ملف الصباح

رحلة الصيف والشتاء للبحث عن “قبر الحياة”

أغلب الأسر ترى في اقتنائه حلا لتفادي “صداع لكرا” والمستفيد الأول المنعشون والبنوك

يبحث المواطنون عن سكن اقتصادي يقيهم “صداع لكرا”، ويجنبهم المطالب الملحة لصاحب المحل الذي يطالبهم سنويا برفع السومة الكرائية تحت التهديد بالمتابعة القضائية

، والإفراغ، علما أن أغلبهم يخصص ربع راتبه للسكن، إذ يصبح تحت ضغط نفسي قبل نهاية كل شهر.
ومهما كان البحث عما يطلق عليه المغاربة بلغة عامية “قبر الحياة”، فإن سياسة السكن الاقتصادي أنعشت آمالهم في ملكية منزل يمنحهم نوعا من الاطمئنان على مستقبل أطفالهم، رغم أنهم متابعون شهريا بأداء الأقساط للبنوك.  
لكن العاصمة الرباط لم تعد تستجيب للطلب المتزايد على السكن الاقتصادي، لأن الوعاء العقاري، لم يعد متوفرا جراء الضغط الذي مورس، منذ منتصف تسعينات القرن الماضي إلى بداية الألفية الثالثة، ليصبح هذا النوع من السكن متاحا في تمارة وبوزنيقة، والصخيرات، وسلا على الخصوص.
 وإذا كان المواطن يسعى إلى أن يمتلك منزلا بمواصفات عصرية، عبر اقتناء الأرض وبناء نموذجه السكني الذي يحلم به، فإنه أمام ارتفاع سومة الأرض، جراء إعداد الحكومات المتعاقبة لبرامج السكن الاقتصادي، ومنح هذا القطاع للشركات العمومية والخاصة، فإنه سلم بامتلاكه شقة، في عمارة عالية الطوابق، وليس منزلا، وكأنه يقطن معلقا في الهواء، في مساحة ضيقة، إذ لم يعد المنزل يتسع للعائلة النووية الصغيرة، أشبه «بكيتوهات» ضيقة المساحة، مع مصارعة الزمن لأداء الأقساط والفوائد البنكية التي لا تنتهي بتنوع المنتجات الاستهلاكية الأساسية، وذلك في ما أصبح يتعرض له المغاربة، منذ أن نهجت الدولة سياسة منحت للمنعشين العقاريين، دورا فيها لا يسمح لأي مواطن بمطالبتهم بمراجعة السعر، ولا توسيع  المساحة.
وتحدث عدد من قاطني السكن الاقتصادي لـ «الصباح» منتقدين شركات عمومية وخاصة، لم تلتزم بما تعهدت به، إذ تبيع لهم الشقق، في
التصميم، وتفرض عليهم أداء تسبيق، وتضاعف السعر عبر الفوائد البنكية، والأدهى من ذلك أن الساكن الجديد، لشقته، يضطر في غضون ثلاثة أشهر كأبعد تقدير، التقدم بطلب رخصة إصلاح أرضية الشقة، لأن الرخام أو الزليج من النوع الرديء، وحنفيات المطبخ، وزجاج النوافذ، والأبواب كلها ضعيفة الجودة، والأعطاب، وكل شيء تقريبا يعاد إصلاحه، ما يعني إضافة 10 ملايين كلفة إضافية.
وحينما يوضع السؤال على صاحب الشركة «لماذا لم تلتزم بما هو منصوص عليه في عقد البيع؟، يكون الرد سلبيا، بأداء القسط الأخير، وتوقيع ورقة تسليم الشقة، بالتأكيد أنك تسلمتها بالمواصفات نفسها المدققة في عقد البيع، وإلا أضحت محل إعادة بيع لزبون آخر، مع نصيحة أنه يمكنك أن تضع شكاية، أو الذهاب إلى المحكمة، بعد توقيعك أنها شقة بالمواصفات العصرية المنصوص عليها في بنود العقد.
إن المنعشين العقاريين وإن اعتقدوا مع الدولة أنهم أحسنوا صنعا في تجميع الناس في سكن عمودي معلقين في الهواء، وحلوا إشكالية تمليك الشقق، فإنهم ساهموا في نشر البشاعة العمرانية، بالانقضاض على كل مساحة خضراء، وتحويلها إلى شجيرات صغيرة أمام بوابة العمارات، فيما المرافق العمومية الأخرى، لا توجد في الخريطة العمرانية، كما أن التنافس بين الشركات أسال لعاب المنتخبين في مجالس الجماعات والعمالات والأقاليم والجهات، لشراء الأراضي الفلاحية بثمن بخس، وهم يعرفون أنه في غضون سنتين، سيدخلون تلك المساحات من الأراضي الفلاحية إلى المدار الحضري، لبيعها للشركات العقارية بمضاعفة السعر، وهي بدورها تبيع بالسعر الأعلى وكل ذلك على حساب المواطنين.
ويظهر من الطريقة التي أنجزت بها هذه المشاريع السكنية غير الإنسانية، أن الهم الوحيد الذي يشغل بال فئة كبيرة من المنعشين الذين سهروا على بنائها هو توسيع هامش الربح، حتى ولو كان ذلك على حساب راحة المواطنين.
وبعد مرور 20 سنة على إطلاق برنامج 200 ألف سكن من قبل الملك الراحل الحسن الثاني، تحول حلم فئة عريضة من المستفيدين من السكن الاجتماعي والاقتصادي إلى كابوس مالي وسوسيولوجي، إذ أن مواصفات السكن الاقتصادي، من حيث المساحة كانت عمليا تتراوح بين 60 مترا مربا و100 متر مربع، والثمن الذي لا يتجاوز 20 مليون سنتيم للشقة، لتصبح اليوم في حدود 52 مترا مربعا في أغلب المشاريع حسب المدن.

 

لوبيات العقار

اشارت دراسة أنجزت من قبل مكتب “ماكنزي” حول هوامش ربح المنعشين العقاريين، إلى أن البعض منهم يربحون أزيد من 100 في المائة، جراء الاستفادة من الإعفاءات الضريبية، ومن أراضي الدولة بأسعار تفضيلية، إضافة إلى ضمانات للقروض البنكية.
وإذا كان الاعتقاد أن السكن الاقتصادي أفاد الطبقة المتوسطة، فإنه أنشأ لوبيات العقار الذين استفادوا من امتيازات ضريبية، وأراض شبه مجانية عبر تحصيل رخص الاستثناء، بتواطؤ بين المنتخبين المحليين وممثلي السلطة، والمنعشين العقاريين، ما أدى إلى تحويل ألف هكتار التي كانت مخصصة للمساحات الخضراء، والمرافق العمومية، من مدارس ومستوصفات وملاعب، وأسواق أسبوعية، وكذا مشاريع إنمائية سياحية على الخصوص، إلى عمارات.

أحمد الأرقام

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض