ قبل بعضهم التعويضات المعروضة عليهم والتي ناهزت 90 مليون سنتيم، ورفض البعض الآخر أي حل لا يكون فيه السكان مستفيدين من المشروع السكني الذي تعتزم الشركة إقامته في العقار.
ضحى زين الدين


ليلى تبكي ذكريات أربعين سنة هدمت في خمس دقائق

زوجة مهندس متقاعد تتابع الجرافة وهي تهدم منزلها في أرذل العمر

تقف ليلى، زوجة المهندس المتقاعد العزمي، الكاتب العام لجمعية سكان حي المطار، أمام ذكرياتها وهي تنهار حجرا حجرا، تذرف دمعة لكل ذكرى، الجرافة الجاحدة تضرب بقوة، تشعر ليلى بها تدخل قلبها، ذاكرتها، تجر أحشاءها إلى العراء. تلتف حولها نساء حي المطار، غير المعنيات صباح هذا اليوم بتنفيذ الإفراغ، يعرضن عليها المبيت في منازلهن وهن يعلمن أن الدور قد يكون عليهن صباح اليوم الموالي حين يصيح الديك في دار «شركة الإيداع والتدبير»، وعندما تصطف قوات التدخل السريع في دقائق الفجر الأولى، وتخرج في موكب سيارات ضخم نحو بيوت مواطنين، وتعيد مشاهد لا تقل وحشية عن تلك التي تمارسها قوات الاحتلال الإسرائيلي في غزة.
تقف زوجة المهندس، الذي خدم بلاده 40 سنة، وهو ينتظر أن تفوت إليه الأملاك المخزنية بيته/ذكرياته/حياته، كما سبق أن وعد، (تقف) بجلبابها الأسود، في يومها الأسود، تذرف دموعها بصمت، وحين تلح النساء في دعوتها إلى بيوتهن تجيبهن أن عليها أولا أن تعيش آخر لحظات عمر منزلها وحديقتها الصغيرة وشجيراتها التي غرستها بنفسها، وأن ترى بأم عينيها في أرذل العمر ملابسها داخل «كراطن» صندوق الإيداع والتدبير، وأدوات مطبخها وصالونها وتلفازها وكل تفاصيل حياة عاشتها في هذا البيت لحوالي أربعين سنة. تعيد النساء الباكيات العرض، فتجيبهن ليلى بفرنسية مختلطة بعربية، لأنها من أم فرنسية، «جيغي شي مون فيس… العيد هاذا»، وهو الثمرة الوحيدة التي نفعت من حياتها في هذا البيت، «لا أعرف إلى أين ينقلون أمتعتنا، المهم الآن زوجي الموقوف، سنه لا تحتمل أي مشاكل».
تضرب الجرافة المنزل بعنف، تسقط الجدران تباعا، وما هي إلا دقائق حتى كشفت السحابة البيضاء التي خلفها الغبار عن ساحة فارغة، لم يعد هناك بيت، ووحدها الذكريات تنساب في دموع ليلى، التي قررت أخيرا المغادرة، وهي تعرف أنها المرة الأخيرة التي ستطأ فيها قدماها الحي الذي أنجبت فيه أطفالها، والحي الذي كونت فيها حياتها. وقبل أن تغادر تسأل إن تحسنت صحة جارتها الألمانية طريحة الفراش، وهي زوجة مغربي أوقف هو الآخر في السادسة من صباح أمس (الأربعاء) رفقة جميع أعضاء مكتب جمعية سكان حي المطار، الرباني رئيس الجمعية والعزمي الكاتب العام وحداد وبغيديد وبادة، وكلهم معنيون في اليوم نفسه بقرار إفراغ بيوتهم وهدمها.
ض.ز

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق