fbpx
الأولى

مغاربة برلين يأكلون طاجين الغنمي والكسكس ولا يفكرون في العودة

العاصمة الألمانية تنتصر على صقيعها وتخرج إلى الشارع فرحا وتضامنا مع شباب ميدان التحرير

الخامسة صباحا. ندخل برلين خفافا بأقل ضجيج ممكن. نمشي على أطراف أصابعنا مثل لصوص حتى لا نزعج ما تبقى من ليلة لاسعة، أو كي نحفظ بعض الود لصمت جنائزي يلف مدينة تنام في بياض مثل أميرة. موظف الاستقبال بمدخل فندق ليوناردو، أو فندق برلين قديما المطل على جادة بسمارك بمقاطعة ويلميسدورف، يفرج عن ابتسامة صفراء كأنما يعاتبنا على اختيارنا وقتا غير مناسب بالمطلق، يفركُ يديه وينفخ فيهما، قبل أن يمدهما دافئتين إلى صندوق الحقائب.
في الطريق إلى البهو يتذكر أنه كان عليه أن يلقي في وجوهنا كلمات مغمغمة، أغلب الظن أنها عبارات ترحيب رقيقة باللغة الألمانية نبادله التحية برؤوسنا ونهرول مسرعين إلى داخل البهو طلبا لرحمة هواء ساخن.
تشبه برلين ليلا، أو الجزء الغربي منها على الأقل، عجوزا متلحفة في بطانية صوفية، تدور عيناها في الفر اغ، وحين تضطر للحديث فبصوت خفيض يكاد لا يُسمع، ربما لأنها لم تتعود على ضجيج المدن الكبرى، أو لأنها لم تصدق بعد أن “الجدار” انتهى إلى ذكرى جميلة منذ إحداث شق به بسمك التاريخ يوم 9 نونبر 1989، أو أنها تخاف أن يتربص بوحدتها أحمق آخر يحمل في يديه منجلا ومطرقة، أو مجنونا تستهويه الأشلاء وسفك الدماء غير النقية بدم مثلج جدا.
يطلق الألمان على الشهور الثلاثة الأولى من السنة ما بين يناير ومارس، “كعكة من جحيم”، بسبب هبات البرد الشرسة الذي تقطع الأوصال إربا إربا وتفرض على الجميع هنا ملازمة المعاطف الثقيلة والقبعات الصوفية والقفازات و”الكاشكولات” وكلها بلون أسود، لكن في الوقت نفسه يعرف أحفاد جرمان كيف يخلقون فضاءات للدفء من أقل الأشياء الممكنة، ويصنعون للفرح الطالع من السحنات الشقراء والعيون المخضبة بالأخضر والأزرق مدفآت في الهواء الــطلق.
واحد من هذه الفضاءات التي لا تقاوم برد ما بعد منتصف الليل، جادة كورفورستيندام، أو كودام اختصارا، وهي من أشهر المناطق التجارية والسياحية في قلب العاصمة الألمانية، وشاهد عصر على تاريخ مدينة ظلت تتنفس على مدى سنوات أوكسجين تحولات سياسية واقتصادية وثقافية، لم تغير وجه ألمانيا فحسب، بل غيرت وجهة العالم إلى مزيد من الحرية والانعتاق ومقاومة النازية والديكتاتورية والاستبداد.
لذلك كان لا بد أن يرابط عدد من الشباب الألماني، منذ اليوم الأول لانطلاق انتفاضة 25 يناير بميدان التحرير بمصر، أمام بوابة “براندنبورغر تور” القريبة من مبنى البرلمان الألماني التي تذكرهم بتوحيد غرب وشرق المدينة، كي يبرهنوا للعالم أن سقوط جدار برلين يمكن أن يتكرر في أي مكان بصيغ وأشكال رمزية مـختلفة، وقد ارتفعت حناجرهم أكثر، حين علموا أن حكومتهم غير مستعدة فحسب لإصدار موقف مؤيد للمطالب الديمقراطية للشعب المصري، بل تنوي فتح أجوائها لاستقبال الرئيس حسني مبارك لاجئا صحيا في أحد مستشفياتها بداعي العـــــــلاج.
بالمقهى المحاذي غير البعيد عن حديقة الحيوانات الأكبر في ألمانيا بشارع كودام يجلس عبد النبي وعزيز وهشام، ثلاثة شباب مغاربة يتحدرون من سلا والقنيطرة، في الطابق العلوي المطل على كنيسة قديمة، ومبان أخرى تاريخية تعاند الزمن ببريقها الدائم، بعضها تحول إلى محلات تجارية ضخمة تحتضن ماركات عالمية ذات الامتياز.
في هذا المكان يقضي عدد من المغاربة في برلين (حوالي 1200 مغربي ومغربية) وقت فراغهم، بعد انتهائهم من العمل أو الدراسة بأشهر جامعات الطب والبناء وتكنولوجيا المعلومات، متحلقين حول كؤوس الشاي غير المنعنع، وماكارونا اسبانية بنهكة تركية، وبعضهم يفضل ارتياد واحد من المطعمين المغربيين الوحيدين بالعاصمة التي تقدم طواجين بلحم الغنم والبرقوق، والكسكس بـ”سبع خضاري”، والعصيدة بلبن ألماني، لكن بأسعار أوربية “ساخنة” جدا.
أغلب المغاربة هنا تستهويهم أجواء برلين الهادئة، ولا يريدون العودة إلى المغرب حتى بعد انتهاء مسارهم الدراسي، وبعضهم يفضل البحث عن عمل قار براتب شهري سمين وكرامة مصانة من العبث، والكثير منهم يتابع ما يجري في العالم العربي من ثروات وانتفاضات، ولا يخفون تنذرهم من موقف بعض إسلاميي ألمانيا الذين يستجدون، هذه الأيام، تصويتا على استفتاء منتهي الصلاحية للاعتراف بالإسلام إلى جانب اليهودية والمسيحية، فقط لأن الرئيس الفدرالي كريستيان فولف وولف لمح إلى ذلك، استدراكا، في إحدى خطبه عقب أدائه القسم في يوليوز الماضي.

يوسف الساكت (موفد الصباح إلى برلين)

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق