الصباح السياسي

ضريف: نحن أمام دستور جديد

قال إن الخطاب الملكي الأخير يتضمن تصورا مغايرا لفلسفة الحكم

قال محمد ضريف إن الخطاب الملكي لـ 9مارس يتضمن تصورا جديدا لفلسفة الحكم في المغرب، يقطع مع فلسفة الحكم التي كانت سائدة قبل 9 مارس، والتي كانت تتأسس على احتكار الملك للسلطة.  ويضيف المحلل السياسي، أن الخطاب الملكي

الأخير فتح المجال لقيام سلطات فعلية، حكومية، تشريعية، وقضائية.  واعتبر  ضريف  في حوار
مع “الصباح” أن الإصلاح الدستوري المرتقب سيقود إلى دستور جديد. ودعا الأحزاب إلى أن تلعب دورها كاملا على مستوى مواكبة الإصلاح الدستوري، وتأطير المواطنين،
مؤكدا أنه يتعين عليها أن تُعيد النظر قي آليات اشتغالها وترقى إلى مستوى اللحظة التاريخية التي  يعيشها المغرب.   في ما يلي نص الحوار:

أعلن جلالة الملك في خطابه ليوم 9 مارس، عن تعديل دستوري يقوم على سبعة مرتكزات، كيف تقيمون المبادرة الملكية؟
بعيدا عن بعض القراءات الإسقاطية، التي تفضل الدخول في مزايدات، يمكن القول إن الخطاب الملكي أحدث قطيعة مع كل التجارب الدستورية السابقة التي عاشها المغرب منذ سنة 1962، وانتهاء بدستور 1996، لماذا أتحدث عن القطيعة؟ لأن ما هو أساسي، اليوم، هو أن الخطاب الملكي لـ 9مارس يتضمن تصورا جديدا لفلسفة الحكم في المغرب. في الدساتير السابقة كانت فلسفة الحكم تقوم على أن الملك هو الذي يعبر عن الإرادة الشعبية والمؤتمن، دينيا وتاريخيا، على مصالح البلاد، وهذا الوضع الاعتباري كان يمنح الملك صلاحية القيام بكل شيء.
كانت فلسفة الحكم قبل الخطاب الملكي الأخير تتأسس على أن الملك يحتكر السلطة، وكان الدستور ينبني على مبدأ وحدة السلطة التي يحتكرها الملك، ولم يكن الدستور يتأسس على فكرة السلطات الثلاث: التنفيذية، والتشريعية، والقضائية، وبالتالي، لم يكن ممكنا الحديث عن سلطات ثلاث، بقدر ما كان الحديث عن وظائف، وهي وظائف كانت تشتغل انطلاقا من مبدأ التفويض، وليس التفويت، بمعنى أن الحكومة والبرلمان، والقضاء، كانت تمارس مهامها انطلاقا من تفويض من الملك، في حين أن خطاب 9 مارس قطع مع فلسفة الحكم هاته، إذ أصبح الملك يتحدث عن مبدأ فصل السلطات،  باعتباره يشكل المرتكز الرابع لتعديل الدستور، وهذه مسألة أساسية. هذه أول مرة يمكن القول إن الدستور المغربي يعترف بوجود سلطة قضائية، ويُقر بوجود سلطة تنفيذية فعلية يقودها الوزير الأول الذي ستتعزز مكانته، في إطار الإصلاح الدستوري الجديد.
إن الإصلاح المرتقب سيحدث قطيعة مع مبدأ التفويض، في مقابل الحديث عن التفويت. وحينما تحدث الملك عن  حكومة منتخبة بانبثاقها عن الإرادة الشعبية، أعتقد أن ذلك يؤشر إلى تحول عميق سيطال فلسفة الحكم في البلاد، وهو ما يمكن اعتباره ، في حد ذاته، ثورة دستورية تؤسس لنظام حكم جديد في إطار الملكية المغربية.
طبعا، لا نريد الدخول في التفاصيل، لأن المرتكزات السبعة، وإن كانت تعتبر إعلان مبادئ، إلا أنها تتضمن تفاصيل مهمة لا يمكن أن تكون متضمنة بالضرورة في الدستور، على اعتبار أنه ستصدر المراسيم والنصوص التطبيقية التي ستترجم روح الخطوط العريضة للدستور الجديد.

هل الأمر يتعلق بإصلاح دستوري أم أن المغرب مقبل على دستور جديد؟
لا يمكن الحديث عن مجرد تعديل دستوري، بل نحن أمام دستور جديد يؤسس لمرحلة جديدة.عندما أشرت في البداية إلى ضرورة التخلي عن منطق المزايدات، فلأنني كنت حريصا على أنه لا ينبغي أن نقيد أنفسنا بنموذج نظري محدد لتطبيقه حتى يقال إن المغرب بلد ديمقراطي.
هناك من لا يرى في الديمقراطية سوى اعتماد صيغة الملكية البرلمانية، وأعتقد أن الأنظمة السياسية، حتى في الغرب،  تختلف أشكالها، والأساسي في كل ديمقراطية، أن  روح الديمقراطية تتجسد في مستويين، الأول وجود دستور ديمقراطي  يرتكز على مبدأين، الأول فصل السلطات، وهذا الأمر أصبح محسوما فيه وفق فلسفة الحكم الجديد كما هو مجسد في الخطاب الملكي الأخير، والثاني، يتعلق بمبدأ سمو الدستور، وهذه مسألة أساسية. في الدساتير السابقة كان من الصعب الحديث عن سمو الدساتير، بل كان الحديث عن سمو المؤسسة الملكية، ولكن الملك حينما تحدث، في خطابه الأخير، أشار إلى المرتكز الثاني، الذي بتحدث عن ترسيخ دولة الحق والمؤسسات.
المستوى الثاني لروح الديمقراطية هو أن تكون ممارسة السلطة مرتبطة بالمراقبة والمحاسبة، وهو ما أشار إليه الخطاب الملكي بالنسبة إلى المرتكز السادس، حينما تحدث عن ربط ممارسة السلطة والمسؤولية العمومية بالمراقبة والمحاسبة. ثم إننا حينما نتحدث عن   أن السلطة تمارس انطلاقا من صناديق الاقتراع، هناك من سيقول إن الملك ليس منتخبا، ولكن نحن نتحدث عن خصوصية، إذ لا يمكن لأي عاقل أن  يدعي أن الخصوصيات الثقافية للمغرب هي نفسها القائمة في إسبانيا أو بريطانيا، لذلك، فالملك، وهذا ما يقتضيه الوضع الراهن في المغرب، ينبغي أن يحتفظ بصلاحياته الدينية، باعتباره أميرا للمؤمنين، لأن دين المغرب، في جميع الأحوال،    هو الإسلام، وحينما يطرح الفصل 19 للنقاش هناك من يطالب الملك بإلغائه على أساس أنه يمنح له صلاحيات واسعة، رغم أن  الحقيقة هي أن مقتضيات هذا الفصل تمنح للملك وضعا اعتباريا رمزيا، وهو وضع نجد له تماثلا في كل دساتير الدول الديمقراطية، ففي جميع هذه الدساتير هناك فصول مشابهة للفصل 19 عندنا، إذ تعتبر الرئيس أو الملك الضامن لوحدة البلاد، والممثل الأسمى للشعب، وعلينا أن نرجع إلى الدستور الفرنسي المعمول به لنتأكد  من ذلك. الإشكال، إذن، لا يطرحه الفصل 19، بقدر ما تطرحه فصول أخرى، وهي الفصول التي ستخضع للتعديل، في إطار الدستور الجديد.
من جهة أخرى، هناك من يطرح الكيفية التي سيتم بها إعداد الدستور الجديد. السائد لدى البعض عندنا أن تعيين لجنة لهذا الغرض، يذكرنا بالدساتير الممنوحة، وأن الطريقة الوحيدة الممكنة هي انتخاب مجلس تأسيسي.
في الفقه الدستوري، بالنسبة إلى وضع الدستور، هناك طريقتان، الأولى تقتضي انتخاب مجلس تأسيسي من الشعب، تناط به مهمة وضع دستور يصبح ملزما للشعب بمجرد الانتهاء من إعداده، والطريقة الثانية تستلزم تشكيل لجنة تناط بها مهمة إعداد مشروع دستور، وليس دستورا، والفرق واضح، ولا يصبح ملزما إلا إذا عُرض على الاستفتاء، وهذه طريقة ديمقراطية لوضع الدساتير، ودستور الجمهورية الخامسة المعمول به في فرنسا منذ 1958 تم إعداده بهذه الطريقة، من هنا أعتقد أن الطريقة التي نهجتها الدولة في إعداد الدستور الجديد هي طريقة ديمقراطية.
وعوض أن يقع التركيز على انتقاد الطريقة، ينبغي الانكباب على المضمون. نحن أمام إعلان مبادئ، والكل مقتنع أن اللجنة ستلتزم بالمرتكزات السبعة المشار إليها في الخطاب الملكي، دون إغفال أن الملك منح لها صلاحية الاجتهاد، وعليها أن تستوعب التحولات الجارية لوضع دستور يستجيب، في العمق، لمطالب وتطلعات وانتظارات فئات الشعب المغربي، لتكريس نظام ديمقراطي.
من جهة أخرى، أعتقد أن الملك كان أمام خيارين، الأول يقضي بالإبقاء على الملكية التنفيذية، أو التحول إلى الملكية البرلمانية، والخيار الثاني لم يحن زمن تطبيقه لغياب دعائمه، فنحن إذن أمام صيغة ثالثة توفق بين الملكية والديمقراطية، وهي صيغة إقامة ملكية متوازنة تقتسم فيها الصلاحيات بين الملك، الذي سيحافظ على سلطته الدينية كاملة ، إضافة إلى سلطته السياسية، باعتباره حكما إيجابيا، له سلطة التدخل للحفاظ على التوازنات، ودفع كل الفاعلين السياسيين إلى احترام قواعد اللعبة المتوافق حولها، وبين حكومة تمثيلية منبثقة من الأغلبية البرلمانية.

ما هو الدور الذي أصبح للأحزاب، الآن، بعد إعلان جلالة الملك التعديل الدستوري، وهي التي كانت تحضر لصياغة تصوراتها في الموضوع؟  
يتعين على الأحزاب أن تلعب دورها كاملا، إذ أن الطريق أصبحت سالكة لتنظيم انتخابات في أجواء التنافس الحقيقي، وهنا لا بد أن نستحضر المرتكز الخامس للتعديل الدستوري، الذي يتحدث عن تعزيز الآليات الدستورية لتأطير المواطنين، بتقوية دور الأحزاب السياسية، في نطاق تعددية حقيقية. الآن، لا يكفي الحديث عن الإصلاح المؤسساتي العميق عبر وضع دستور جديد، بل ينبغي التركيز على الإجراءات المواكبة للإصلاح، وينبغي أن نبدأ بذلك منذ اليوم،إذ يتعين على الأحزاب أن تعيد النظر قي آليات اشتغالها وترقى إلى مستوى اللحظة التاريخية التي  يعيشها المغرب.

أجرى الحوار: جمال بورفيسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق