fbpx
ربورتاج

دواء “إيباتيت سي” المغربي… كواليس وأسرار

أحدث ثورة في أسعار دواء الفيروس الكبدي بنسبة علاج خيالية وأثار مخارف المختبرات الأمريكية الكبرى

تشرع صيدليات المغرب، ابتداء من 10 دجنبر الجاري (اليوم العالمي لحقوق الإنسان)،في تسويق ” اس اس بي 400″،  أول دواء مغربي مائة في المائة لعلاج داء التهاب الكبد الفيروسي من نوع “سي” القاتل بنسبة شفاء تصل إلى 95 في المائة، بسعر “أقرب إلى الحلم” حدد في ثلاثة آلاف درهم للعلبة لمدة علاج لا تتجاوز ثلاثة أسابيع (ثلاث علب بـ9000 درهم)، بدل 80 مليون سنتيم، كما كان قبل سنة فقط.
“الدواء” الأول في تاريخ الصناعة الدوائية في المغرب، وراءه حكاية تـستحق أن تروى.

إنجاز: يوسف الساكت – تصوير: (عبد الحق خليفة)

كان عبد الله لحلو الفيلالي، رئيس مجموعة مختبرات “فارما خمسة” لصناعة وتطوير الأدوية، في رحلة عمل في الولايات المتحدة الأمريكية، حين تذكر أنه عليه أن يقتني علب دواء أوصاه بها قريب له يعاني داء التهاب الكبد الفيروسي المزمن، لكنه اكتشف أن قطف نجمة من السماء أسهل من الحصول على دواء لا يقترب سعره، فحسب، من 100 مليون سنتيم لمدة علاج تصل إلى 16 أسبوعا، بل لأن المختبر الحاصل على براءة اختراعه لا يوجد المغرب ضمن دائرة اهتمامه، ولا يرغب في تسويق منتجاته الدوائية به، أصلية كانت أو جـنيسة.

اجتماع تاريخي

فور عودته، دعا لحلو إلى اجتماع طارئ مع أطره وخبراء التطوير بمجموعته وأطلعهم على المخاطر التي تهدد آلاف المغاربة الحاملين للفيروس الكبدي المزمن من نوع “سي”، في ظل احتكار “دولة” لبراءة الاختراع والتحكم في توزيعها في العالم وفق أهداف تجارية محض، ومنع تحويل الأدوية الأصلية إلى جنيسة بأثمنة في متناول المرضى في أكثر من 100 دولة، ضمنها المغرب.
كان هذا الاجتماع، الذي وصفه إطار بـ”فارما5″ بالصادم، بمثابة صافرة إنذار لجميع خبراء المجموعة  للتحرك السريع لإيجاد “وصفة” لمأزق حقيقي، يهم 267 ألف مغربي مصابين بداء الكبد الفيروسي المزمن، ضمن حوالي 625 ألفا مصابا بدرجات متفاوتة، حسب آخر إحصائيات لمنظمة الصحة العالمية التي تحدثت عن انتشار المرض بنسبة ما بين 1.2 و1.9 في المائة من مجموع سكان المغرب.
توالت الاجتماعات بوتيرة أسرع، وبدأ التوتر والخوف يدبان في نفوس عدد من أطر المختبر الذين بدا لهم تطوير دواء جنيس وناجع يقضي على واحد من أكثر الأمراض فتكا بسكان العالم، حلما بعيد المنال. وفي كل مرة أحس فيه “الفريق” أن اليأس أقرب إليهم من حبل الوريد، كان يظهر أمامهم عبد الله لحلو، الرئيس، بالصلابة نفسها يحثهم على رفع التحدي وخوض المغامرة، وكسب رهان الدخول إلى التاريخ من أوسع أبوابه، إذ سيكتب “فارما5″ أول مختبر مغربي اكتشف مفاتيح صنع دواء جنيس لـ”إباتيت سي” في العالم العربي وإفريقيا.

أسرار “السوفوسبوفير”

انطلق العمل، وكانت البداية بالتفتيش في “أسرار” الاختراع السحري للمختبر الأمريكي الشهير “جلياد” الذي وضع يده في يناير 2014 على مادة تسمى “السوفوسبوفير” وجعلها أصلا لصنع دواء “ثوري” يقضي بنسب مهمة على التهاب الكبد الفيروسي من نوع “سي”.
وحاز الاختراع، الذي استغرق 10 سنوات من الأبحاث والاختبارات والتطوير والتجارب السريرية الناجحة، على شهادة هيأة الأغذية والأدوية الأمريكية التي وضعته ضمن خانة الجيل الجديد من مضادات الفيروسات، قبل إعطاء تصنيعه وتسويقه، لكن بأسعار خيالية (ما بين 45 مليونا و80 مليون سنتيم) في دول أمريكا وأوربا، ما أثار موجة احتجاج واستنكار عبرت عنها هيآت مدنية عالمية، اعتبرته أغلى دواء في تاريخ الصناعة الصيدلية في العالم.
أصداء الاحتجاجات في كل مكان، وصلت إلى أبواب المختبر الأمريكي، الذي قرر، في شتنبر 2014، التوقيع على اتفاقيات تراخيص حصرية لمختبرات دولية في الهند لإعادة تصنيع الدواء نفسه، لكن ضمن الأدوية الجنيسة، بهدف توسيع قاعدة الولوج إلى هذا العلاج لأثمنة مناسبة في دول بعينها، حددها الأمريكيون في 91 دولة، وإقصاء 100 دولة أخرى (حوالي 73 مليون مصاب)، ضمنها المغرب الذي حرم مرضاه من هذا الامتياز.
مريم لحلو الفيلالي، المديرة العامة لمجموعة “فارما5″، قالت لـ “الصباح” إن هذا الخبر نزل مثل دلو بارد على رأس المغاربة، وتحديدا وزارة الصحة، التي سارعت إلى استنكار هذا الإقصاء غير المبرر، وسارعت إلى مراسلة المختبر الأمريكي، بشكل رسمي، قصد إدراج اسم المغرب ضمن الدول المستفيدة من الصيغة الجنيسة لـ “السوفوسبوفير”.
وأكدت المديرة العامة أن الحسين الوردي، وزير الصحة، تبنى هذا الملف بقلبه وحواسه وأشعر أطر المجموعة أنه قضيته الأولى التي تستحق منه نضالا مستميتا لتأمين حق آلاف المرضى من الولوج إلى علاج في متناولهم يخفف عنهم آلام داء فتاك ويعطيهم أملا في الشفاء التام في مدة أقصاها شهر.
وصلت رسالة المغرب إلى المختبر الأمريكي الذي قرأ محتواها ورماها في أقرب سلة مهملات، معتبرا أن لائحة الدول المستفيدة من الدواء الجنيس أغلقت ولا يمكن فتحها من جديد تحت أي مبرر، حتى أن مسؤوليه لم يكلفوا أنفسهم عناء الرد على مراسلة رسمية وصلتهم من حكومة دولة.
أمام هذا الرفض، انتقلت وزارة الصحة إلى السرعة القصوى، وسعت بكل الوسائل لتمكين المرضى من الصيغة الجنيسة لدواء “السوفوسبوفير”، وإن اقتضى الأمر تصنيعه في المغرب، دون توقيع اتفاق، أو ترخيص حصري مع المختبر صاحب براءة الاختراع.
المهمة لم تكن سهلة، تقول مريم لحلو، مؤكدة أن الوقت كان يمر بسرعة ولم يمكن مسموحا بأي خطأ في التقدير، ناهيك أن مداولات في موضوع حساس كانت تلزم ضرب سياج من السرية كي لا تتسرب أي معلومة إلى الخارج، من شأنها وأد المشروع في المهد.

شرطان قلبا اللعبة
فتشت الوزارة، بتنسيق مع أطر وخبراء مجموعة “فارما خمسة”، في جميع الأوراق، ودرست كل الإمكانيات المتاحة لتحقيق هذا الهدف الوطني، حسب تعبير عبد الله لحلو، رئيس المجموعة، قبل أن يلوح في الأفق المفتاح السحري الذي لم يكن غير تضافر شرطين أساسيين لتحقيق الحلم:
أولا، مضي الآجال القانونية لإيداع براءة حماية دواء “السوفوسبوفير” في المغرب من قبل المختبر الأمريكي.
ثانيا، وجود مختبرات ومصانع مغربية، مثل “فارما خمسة”، ذات بنيات تحتية جيدة، وكفاءات عالية وإمكانيات مالية مهمة لرفع تحدي تطوير هذا الدواء في صيغته المحلية.
بدأت طلائع أمل تلوح في الأفق، وعاد الفريق الطبي والصيدلي “بفارما خمسة” لرص صفوفـــه من جديد، ووضع الترتيبات التقنية والدراسات الأولى في انتظار جواب نهائي وحاسم من الوزارة الوصية التي انكبت لجنتها الوطنية للترخيص بتسويــق الأدوية على الموضوع ودققــت جميـع جوانبه المسطرية والقانونية باستشــارة مع هيآت ومحامين لسد جميع الثقوب التي يمكن أن تتسرب منها المشاكل في ما بعد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى