fbpx
مقالات الرأي

إصلاح التعليم العالي وثورة المضامين

لولوج مجتمع المعرفة لابد من ثورة معرفية، ولا ثورة معرفية بدون ثورة في المضامين وبدون مساءلة الحقول المعرفية التي تجسد توالمضمون أي مضمون المعرفة. لذلك فشلت الإصلاحات السابقة في ميدان التعليم العالي، لأنها تقنية محضة، وكل ما تفرع عنها في شكل توجهات “بيداغوجية” غريبة عن الحقول المعرفية التقليدية، لذلك طبق في المغرب (إجازة – ماستر – دكتوراه) بصيغ متعددة تختلف من مؤسسة جامعية لأخرى داخل نفس الجامعة، أما بين الجامعات فحدث ولا حرج.
إن توزيع العلوم الحقة و العلوم الإنسانية تجوز عالميا وتطور العلم لتصبح كل الحقول المعرفية فضاءات للعقلنة و الإبداع وأصبحت معها الإعلاميات عنصرا أساسيا و المعرفة الآن، مع زواج الإعلاميات و وسائل الاتصال، غيرت الزمن بين الأشخاص و بين المختبرات .
على المدى الطويل، يمكننا حصر الثورات الثلاث الكبيرة للمعرفة :
– ثورة الكتابة؛
– اختراع المطبعة؛
– اختراع الأنترنيت.
وفي هدا الإطار نجد تطور الحقول المعرفية نظرا لتطور البحث الابستمولوجي ونذكر هنا أعمال ادغار موران حول الابيستمولوجية المركبة التي تعني أن هناك مشترك علمي و الذي هو عقلنة تمثل ومقاربة الظواهر الطبيعية و الإنسانية ومن هنا وقعت في العالم إعادة صياغة الحقول المعرفية وإعادة النظر في التوزيع السادج بين العلوم المسماة حقة والعلوم المسماة إنسانية، وكمثال على ذلك ما قام به المركز الوطني للبحث العلميCNRS الفرنسي بإعادة حقوله المعرفية بايعاز من رئيسه السابق Mouse Godellier ، هذا التغيير في الحقول المعرفية المبني على أساس أن لكل حقل معرفة عامة وأساليب منهجية مشتركة و تخترقهم نفس أدوات البحث،
لهذا، خلال 48 سنة من الإصلاحات، يتم التركيز على نفس الهندسة البيداغوجية والحفاظ على نفس الحقول و بالتالي تفرغ المضامين القديمة في علب جديدة .
يبقى العائق الأساسي أمام ثورة المضمون سياسي / ثقافي، يقول المؤرخ والاستاد الباحث المصطفى بوعزيز ، لأن تعميم العقلنة قد يربك بعض التصورات المجتمعية الراسخة و المحافظة للدولة. و الإصلاح الشمولي و الجذري للمنظومة التربوية لا يمكن ان يتم بمعزل عن انتقال المجتمع برمته إلى الحداثة، بما يعني، حسب تعبير الاستاد بوعزيز ، الانتقال إلى مركزية العلم و المعرفة (سيادة الفكر النقدي ونسبية الحقيقة الاجتماعية العلمية…).وهناك أيضا عائق آخر يتمثل في انزلاق التقنوقراطية المغربية إلى النفعية السريعة و الضيقة، أي الملائمة الصارمة للمنظومة التربوية وللتعليم العالي لسوق الشغل الضيقة أصلا.
انطلاقا من هذا الاختيار الغير الصائب باعتبار أن كل ما هو نظري وفكري ” ترف.” و أن المطلوب هو تكوين تقنيين قابلين للاندماج في سوق الشغل، بينما الواقع هو أن سوق الشغل تتغير انتظاراتها بسرعة أكبر من سرعة التكوينات بينما المطلوب هو تكوين عام صلب ووقت قصير للملائمة بين التكوين العام و الخاص.
إن إصلاح المضامين المعرفية ضروري لتحول اجتماعي يستفيد من التراكم المعرفي الحديث ويساير التطورات المعرفية العلمية والتقنية ويساعد على التطور الاقتصادي و الازدهار الاجتماعي و الثقافي.
الآن، نحن في حاجة لإرادة سياسية لإصلاح شمولي و تغيير جذري على المضامين الدراسية والطرائق التعليمية، ليصبح تعليمنا قاطرة المجتمع نحو العصرنة والدمقرطة والرقي الحضاري. وربط المسار التنموي بالمسار الديمقراطي .

  • محمد حمزة: أستاذ التعليم العالي

 


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق

انت تستخدم إضافة تمنع الإعلانات

نود أن نشكركم على زيارتكم لموقعنا. لكننا نود أيضًا تقديم تجربة مميزة ومثيرة لكم. لكن يبدو أن مانع الإعلانات الذي تستخدمونه يعيقنا في تقديم أفضل ما لدينا.