fbpx
الصباح السياسي

الحركات الاحتجاجية سلاح المهمشين

المحتجون يختارون النزول إلى الشارع كقناة للتعبير عن مطالبهم المشروعة

تميز المغرب، مقارنة مع غالبية البلدان العربية، بأنه شهد منذ حصوله على الاستقلال حركات احتجاجية اجتماعية متعددة، كان يتم التعاطي معها بالقوة، أو الليونة، حسب الظرفية السياسية التي يجتازها البلد.
ومنذ بداية التسعينات القرن الماضي، مع انطلاق بوادر الانفتاح السياسي، أصبحت الحركات الاحتجاجية تؤثث الشارع المغربي بشكل عادي، تماما كما يحدث في العديد من البلدان العريقة في الديمقراطية. لم يكن أحد يُعطي لهذه الحركات أبعادا أكثر مما تستحقها، ولم يكن ثمة من يبالغ في تقييم تداعياتها، فهي حركات تتعلق بمطالب اجتماعية : الحق في الشغل، وفي السكن، وفي العيش الكريم. وظهرت في السنوات الأخيرة تنسيقيات في مختلف المدن المغربية لمناهضة غلاء المعيشة وتدهور الخدمات العمومية، ساهمت في الحركة الاحتجاجية الاجتماعية، إذ كانت تنخرط في مسيرات ووقفات ضد ارتفاع أثمنة السلع والمواد الغذائية الرئيسية.   
واستمرت ظاهرة الاحتجاج، موازاة مع انخراط المغرب في صيرورة الانفتاح والدمقرطة، التي ما تزال تشكل أفقا مفتوحا. وخلافا للأنظمة العربية الأخرى، فقد شكل النظام المغربي نموذجا متفردا، إذ كان في تاريخه السياسي، الأكثر إنصاتا للمعارضة وتفاعلا مع القوى السياسية في البلاد، ولنبض الشارع المغربي، وهو ما جعل المغرب يتفادى الهزات الكبرى خلال العقود الماضية، ويحظى بوضع مستقر، مع تحقق مجموعة من الإصلاحات السياسية والاقتصادية، خاصة مع مجيء جلالة الملك محمد السادس إلى السلطة، وما تزال هذه الإصلاحات متواصلة.
يتوفر المغرب على وسائط قوية، تتجلى في الإطارات السياسية والنقابية، والمجتمع المدني، والحقوقي، وهي مؤسسات شكلت واسطة بين المؤسسة الحاكمة والمواطنين، ولعب هذا المعطى دورا محوريا في التفاعل والتواصل بين الشعب والمؤسسة الحاكمة،  وساهمت، بالتالي، في تفادي الحركات الاحتجاجية خارج الضوابط، وفي ضمان الاستقرار والسلم الاجتماعيين.
إن غياب الوسائط ساعد في إشعال فتيل الاحتجاجات في تونس ومصر، التي اكتست أبعادا خطيرة، طرحت سؤال العدوى نحو بلدان عربية أخرى. في تونس عاش المواطنون بدون وسائط، في ظل نظام استبدادي، لا يؤمن بالمعارضة، ولا بالإعلام المستقل، وراهن النظام على القبضة الحديدة في ضمان ديمومته واستمراره، قبل أن ينتبه إلى أنه كان خاطئا في حق نفسه، وفي حق الشعب.
في غمرة هيجان الشارع التونسي، الذي انطلقت شرارته الأولى من سيدي بوزيد في 18 دجنبر الماضي،  وكذا الشارع المصري، إذ انطلقت أولى شرارة الاحتجاجات العارمة من ميدان “لاظوغلي” في 25 يناير، نسيت بعض الأقلام الحقيقة المتجلية في أن المغرب  يختلف عن بلدان الجوار، وهو معطى كان معروفا، لكنه غُيب أمام الانفعالات والأحاسيس التي أججتها أحداث تونس ومصر.
لقد انخرط المغرب في الانفتاح السياسي، وعرف نقاشا حول الإصلاحات الدستورية والسياسية، في الوقت الذي كانت البلدان العربية الأخرى لا تفكر أصلا في الدخول في هذا الانفتاح السياسي وتمانع في القيام بإصلاحات، بل كانت تعارض ذلك بشكل غير مفهوم، تحت شعار” لا للتدخل الأجنبي، ولا لفرض الإصلاحات من الخارج”، وهو موقف أكدت الأيام سخافته، بل وخطورته، وبسببه عاشت تونس ما عاشته من أحداث أدت إلى تنحية بنعلي من الرئاسة ومغادرته للبلاد، وقادت إلى  تأزيم الوضع في مصر.
المشكل في تونس ومصر لا ينحصر فقط في المطالب الاجتماعية، بل يتعداها ليشمل المطالب السياسية والحقوقية. قبل أسابيع من اندلاع ” الثورة” في مصر، خرجت البلاد من انتخابات ـ أزمة، تميزت بتزوير إرادة الناخبين، وفرض فوز الحزب الحاكم، إلى درجة أنه حظي بالأغلبية المطلقة داخل البرلمان، بعد ما جرى إقصاء وتهميش مرشحي الأطياف السياسية الأخرى، خاصة مرشحي المعارضة، وكان مبارك يعتقد أنه ضمن الاستقرار والراحة، قبل أن يكتشف أنه كان يعيش خارج التاريخ، وأن البساط بدأ يُسحب من تحت قدميه، ولم يبق أمامه من خيار، وهو يواجه خطر التنحي الإجباري عن السلطة، سوى طمأنة الشارع المصري بالإصلاحات، التي كان يرفضها إلى وقت قريب، لكن ذلك جاء في وقت متأخر.
في غمرة هيجان الشارعين التونسي والمصري، نسي البعض في المغرب، تميز البلد، في محاولة لخلط الأوراق، فالمغرب لا علاقة   له بالسلطوية المفرطة التي عانت منها تونس، أو سياسة تكميم أفواه المعارضة، والتزوير السافر للانتخابات، كما في مصر، والتي كانت أحد الأسباب الرئيسية في اندلاع الانتفاضة  في هذين البلدين. تعاملت بعض التصريحات التي حاولت عقد مقارنة متعسفة بين ما حدث في تونس ومصر وبين المغرب، بنوع من الاستخفاف في التحليل ممزوج بالمكر، بل والتشفي، كأن المغرب، سياسيا وحقوقيا، هو تونس.  
حينما كان المغرب يدشن ثورته الإصلاحية التي قادها الملك الراحل في بداية التسعينات من القرن الماضي، ورسخها جلالة الملك محمد السادس، كانت تونس تعيش أقصى حالات الديكتاتورية بسلبياتها الاجتماعية والاقتصادية، فقد كانت الدولة تحكم سيطرتها على الشارع، والإعلام، ووسائل الاتصال الحديثة، ونشطاء حقوق الإنسان والمجتمع المدني، في هذا الوقت، انخرط المغرب في أوراش الإصلاح، بدءا من المجال الاجتماعي من خلال المبادرة الوطنية للتنمية البشرية، ومأسسة الحوار الاجتماعي، وانتهاء بالأوراش المهيكلة في مجال البنيات الأساسية: الطرق، الموانئ، المطارات، السكك الحديدية…وفي المجال الحقوقي، بادر المغرب إلى طي صفحة ماضي الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، من خلال إنشاء هيأة الإنصاف والمصالحة. هذه الثورة الهادئة كانت تحدث في المغرب، في الوقت الذي كانت الأوضاع السياسية والحقوقية تزداد استفحالا في تونس وبلدان عربية أخرى.
تناسى البعض ذلك، فلجؤوا إلى عقد مقارنات بين المغرب وما حدث في تونس،غير عابئين بوجود فوارق، قد يعتبرها البعض شكلية، ولكنها، في العمق، جوهرية، إذ ليس من السهل، وهذا ما تثبته الوقائع والمعطيات، أن تفتح الدول صفحة ماضي انتهاكاتها لحقوق الإنسان، وتعلن انخراطها في انفتاح سياسي حقيقي.

جمال بورفيسي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق