fbpx
تحقيق

تعاونية النرجس بإفران… مشروع سكني في قفص الاتهام

منخرطون لجؤوا إلى المحكمة لإنصافهم ورفعوا شعارات “ارحل” في وجه مكتب التعاونية

عكرت خروقات شابت التعاونية السكنية النرجس بإفران، صفو هذه المدينة الجميلة المبتلية باحتجاجات غير مسبوقة رفعت من درجة حرارتها، مذوبة صقيع هدوئها الموحش في شتاء بارد لم يمنع مستفيدين من المشروع، من الجهر بصيحات أصوات مبحوحة أناها الانتظار، في وقفات احتجاجية قبالة العمالة، توجت بحوار يروم امتصاص الغضب، وربح الوقت إلى حين بت القضاء في الملف.

حميد الأبيض (فاس)

الغاضبون خلقوا الاستثناء في مدينة هادئة نادرا ما تحضن أو تقبل باحتجاجات سكانها. رفعوا شعار «ارحل» في وجه مسؤولي تعاونية فاحت رائحة اختلالاتها من بعيد.
أما المغضوب عليهم، فحاولوا عبثا صد موجة الاستنكار بتوضيحات قد لا تنفع في شيء، في انتظار بت قضائي في النزاع المعروض في ملف جنحي ضبطي عاد، في ثاني جلسة تلتئم بابتدائية أزرو يوم 5 يناير الجاري.

اختلالات مالية وإدارية
حركت اختلالات هذه التعاونية السكنية المؤكدة بخبرات مدققة لحساباتها منجزة من قبل مختصين، سهام طرفيها اللذين تراشقا برماح الاتهامات في ما بينهما في معركة حامية الوطيس، ما زالت مستمرة ونشر غسيلها إعلاميا، دون أن تضع أوزارها في انتظار قرار القضاء فيها، رغم تدخل السلطات الإقليمية لإنقاذ ما يمكن إنقاذه قبل فوات الأوان.
موجة الغضب طالت شطري المشروع، وأرغمت محمد بنريباك، عامل الإقليم، على فتح حوار مباشر مع الغاضبين، قبل إتمام فصوله بمقر العمالة، سعيا لتهدئة الأوضاع، والحيلولة دون تطورها إلى ما لا تحمد عقباه، خاصة في ظل الغليان الشعبي ضد إقصاء بعض الموظفين والمستخدمين، واختلال التدبير المالي والإداري لهذه التعاونية التي تأسست قبل 16 سنة لتوفير مسكن لمنخرطيها.
شرارة الغضب تأججت منذ خمس سنوات، لما تقدم ستة منخرطين بالتعاونية، غالبيتهم نساء، ولهم دراية كبيرة بالحسابات، بشكاية إلى وكيل الملك بمكناس، ومندوبة مكتب تنمية التعاون، والمندوبية الإقليمية للإسكان والتعمير والتنمية المجالية بإفران، اتهموا فيها مكتبها المسير، بالنصب والاحتيال واختلاس أموال المتعاونين، وإساءة التصرف فيها، وفتح فيها تحقيق أفضى إلى إحالة الملف على القضاء.
وقبل ذلك، وقفت لجنة من ممثلي الإدارات العمومية، على خروقات كثيرة همت عدم توفر مكتب التعاونية على سجلات خاصة بها، وعدم إمساك سجلات المحاضر، وعدم استدعائه ممثلي الإدارات لاجتماعاته، وخرق شروط قبول العضوية وعدم تمكين التعاونين من محاضر وسندات ملكيتهم للحصص المسلمة، وانعدام الفواتير المثبتة لصرف مبالغ مالية وإجراء عمليات سحب مشبوهة لأخرى.
وانتبهت اللجنة لعدم وضوح الوضعية المالية للتعاونية، وعدم تحديد الكلفة الحقيقية للشقق مراعاة لمساحتها، وصعوبة تبيان الوضعية المالية لكل عضو، مؤكدة في تقريرها، «أداء أموال هامة للمقاول، دون التزامه باحترام دفتر التحملات أو إنهاء الأشغال المتفق عليها وفسخ عقد البناء المبرم في ظروف مشبوهة في إطار صفقة للتنازل عن دعواه ضد التعاونية في ملف مدني أمام ابتدائية مكناس».

الخبرة تؤكد الخروقات
اقترحت اللجنة عدة تدابير لتجاوز تلك الاختلالات على التعاونية المتوفرة على مراقب حسابات غير مقيد بجدول هيأة الخبراء، لكن دون جدوى، ما دفع المنخرطين إلى عقد جمع عام اتفقوا فيه على تعيين الخبير عبد الرحيم تادة، لإنجاز تدقيق لحسابات التعاونية بين يوليوز 2004 و2007، ووقف في تقريره على خروقات خطيرة مست أموال المنخرطين، وعدم إنجاز جرد دقيق للحسابات.
ولاحظ الخبير أن وثائق التعاونية أنجزت متأخرة، ومؤشر عليها بدون توقيع، وعدم توفرها على سجلي الأعضاء ومحاضر الاجتماعات، وتحاشي عقد الجمع العام العادي، وعدم تعيين مدقق الحسابات في الأجل القانوني، مؤكدا أن”عدة وثائق محاسبية غير مقبولة من الناحية الضريبية”، و”وثائق أخرى غير متوفرة” و”المصاريف الخاصة بها مبررة باعترافات بدل فواتير”.
هذه الخروقات، أكدها أيضا الخبير عبد الحي الكوهن، المكلف بإنجاز خبرة أوكلت إليه في إطار ملف استعجالي، واستند إليها تعزيزا لشكاية الأعضاء إلى وكيل الملك، بعد استنفادهم كل الأشكال السلمية بما فيها مراسلة الرئيس، قبل إحالتها على الضابطة القضائية التي استمعت إلى المشتكين والرئيس وأمينة المال والكاتبة العامة، ونائبة الرئيس التي لم يتابعها قاضي التحقيق بابتدائية أزرو.
المسؤول القضائي تابع رئيس التعاونية وأمينة المال في حالة سراح مؤقت، بجنحتي”خيانة الأمانة واستخدام أعضاء مجلس الإدارة والمديرين سلطتهم استخداما ينافي مصلحة التعاونية”، فيما أسقط”خيانة الأمانة” عن الكاتبة العامة التي توبعت بالجنحة الثانية فقط أمام ابتدائية أزرو التي تبت في ملفهم اليوم (الاثنين)، بعد تأجيل ذلك قبل أسبوع، لتمكين الطرف المدني من إعداد دفاعه.
وموازاة مع محاكمتهم، اندلعت شرارة الغضب على المشروع في شطريه، في وقفات احتجاجية أججتها محاولة”الركوب السياسي” على هذا الملف لغايات غير بريئة، ما تصدى له شباب المدينة غير الراضي على”مزاجية” أعضاء هدفهم خدمة أجندتهم السياسية على حساب غبن الغاضبين من الموظفين والمستخدمين في إدارات، وحاجتهم إلى سكن اقتصادي يعفيهم مصاريف الكراء ومشاكله.
 
خلط مصاريف الشطرين
لإقامة المشروع اقتنت التعاونية أرضا ممتدة على 964 مترا مربعا بحي بئر أنزران بإفران، بنحو 58 مليونا، لبناء 12 شقة يتراوح ثمنها بين 32 و36 مليونا، حسب تقييم مهندس باشر تقييما شاملا للمشروع هم أشغاله الكبرى فقط، والمختلف ثمنه بتباين المساحة المتأرجحة بين 125 و108 أمتار مربعة، شرط أن يقوم المتعاونون بالتزيينات الداخلية على حسابهم الخاص.
اقتنت التعاونية على عهد المكتب السابق، بقعة من الخواص بـ 34 مليونا، خصصت لبناء 4 شقق خصصت لأعضاء جدد في إطار الشطر”ب”، على أن يتكلفوا بأنفسهم بكل العمليات المتعلق بالبناء، ما وافقت عليه المكتب المسير، وتم منحهم تفويضا بفتح حساب بنكي مستقل، والاتصال بكل المصالح الإدارية المختصة لتنفيذ شطرهم، ما أكده الرئيس نافيا تدخله في هذا الشطر.
وبينت التصاميم عدم كفاية المساحة لاستفادة كل الأعضاء، ما تطلب اقتناء عقار ثان من الأملاك المخزنية، بنيت به 12 شقة في الشطر”أ” استفاد منها الأعضاء الأصليون التسعة عن طريق القرعة، قبل انضمام ثلاثة متعاونين آخرين، والحصول على رخص البناء في 2005 والاتفاق مع مقاول للحفر وإزاحة الرمال والأحجار مقابل 90 درهما للمتر، قبل توقفه لمشكل حدود مع الجوار.
حينئذ انتقل المهندس الطوبغرافي إلى المكان، ولاحظ أن السور المتنازع عليه مع الجار، بالبقعة المملوكة للتعاونية قبل تكلف التعاونية بهدمه على نفقتها، ومباشرة باقي الأشغال الكبرى وتوزيعها على بعض المقاولين في إطار عروض ودفاتر للتحملات، قبل اكتمال البناء حسب إفادة المكتب المسير أثناء الاستماع إلى أعضائه الثلاثة المتابعين أمام المحكمة الابتدائية بأزرو.
لكن المشتكين رأوا غير ذلك، مؤكدين أن المكتب طالب المتعاونين بضخ أموال إضافية دون الكشف عن الحسابات أو عقد جمع عام سنوي قد تتوضح فيه الأمور، أو تمكين المنخرطين من الوثائق المحاسبية، ما زاد من ضبابية تسيير التعاونية خاصة مع قيام أمينها السابق بسحب شيكات من حسابها بلغت قيمتها الإجمالية 15 ألف درهم، وسحب شيكات بمبالغ هامة بأسماء بعض أعضاء المكتب.

372 مليونا في خبر”كان”
372 مليونا، قيمة مساهمة المنخرطين في حساب التعاونية، يدعي المكتب صرفها في التحفيظ، ورخص البناء وأتعاب المهندس المعماري والطوبغرافي والمدني والخبير المحاسباتي والوكالة الحضرية والموثق، فيما تسلم المقاول المكلف بالأشغال الكبرى، 192 مليونا، قبل فسخ العقد وإعادة إبرامه، إلا أنه مازال مدينا للتعاونية بمبلغ مالي مقابل تلبيس القرميد وأشغال أخرى باشرها.
أما منخرطو التعاونية، فاتهموا مسؤوليها المباشرين، بخلط مصاريف الشطرين وإخفاء مصاريف غير مبررة، وإفشال الخبرة التقنية، وعدم احترام طريقة الأداء مع المقاول، واقتناء فواتير لتبرير مصروفات وفبركة تصاريح مصادق عليها من قبل أشخاص لم يقوموا بأي أشغال للتعاونية، وعدم استحداث مقر التعاونية والتكتم مع المقاول الذي قام بعملية الحفر، وتغيير المحاضر وإتلاف بعضها.
تلك اختلالات كشفها المشتكون الذين لجؤوا إلى إجراء خبرة قضائية تبين من خلالها أن الأشغال لم تتجاوز 18 مليونا، ولا تطابق تلك المنجزة في الشقق الخاصة بأعضاء مكتب التعاونية التي لا تتوفر على مقر خاص، متحدثين عن دخولهم في صفقات مشبوهة والإسراع في الأشغال الخاصة بشققهم دون باقي المنخرطين، مؤكدين أنه لجأ إلى مقاولين تدفع مصاريفهم دون فواتير.
كل تلك الاتهامات صدها الرئيس ونائبته وأمينة المال والكاتبة العامة، في تصريحاتهم في سائر المراحل قبل الشروع في محاكمتهم، مبررين التشكي بحسابات بعد إقالة بعض المشتكين، مؤكدين استكمال الأشغال، نافين اقتناء المكتب لكمية زائدة من القرميد، فيما أوضح الرئيس أن المقاول المباشر للحفر، توقف بسبب عراقيل ووافته المنية قبل أن يسلم ابنه التعاونية، اعترافا بقيمة الأشغال.
ويدعي المنخرطون الغاضبون أن إتمام البناء، لم يتم بالكيفية المتفق عليها قبل مطالبتهم بمبالغ إضافية بداعي تغطية مصاريف إطارات الأبواب الخشبية، عكس ما يؤكده المكتب المسير للتعاونية من أن”المشروع تحقق ولا تنقصه إلا رخصة السكن التي تعذر الحصول عليها لتعرض المشتكين”، متهمين إحداهم بـ”مساومة زملائها مطالبة بالاستفادة من مساحة وضمها إلى شقتها”.

المجلس البلدي”خصم جديد”
احتجاج المقصيين من مشروع”حدائق إفران”، فتح المجال لنقاش إلكتروني مواز بين قطبي برنامج تعاونية النرجس، خاصة بعد رفع متضررين لافتة كشفوا فيها غضبهم مما عاشته التعاونية من اختلالات نشر غسيلها على أنظار القضاء، إذ تبرأ ثمانية من أعضاء مكتبها، بينهم المتابعون الثلاثة أمام ابتدائية أزرو، من إقحام اسمها في الوقفة، رغم أنها غير معنية بالمشاركة فيها من عدمه.
“أعضاء من تعاونية النرجس: نحتج ضد الخروقات والتجاوزات التي تمارسها بلدية المدينة، في الوقت الذي نعرض فيه ملفنا أمام القضاء، لكي يقول كلمته”.. لوحة كانت كافية لإثارة زوبعة إعلامية، خاصة بعدما اعتبر تبرؤ أعضاء التعاونية من إقحامها في ملف السكن الاجتماعي المحتج عليه،”باطلا ولا علاقة لهم به” و”لم نعلم بذلك، إلا بعدما ظهرت صور اللوحة ضمن نشرة إعلامية”.    
الأعضاء الخمسة الذين كانوا وراء الشكاية التي توبع على ضوئها الرئيس وأمينة المال والكاتبة العامة، أكدوا تعرضهم على منح رخصة السكن للتعاونية للخروقات التي شابتها، مستغربين منح رئيس البلدية تلك الرخصة بـ”شكل انفرادي للأطراف التي كانت مسؤولة عن سوء التسيير المالي والتنظيمي للتعاونية، والذين يستقوون به في كل كبيرة وصغيرة، مع حرماننا من ذلك”.
وأوضحوا أن من بين الموقعين على رسالة توضيحية نشرت على نطاق واسع ردا على اللافتة الظاهر فيها عضوان من التعاونية في الوقفة الاحتجاجية، ينتميان إلى الشطر”ب” من التعاونية”، الذي يضم نائبتي الرئيس وأمين المال، واللذان حصلا على رخصة السكن لـ 4 سنوات، رغم إضافة طابق بكامله بالعمارة موضوع الشطر، لا وجود له في التصميم الأصلي، رغم تعرض المنخرطين.
المنخرطون الغاضبون أضافوا المجلس البلدي، إلى اللائحة المغضوب عليهم، في انتظار إقراره بحقهم في ربط شققهم بالماء والكهرباء على غرار باقي أعضاء التعاونية”المحظوظين”، ل”أننا لسنا أقل مواطنة منهم”، مؤكدين أن الجماعة”تواجه كل طلباتنا بالرفض في اعتداء فاضح على حقوقنا، ينم عن عقلية انتقامية وانتقائية مزاجية، وكأن بعقارب ساعته ما تزال مضبوطة على السبعينات”.

528 شقة في مشروع”حدائق إفران”
في 18 دجنبر الماضي، وقف شباب إفران أمام مقر العمالة احتجاجا على”السير غير العادي لتوزيع الشقق السكنية الذي يدخل ضمن مشروع سكني اجتماعي”، مطالبين بعقلنة التوزيع والابتعاد عن أساليب الإقصاء، وإبعاد المجلس الجماعي من اللجنة الإقليمية المكلفة بالملف، رافعين شعارات منددة بالخروقات والتجاوزات التي تمارس في حقهم، في الوقت الذي يعرضون ملفهم على القضاء.
موجة الغضب والامتعاض من الإقصاء من الاستفادة، أعلنها موظفون، واحد منهم موظف ببلدية إفران منذ 13 سنة، متزوج وأب لأربعة أطفال، اثنان منهم يعانيان أمراضا وراثية، راسل عامل الإقليم ملتمسا تدخله لإنصافه وإحقاق الحق، بعد إقصائه من الاستفادة من السكن الاجتماعي، رغم أنه ما زال في وضعية الكراء منذ عقدين، ولا يتوفر على أي سكن يؤويه وأفراد أسرته.
اسمه ورد ضمن لائحة تضم موظفي بلدية إفران المزمع استفادتهم من السكن الاجتماعي، أعدت من قبل المكتب المسير لجمعية الأعمال الاجتماعية لموظفي البلدية، قبل سحب تلك اللوائح وتعويضها بأخرى لا تتضمن اسمه، ما دفعه إلى مراسلة المكتب دون رد منه، ملتمسا من عامل الإقليم فتح تحقيق نزيه وجدي في ظروف وملابسات إعداد لائحة المستفيدين من المشروع وسر إقصائه.
ولاحظ المتضرر أن أغلب الحالات المستفيدة في اللائحة الثانية، سبقت لها الاستفادة من السكن الاجتماعي عدة مرات و”بعضهم يمتلك عدة مساكن أو فيلات في المدينة”، ما يعتبر خرقا سافرا للتوصيات التي أوصى بها مجتمعون في اجتماع التأم بمقر باشوية إفران في 22 فبراير 2012، حول معايير الاستفادة من السكن الاجتماعي وضرورة تدبير الملف تدبيرا محكما.
هذا الموظف وغيره من المحتجين أمام العمالة، لم يتقبلوا ما يحاك في الملف من تلاعبات وإقصاء، فيما أوضحت مصادر”الصباح” أن مشروع”حدائق إفران” سيمتد على نحو 27 هكتارا من أراضي الأملاك المحزنية، وعهدت تحملاته لشركة مغربية سعودية، ما سيوفر 528 شقة، قبل إعلان اللائحة الأولى المكونة من 108 مستفيدين من أصل 1258 تقدموا بالطلبات في الوقت المحدد.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق