fbpx
ربورتاج

أولاد بورحمون…”نيل” المغرب

أحواض مائية تنتج 120 ألف طن من أسماك البلطي و الشبوط المخصصة لتنقية قنوات الري والسدود 

انضمت جهة تادلة أزيلال، منذ ثماني سنوات، إلى سلسلة حاضنات الأسماك البرية عبر محطة “أسماك النيل” بأولاد بورحمون بسوق السبت التي تعد الأكبر مساحة بالمغرب (حوالي 147 هكتارا) موزعة على أكثر من 26 حوضا مائيا (7 آلاف متر مكعب للواحد) وتنتج سنويا 120 طنا من أسماك “البلطي النيلي الأحمر” و”البلطي النيلي الأزرق”، الموجهة إلى الاستهلاك، ثم أسماك “الشبوط العاشب” و”الشبوط الصيني الفضي” التي تتغذى على الطحالب المجهرية بقنوات الري والسدود.

 المشروع كلف غلافا استثماريا يصل إلى مليارين ونصف المليار، ويشغل عدد كبيرا من اليد العاملة أغلبهم من أبناء المنطقة.

الجو قائظ في الجمعة ما قبل الأخيرة من رمضان. نعبر حدود الفقيه بن صالح من الطريق الوطنية 11 الرابطة بين البيضاء وبني ملال، ونعرج يسارا، حيث تلوح وسط السراب مدينة سوق السبت التي تنام بين هضبات صغيرة شديدة الحرارة ترتفع عن سطح البحر بأكثر من 400 متر.

المكان شبه مقطوع من الاتجاهين، باستثناء بعض شاحنات محملة بالفواكه الصيفية حزمات البصل وأخرى تحمل  قوالب من التبن تعبر ببطء، غير بعيد عن مجموعة أطفال بسراويل قصيرة، حولوا بركة متجمعة من قناة منفجرة إلى مسبح صغير يتعلمون فيه فنون السباحة، غير مبالين بتحذيرات عنصر من القوات المساعدة يلف عنقه بـ”فوطة مبللة”.

“كوبانية الحوت”

نخترق الشارع الرئيسي لسوق السبت، ونعرج يسارا في اتجاه جماعة أولاد بورحمون، حيث لا نتعب في العثور على من يدلنا على “كوبانية الحوت”، وأقرب الطرق والمسالك للوصول إلى “شركة أسماك النيل لتربية الأسماك” التي تدير منذ 2008 مشروعا لاستزراع والتوليد الاصطناعي لأسماء “تيلابيا”، أو أسماء البلطي النيلي (نسبة إلى نهر النيل)، وهو سمك ذو أصول إفريقية اشتهر في مزارع أمريكا الجنوبية وأضحى اليوم من أكثر أنواع أسماك المياه العذبة استهلاكا في العالم، بسبب خصائصه الغذائية الغنية وطريقة تحضيره السهلة، وخلوه من الأشواك.

إلى جانب أسماك “البلطي النيلي” الموجه إلى الاستهلاك وينافس، في عدد من الجهات، الأسماك البحرية، تنتج شركة “أسماك النيل” مئات الأطنان، سنويا، من أسماك “الشبوط الفضي” و”الشبوط العاشب”، وهما نوعان من الأسماك من بين أنواع كثيرة من الفرخ والفرخ الأسود التي تقتنى بكميات كبيرة، وترمى وسط مياه الري والسدود والأحواض المائية لتنقيتها من الطحالب وبعض الأعشاب المائية والحشرات الصغيرة التي تساهم في تخاصب المياه والتأثير، بالتالي، على جودتها وتدفقها.

من تزنيت إلى بورحمون

أمام الباب الحديدي لضيعة “أسماك  النيل” المترامية الأطراف، يحثنا الحاج صالح، المدير العام للشركة (رجل عصامي يتحدر من ضواحي تيزنيت) على الدخول اتقاء لضربة شمس. ندخل قاعة مكيفة مجاورة لمكتبه، ونتنفس الصعداء.

– كيف يمكن أن تعيش أسماك في هذه الحرارة المفرطة؟

أطرح السؤال على المدير العام وأنا أحاول أن أتخلص من بقايا عرق متدفق على جبيني.

يناولني الحاج صالح علبة مناديل ورقية ويجيب: “بعدا ما كايناش شي حرارة اليوم بزاف، أما الأسماك لي كنربويو ما يمكنش تعيش إلا في هذه الأجواء الدافئة التي تساعدها على النمو وتحسين المنظومة البيولوجية ديالها باستمرار، والدليل على ذلك، أنه في فصل الخريف والشتاء، نحمل هذه الأسماك للعيش في سقوف من البلاستيك”.

من خلف الزجاج، تظهر الطلائع الأولى من العمال الذين يعتمرون قبعات كبيرة ويحملون شباكا، وهم يتجهون لتنقية أحواض الأسماك من الطحالب والطفيليات، أو لإعطائها حصتها اليومية من الطعام.

وفي الجهة الأخرى، ينهمك خمسة شباب في خدمة الزبناء في نقطة للبيع وضعتها الشركة رهن إشارة بعض المسافرين من وإلى بني ملال عبر طريق أولاد بورحمون لأخذ حصتهم من أسماك طازجة تنقل حية “كتركل” من صهريج ماء عذب وتوجه مباشرة إلى التقشير والتقطيع، حسب رغبة الزبون.

يجول الحاج صالح بعينيه في أطراف المكان، كأنه يراه لأول مرة:

– هذا المكان كان قبل ثماني سنوات، عبارة عن ضاية كبيرة من الماء الآسن تعوم وسطها قطعان من الثعابين، ولا أحد كان يجرؤ على الاقتراب منها..أنظر الآن كيف اختفت هذه الثعابين وحلت محلها كائنات جميلة تسبح في الماء العذب وتوفر أنواعا من السمك الطري والجيد إلى سكان المنطقة المحرومين من أكل الأسماك الطازجة.

فكرة على متن طائرة

كانت فكرة حفر أحواض مائية كبيرة لاستزراع وتوليد الأسماك في عمق بني ملال الملتهب فكرة مجنونة بالنسبة إلى صاحب المشروع نفسه، وبدت له كذلك منذ أن سمع بها أول مرة من مسؤول في منظمة التغذية العالمية جمعهما صدفة السفر المشترك عبر رحلة إلى فرنسا ذات صيف من 1993، وحدثه بدراية واطلاع كبيرين عن أهمية قطاع تربية الأسماك في المياه العذبة وانعكاساته المباشرة على تنشيط دورة الإنتاج الاقتصادي وحماة التنوع البيلولوجي المائي.

منذ ذلك الحين، لم تفارق فكرة شق بحر في ضواحي بني ملال مخيلة الرجل وتحول الأمر إلى هاجس حقيقي حمله معه في جولته ولقاءاته ونقاشاته مع العملاء والزبناء في المغرب وخارجه إلى أن عثر، يوما، على “صاحب حاجته”، الذي لم يكن سوى أحد الخبراء القلائل في المغرب المتخصصين في الأحياء المائية وإنتاجها ونظم حمايتها، وهو مسؤول في الوقت نفسه في مديرية المياه والغابات، الذي وضعه في أول الطريق لتحويل حلم رافقه 13 سنة إلى واقع.

كانت البداية البحث عن قطعة أرضية شاسعة بمواصفات بيئية وجيولوجية خاصة لإقامة سلسلة من الأحواض المائية، وأول خاصية أن تكون هذه الأرض خصبة وتتوفر على فرشة مائية مهمة، تساعد على إنتاج غزير لهذه المادة الحيوية، والخاصية الثانية أن تكون بعيدة نسبيا عن المدينة وقابلة لبرنامج للاستصلاح، فاستقر التفكير على اقتناء هذه “البركة المائية” الكبيرة بمنطقة أولاد بورحمون لإقامة المشروع عليها، رغم ما تطلبه ذلك من جهد واستثمار ضخم لتهييئها.

الأرض أولا

يقول ربيع سويلم، المدير التقني بالشركة، وهو أحد شباب المنطقة الذي تلقى سلسلة تكوينات في علم تربية الأحياء المائية، إن العثور على هذه البقعة الأرضية كان بمثابة مفتاح لنجاح المشروع برمته، مؤكدا أن هذا النوع من الأحياء المائية يتطلب منظومة بيولوجية وبيئية، خاصة جدا تساعده على النمو والتكاثر والتكيف السريع، ناهيك عن وجود فرشة مائية غنية توفر آلاف الأمتار المكعبة من المياه العذبة سنويا، عبر شق عدد من الآبار.

وقال سويلم إن المشروع تطلب سنة ونصف السنة من الدراسات والإعداد الجيد ودراسة السوق، وتهييء مجموعة من الوثائق والتراخيص المسلمة من قطاعات حكومية معنية بمشاريع تربية الأحياء المائية القروية.

وأوضح سويلم أن التحدي الكبير الذي كان يواجه المشروع، هو عدم تكرار التجارب السابقة والموجودة في تربية الأسماك اعتمادا على الأنواع المعروفة مثل الشابل، والتروتة القزحية والتروتة فاريو والفرخ الأسود والعادي وبعض السلونيات بمنطقة راس الماء، ثم سمك الكمبوزيا المعروف بالتهامه الناموس المتجمع فوق سطح قنوات الري والسدود.

وقال إن التفكير انصب، أثناء إعداد المشروع وبعد استشارة عدد من المتخصصين، على جلب سمك “تيلابيا”، أو ما يعرف بأسماك البلطي النيلي (نسبة إلى نهر النيل) بنوعيه الأزرق والأحمر، لما يتميز به هذا النوع من خصائص غذائية مهمة مثل البروتين والفسفور وفيتامين ب3 والسيلينيوم والأوميكا 3، إضافة إلى خلوه تقريبا من الكوليسترول والأملاح.

ولم يكن استيراد هذا النوع من السمك بالأمر الهين، إذ واجهت الشركة، في بدايتها، عددا من المشاكل مع الجهات المعنية، خصوصا وزارة البيئة ومديرية المياه والغابات، التي تحفظت من إدخال البلطي إلى المغرب خوفا من تأثيره على المنظومة البيولوجية للأحياء المائية بالمغرب وإحداث تغييرات بها. وقال سويلم إن فريق العمل اصطدم بمعارضة شديدة، قبل الاتفاق على صياغة دفتر تحملات دقيق، من أهم شروطه تربية واستزراع وتوليد هذا النوع من السمك في مسار مغلق ومعزول عن الكائنات المائية الأخرى، وهو ما التزمت به الشركة طيلة ثماني سنوات.

بعد تجاوز هذه العقبة، شرعت الشركة في البحث عن أفضل العروض لجلب الفراخ الأولى من أسماك البلطي من الخارج، فكان هناك خياران أمام المسؤولين، إما جلب هذه الكميات (حوالي 50 ألف وحدة) من مصر، وهناك يمكن أن تبرز مشاكل التلوث التي يعانيها نهر النيل، أو التوجه إلى دولة أوربية مثل هولندا متخصصة في توفير حاضنات لهذا النوع من الأسماك بجودة عالية، فاستقر الأمر على الخيار الثاني.

هولندا على الخط

بدأت الإجراءات المعقدة لتحويل 50 ألف فرخ صغير لأسماك البلطي عبر الطائرة من هولندا محملة في أكياس خاصة، بموازاة انطلاق العد العكسي لتهييء الأحواض والحاضنات الصغيرة وتوفير المواد الغذائية وبنية للتوالد الاصطناعي وفق أحدث الطرق العلمية في هذا المجال.

وصلت البضاعة، بعد تخليصها بصعوبة من الجمارك، وشرع العمال والمتخصصون في وضعها في الأحواض المائية وتهييء ظروف توالدها الداخلي في مسار مغلق كما جرى الاتفاق على ذلك، ولم تمر إلا شهور حتى بدأت “الغلة” تعطي ثمارها.

عمليات الإنتاج الداخلي اقتضت بناء مختبر للتوليد الاصطناعي تحمل إليه، في أوقات معينة من السنة، الفحول التي تجمع من الأحواض وتوضع في أحواض بلاستيكية، خاصة من أجل المراقبة، قبل تلقيحها لتحفيزها على التبييض. تحمل الفحول وتوضع في أوان كبيرة بها ماء عذب متحرك، وهنا يجري تخديرها بالماء المخلوط بالقرنفل، ما يسمح بعصرها لاستخلاص البويضات والحيوانات المنوية من أجل التخصيب. وبعد مرور 30 يوما تفرخ البويضات ويحمل الصغار إلى الأحواض لاستكمال النمو.

تسفر هذه العمليات، في أبريل من كل سنة، عن تفريخ عدد كبير من أسماك البلطي التي توجه إلى البيع، سواء محليا عن طريق نقطة البيع الموجودة بالشركة نفسها، أو توجه إلى مخازن الفضاءات التجارية الكبرى، بعد التوصل بطلبيات محددة.

إعداد: يوسف الساكت – تصوير: (عبد المجيد بزيوات)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى