تحقيق

سلا… مدينة من صفيح

البراريك تتناسل متحدية برامج وزارة الإسكان

تتناسل «البراريك» بمدينة سلا  بشكل متواصل، متحدية كل البرامج الهادفة إلى القضاء على دور الصفيح بالمدينة التي أصبح اسمها يقترن بهذا الصنف من الأحياء،
بالنظر إلى التجمعات   «الصفيحية» الكبرى التي تضمها، والتي لا تتوفر فيها أدنى شروط الحياة الكريمة. ويعد فشل برنامج مدن

بدون صفيح
الذي كان يرمي إلى « تحرير» المدينة من هذه المعضلة أكبر مؤشر على الصعوبات التي تعترض الحكومة،
والسلطات المحلية في القضاء على هذه الظاهرة التي تخدش  صورة المدينة…

أدت الهجرات المتتالية من ضواحي سلا، ومن البوادي المتاخمة للمدينة، طيلة العقود السابقة إلى تنامي ظاهرة أحياء الصفيح بالمدينة. ولم يجد النازحون إلى المدينة بديلا آخر غير اقتناء «البراريك»،عوض محلات سكنية لائقة، بالنظر إلى إمكانياتهم المادية المحددة، وهشاشة وضعهم الاجتماعي، إذ أن خلق «براكة» أيسر لهم من كراء شقة، والمحصلة النهائية أنه طيلة العقود الأخيرة، تشكلت أحزمة الأحياء الصفيحية حول المدينة، التي انتشرت في كل مكان، في غياب أي مراقبة من طرف الجهات المسؤولة: الحكومة، بالدرجة الأولى، والسلطات المحلية.
لقد أدت سياسة غض الطرف إلى تنامي البناء العشوائي، والسكن غير اللائق، حتى أصبحت العنوان البارز لمدينة سلا، التي استقطبت في العقود الماضية أفواجا من المهاجرين من العالم القروي، ومن مناطق أخرى بحثا عن العمل، وشروط عيش أفضل. أدت  المدينة ثمنا باهظا بسبب هجرات متتالية بفعل الجفاف الذي ضرب المغرب في فترات معينة، وفي ظل العجز السكني الحاد، مما أدى إلى تفاقم الوضع، والنتيجة أن برنامج مدن بدون صفيح فشل في المدينة، وبحسب العديد من المسؤولين المحليين، فإن القضاء النهائي على ظاهرة أحياء الصفيح  بالمدينة يُعد أمرا صعبا للغاية، إن لم يكن مستحيلا.
ويؤكد نور الدين الأزرق، عمدة مدينة سلا، أن هناك إرادة قوية لدى الحكومة والمنتخبين للحد من انتشار دور الصفيح، لكنه أقر بوجود صعوبات تحول دون ذلك، ووصف أحياء الصفيح المنتشرة في سلا بأنها معضلة اجتماعية حقيقية، مشيرا إلى أنه جرى الحديث كثيرا حول القضاء على الظاهرة، لكن على مستوى الممارسة لم تتحقق النتائج المرجوة، وظلت المدينة تعاني المشكل ذاته.
وأقر الأزرق، في حديث إلى»الصباح»، أن القضاء النهائي على دور الصفيح بسلا  يُعتبر أمرا صعبا للغاية. وأكد أن العمل يجب أن ينطلق من البؤر الصغيرة عوض التركيز على الأحياء الصفيحية الكبرى. وعزا أسباب استمرار بعض التجمعات السكنية الصفيحية، على غرار سهب القائد، وهو أكبر تجمع صفيحي بالمدينة( أزيد من2000 براكة)،إلى صعوبات في تنفيذ برامج إعادة الإسكان. وفي الوقت الذي تمت إعادة إسكان نصف قاطني هذا الدور الصفيحي، تعثر تنفيذ البرنامج بالنسبة إلى النصف المتبقي، بسبب كلفة العقار المخصص لإعادة الإيواء الذي حُدد في 1200 درهم، عوض 500 درهم.  

أكبر تحد للحكومة
لم ينجح أحمد توفيق احجيرة، وزير الإسكان والتعمير والتنمية المجالية، في ما نجح فيه في عدد من المدن، أي أن يجعل سلا خالية من أحياء الصفيح، ورغم أنه تم الإعلان عن تنفيذ «برنامج بدون صفيح» بشأن سلا، في العديد من المرات، منذ 2007، إلا أن البرنامج كان « يتأجل» في كل مرة بسبب صعوبات في تطبيقه، فالمدينة، التي تضم أزيد من 8000 براكة تقطنها أسر تتكدس في «براريك» لا تسع الشخص الواحد، وأحرى عائلة بكاملها مكونة من خمسة، أوستة، أو سبعة أفراد، تعرف تزايدا مضطردا في عدد ساكني أحياء الصفيح، إلى درجة أن الحكومة استسلمت للأمر الواقع، وفضلت  الحديث عن تطبيق برنامج مدن بدون صفيح في مدن أخرى، وإرجاء تطبيقه في سلا إلى أجل غير مسمى. لكن من الخطأ تحميل الحكومة مسؤولية  الكارثة التي تجسدها معضلة أحياء الصفيح بسلا، إذ أن السلطات المحلية تتحمل القسط الأوفر من المسؤولية، بالنظر إلى سياسة غض الطرف، التي تنتهجها، إلى جانب انتشار الرشوة، وغياب إرادة حقيقية في التصدي للمعضلة. ولا يخفى أن سكان البراريك  ظلوا، دوما، يشكلون قوة انتخابية لبعض المسؤولين المحليين،الذين يوظفون أحياء الصفيح ورقة رابحة في الانتخابات.
في نونبر من عام 2009،  وتنفيذا للتعليمات الملكية السامية الرامية إلى توفير السكن اللائق لكل مواطن، وفي إطار البرنامج الحكومي مدن بدون صفيح، ترأس توفيق حجيرة، وزير الإسكان والتعمير والتنمية المجالية، بحضور عامل عمالة سلا، آنذاك، العلمي الزبادي   بمناسبة عيد الاستقلال، حفل توزيع مفاتيح 481 شقة بكلفة إجمالية تقدر بـ 94 مليون درهم، لفائدة قاطني أحياء الصفيح : سهب القائد وتابريكت الوسطى. وتندرج هذه العملية في إطار برنامج سلا بدون صفيح، والذي يهم 8134 أسرة بساكنة تقدر بـ 41 ألف نسمة قاطنة بمختلف أحياء الصفيح بسلا، وتبلغ تكلفة هذا البرنامج 722 مليون درهم.
وفتحت هذه المبادرة أبواب الأمل في سياق القضاء على دور الصفيح بالمدينة، إذ تم التأكيد، آنذاك، أن البرنامج قطع أشواطاً متقدمة،إذ بلغت نسبة البرامج المنجزة أو التي هي في طور الانجاز حوالي 85 في المائة، لفائدة 35 ألف نسمة.  لكن جذوة التفاؤل التي واكبت عمليات إعادة الإسكان في بعض أحياء الصفيح، في فترات مختلفة، خبت بفعل استمرار تناسل أحياء الصفيح بالمدينة ، التي شجعتها عوامل اجتماعية واقتصادية، إضافة إلى المضاربات في مجال العقار، والفساد المستشري في مجال البناء العشوائي والصفيحي، والذي يعد توظيف المال مقابل غض الطرف عن بناء «البراريك» أواقتنائها، من أبرز تجلياته.
انطلق برنامج مدن بدون صفيح قبل أزيد من ست سنوات (2004)، إذ سخرت له الحكومات المتعاقبة إمكانيات ووسائل مادية ضخمة. بالموازاة مع ذلك، وضعت الحكومة آليات تحفيزية لهدم “البراريك”، وتعويضها بالسكن اللائق، خاصة من خلال منتوج السكن المنخفض التكلفة ( 140 ألف درهم)، والذي يهدف إلى توسيع قاعدة التملك لفائدة الأسر ذات الدخل لمحدود، والتي لم تكن في السابق مستهدفة ببرامج تتماشى مع إمكانياتها الادخارية.
ويندرج السكن الاجتماعي (250ألف درهم)، في الإطار نفسه، إذ عرضت الدولة تحفيزات ضريبية لحث المنعشين العقاريين على الانخراط في هذا النوع من السكن، غير أن الحماس الذي واكب إنجاز مشاريع السكن الاجتماعي توقف خلال السنوات الثلاث الأخيرة، بفعل انصراف المنعشين عنه، بسبب كلفته وطبيعته غير المربحة بالنسبة إليهم. هذا المعطى دفع الحكومة إلى منح تحفيزات إضافية لإعطاء دفعة جديدة لهذا النوع من السكن، وهو ما تبين  خلال مناقشة الميزانية الفرعية للوزارة الوصية، إذ أعلنت الحكومة اعتماد مجموعة من التدابير التحفيزية في إطار قانون المالية لسنة 2010 بالنسبة إلى السكن الاجتماعي بتكلفة 250 ألف درهم، كما قامت بتنظيم حملات تحسيسية حول المنتوج لفائدة المنعشين العقاريين والموثقين. في السياق ذاته، تٌفيد الإحصائيات أن عدد الأشخاص الذين استفادوا من ضمانة «فوكاريم» تجاوز في متم شهر شتنبر الماضي 6843 أسرة.
وتشير الإحصائيات المتوفرة لدى وزارة الإسكان، إلى أنه إلى متم سنة 2010 ، بلغت نسبة  تقدم الأشغال المنجزة في إطار برنامج مدن بدون صفيح، 70 في المائة، حسب تصريح الوزير الوصي خلال تقديم حصيلة البرنامج، غير أن تنفيذ البرنامج يتباين، من حيث النجاح والفشل، من مدينة إلى أخرى، وتعتبر مدينة سلا، في صدارة المدن التي لم يحقق فيها البرنامج أي تقدم يُذكر.

قمة الأولويات
حظي موضوع السكن باهتمام بالغ في خطب جلالة الملك محمد السادس.  وكان جلالته أثار الانتباه إلى خطورة انتشار أحياء الصفيح  والبناء العشوائي في الخطاب السامي الذي ألقاه في 20 غشت 2001 . ودعا إلى اعتماد برنامج وطني تضامني للقضاء على هذا النوع من السكن. وشدد جلالته في خطابه بمناسبة افتتاح السنة الأولى من الولاية التشريعية السابعة للبرلمان بالرباط يوم الجمعة 11 أكتوبر 2002، على» أنه لا يمكن صيانة كرامة المواطن، إلا بتوفير السكن اللائق والتعجيل بتنفيذ البرنامج الوطني لمحاربة البناء العشوائي والقضاء على أحياء الصفيح».
اعتمدت سياسة الحكومة في مواجهة السكن العشوائي بكل أصنافه، على الحد من البناء العشوائي ودور الصفيح، من خلال معالجة الظاهرة، وتكثيف العرض.  
وللحد من بناء السكن العشوائي، استصدرت الحكومة دورية مشتركة لقطاع الداخلية، والعدل والإسكان، وجهتها إلى العمال والولاة ورؤساء البلديات والجماعات المحلية والوكالات الحضرية. وقررت الداخلية، في الفترة الأخيرة، أن تنزل بثقلها في ملف السكن، عبر مراقبة السكن العشوائي بعدما اتخذ  أحجاما ومستويات مقلقة.
«مدن بدون صفيح»

في إطار البرنامج الحكومي «مدن بدون صفيح»، الرامي إلى إنتاج 100 ألف وحدة سكنية سنويا، تم اتخاذ مجموعة من التدابير، منها على الخصوص، تعبئة الأرصدة العقارية التابعة للدولة، لفائدة السكن الاجتماعي. وسخرت لهذا العرض ما يقارب 4000 هكتار من الأراضي التابعة للأملاك المخزنية، إضافة إلى  2700 هكتار من أراضي الجموع.
واتخذت الحكومة إجراءات تهدف إلى تسهيل شروط  تملك مساكن، من بينها تسهيل شروط الحصول على القروض البنكية.    
وقامت الحكومة بإعداد مشروع للسكنى والتعمير، جمد في  المؤسسة التشريعية، في انتظار صدور مدونة شاملة للتعمير، التي ما يزال المتخصصون والمهتمون والمعنيون ينتظرون أن ترى النور.  وكانت الحكومة تراهن على هذا المشروع لمعالجة الاختلالات في  مجال البناء والسكن،التي سبق لأحمد توفيق احجيرة أن حددها في وثائق التعمير، والترخيص ، والإنجاز،   والمراقبة والزجر، إضافة إلى رخصة السكن.  
وفرض المشروع عقوبات حبسية لأول مرة في حق المخالفين للقانون في مجال البناء، إذ ينص على معاقبة كل من باشر عملية البناء دون أن يحصل على رخصة البناء بالحبس من ثلاثة أشهر إلى سنة واحدة، وبغرامة من 50 ألفا إلى 300 ألف درهم، أو بإحدى العقوبتين فقط. وينص أيضا على معاقبة رئيس المجلس الجماعي أو نائبه المفوض من لدنه، الذي يسلم رخصة للبناء دون التقيد بالمسطرة المنصوص عليها في النصوص القانونية.  لقد كان الهدف من إقرار هذا النص القانوني، الحد من « السيبة» التي كانت تطول مجال البناء والسكن، والتشجيع على البناء القانوني، والقضاء على البناء العشوائي، ودور الصفيح. لكن الحماس الذي رافق إعداد المشروع سرعان ما فتر، بعدما قررت الحكومة تجميد المشروع في انتظار صدور مدونة للتعمير.
إن برنامج مدن بدون صفيح واجه عدة إكراهات، من بينها الصعوبات التي واجهت مشاريع إعادة الإسكان، والارتجالية،  وعدم خضوع برامج إعادة الإسكان لرؤية واضحة ومضبوطة.
ومن بين العوامل التي شجعت على تناسل أحياء الصفيح بمدينة سلا، اعتبار هذه الأحياء ورقة انتخابية مربحة يوظفها المنتخبون المحليون للظفر بالأصوات الانتخابية، وهو ما يعني أن استمرار الظاهرة تخدم المصالح الانتخابية لهذه الفئة. ومن بين العوامل المشجعة على استمرار الظاهرة، أيضا، غياب المراقبة الزجرية.

هدم 50 ألف براكة سنويا

إن المقاربة التي اعتمدتها وزارة الإسكان والتعمير والتنمية المجالية، لمعالجة السكن غير اللائق، جعلت الأولوية تنصب على القضاء على السكن الصفيحي، غير أن الآفاق تبدو غير مشجعة بالنسبة إلى مدينة سلا، التي ما إن يتم القضاء على بؤرة من دور الصفيح في منطقة معينة من المدينة، إلا وتنتشر بؤر أخرى في مناطق أخرى، إذ تقوم أحياء صفيحية جديدة.
وبخصوص برنامج مدن بدون صفيح، تُظهر إحصائيات وزارة الإسكان أن عدد قاطني دور الصفيح المعنيين بالبرنامج يبلغ مليون و635 ألف نسمة. وتمت معالجة الأوضاع السكنية في إطار هذا البرنامج لحوالي 832 ألف نسمة.
ومكن تنفيذ  البرنامج، إلى حدود نهاية 2008 من هدم 127 ألفا و250 براكة، وجرى الإعلان عن 42 مدينة بدون صفيح، إلى متم شهر شتنبر الماضي، علما أن تطلعات وتوقعات الوزارة كانت أكبر من ذلك.  
وبخصوص التوقعات المتعلقة بسنة2011، تعتزم الوزارة الوصية مضاعفة الجهود لبلوغ وتيرة هدم  50 ألف براكة سنويا لإعلان 70 مدينة بدون صفيح خلال الفترة 2011 و2012.
ويستبعد الملاحظون وقاطنو مدينة سلا، أن تكون المدينة ضمن المدن التي سيقع الإعلان عنها على أنها خالية من دور الصفيح.
ويعتمد برنامج “مدن بدون صفيح”، الذي يعتبر أولية في برنامج عمل الوزارة، على مقاربة تشاورية مع الولاة وعمال الأقاليم والعمالات، ومع ورؤساء الجماعات المعنية. كما يجري اعتماده في إطار تعاقدي.  
ورغم أن الحكومة راهنت كثيرا على بناء المدن الجديدة، على غرار   “تامسنا” و”تامنصورت”، لاستيعاب الطلبات المتزايدة على السكن، والإسهام في معالجة السكن غير اللائق، وبالتالي، التخفيف من حدة الطلب على السكن، وتدبير ظاهرة “التدفق” الحضري، إلا أنه لا يبدو أن مشاريع المدن الجديدة، حققت هدفها، إلى حد الآن، في ظل استمرار انتشار  أحياء الصفيح، في العديد من المدن، في مقدمتها مدينة سلا.

جمال بورفيسي

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق
assabah

مجانى
عرض