fbpx
تحقيق

البحث العلمي… المغرب يتر اجع إلى الرتبة السادسة إفريقيا

قبل سنتين، اكتشف المغرب، البلد الذي انخرط طيلة 15 سنة الماضية، في مسار يريد به الالتحاق بركب الدول الصاعدة، أن تصنيفه بين الأمم على مستوى البحث العلمي، الذي يعد واحدة من قاطرات الدول نحو التطور، متخلف جدا، فشرع في تدارك الموقف. وفي هذا السياق، أعادت “الصباح” رسم ملامح الوضع السيئ للبحث العلمي في المغرب، وزارت المؤسسة الأولى المكلفة بالمجال على الصعيد الوطني، واستقت منها آخر مستجدات مخارج الأزمة التي يغرق فيها البحث.

“نحن نصدر الطماطم والحوامض والسمك، ولكن ما القيمة المضافة في هذه المنتجات التي نصدر؟ نريد أن نصدر منتجا مهندسا، وإذا حققنا هذا الهدف، فبالإمكان القول إن المغرب انطلق اقتصاديا وعلميا”، أين ومتى قيل هذا الكلام؟ في لندن، أوائل مارس الماضي، وماذا عن هوية المتحدث؟ إنه لحسن الداودي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي في الحكومة الحالية، وكان يتحدث إلى صحافي مغربي يشتغل في صحيفة دولية صادرة من لندن. وماذا في الأمر؟
كل ما هناك، هو أن ذلك التصريح، واحد من بين أخرى، برزت كردود فعل، من الوزير والحكومة ومختلف دوائر القرار، حينما انتبهوا قبل سنتين، إلى أن عجلة أساسية من بين تلك التي يسير عليها المغرب في سعيه إلى دخول نادي الدول الصاعدة، ليست على ما يرام، وفي الحقيقة، المقصود بتلك العجلة، هو البحث العلمي والتقني، الذي تقهقر فيه المغرب نحو الرتبة السادسة إفريقيا، بعدما كان في الرتبة الثالثة في 2010 وراء كل من مصر وتونس.
حينها فقط، استفاق “أهل الحل والعقد” في البلاد، فاكتشفوا أن وزارة يحيل اسمها على مجالين مترابطين: “التعليم العالي” و”البحث العلمي”، انشغلت بتدبير “اليومي” من المجال الأول، وبقي الثاني، تقريبا، في طي النسيان، إلى حد أن المسؤولين عن البت في ترقية الأساتذة الجامعيين، يولون أهمية للأقدمية في الإدارة، ولا يخوضون معهم في إنتاجهم العلمي، في وقت من المفروض فيه أن يكون هؤلاء “مركز” دوران “ماكينة” الإنتاج العلمي.
وحينها فقط، أيضا، تذكرت الوزارة أن إدارة تقع تحت سلطتها الحكومية، أنشئت قبل حوالي 40 سنة، تمتلك بناية أنيقة، في قلب “مدينة العرفان”، حيث توجد أحسن معاهد الدراسات العليا بالبلاد، وتسمى منذ 1999، المركز الوطني للبحث العلمي والتقني، تحتاج إلى “دفعة” نحو الأمام، ولم لا ضخ دماء جديدة وشابة في أوصالها، وتحميلها ثقل إسعاف وإنعاش البحث العلمي باعتماد إستراتجية جديدة.

واقع حال البحث العلمي

رسم صورة واقع حال البحث العلمي بالمغرب، واحدة من العمليات النادرة، التي يمكن فيها غض النظر عن مضمون صيحات المعارضين ودراسات الغيورين، وتقارير المراكز الدولية للقياس والدراسات والتصنيف، لأن تصريحات المسؤول الأول، وزير التعليم العالي والبحث العلمي، وحدها كفيلة بتشكيل صورة قاتمة عن راهن الحال.
يوم 15 نونبر 2013، حل الوزير لحسن الداودي، ضيفا على لقاء نظمه طلبة مركز الدكتوراه بالمعهد الوطني للبريد والاتصالات، الذي يفصل بين مقره ومقر المركز الوطني للبحث العلمي والتقني التابع للوزارة، غير بناية لعلاج أمراض كثيرة، يتعلق الأمر بمستشفى الشيخ زايد، فكيف شخص الضيف أمراض البحث العلمي؟
لقد نقلت عنه الصحافة، قوله بعبارات بسيطة وسلسة، “البحث العلمي في المغرب ليس على ما يرام، بل إن المغرب متخلف للغاية، وتأخر كثيرا في هذا المجال”، ليضيف “ليس على الصعيد العالمي، فحسب، بل حتى على الصعيد القاري، إذ تقهقر، من الرتبة الثالثة إلى السادسة، إفريقيا، وأصبح يحتل رتبة أدنى من تلك التي تحتلها دولة تونس”، مع العلم أن هذه الأخيرة، في تلك الفترة كانت غارقة في مداواة جراح اللااستقرار، عقب الانتفاضة التي أطاحت بنظام الرئيس السابق بنعلي.
في اللقاء ذاته، عدد وزير التعليم العالي بعض الاختلالات التي يعانيها البحث العلمي، “منها غياب تحفيز الأساتذة والطلبة الراغبين في إنجاز بحوث علمية”، إذ تساءل قائلا “ما هو المحفز للقيام بالبحث؟ فعندما يصير أستاذا، فإن التدرج يتم عن طريق الأقدمية، لذلك يتساءل الأساتذة ما الجدوى من البحث العلمي، والطالب عندما يحصل على الدكتوراه يتساءل ما الجدوى من القيام بالبحث العلمي؟”.
وبعد ذلك، ألقى لحسن الداودي في وجه أطر المستقبل في ميدان الاتصال والتكنولوجيات الحديثة، قنبلة، مفادها أن “الميزانية التي كانت مرصودة للبحث العلمي في المغرب لم تكن تتعدى 60 مليون درهم، منها 16 مليونا عبر الوزارة في أقصى الحالات”، وهذا غلاف مالي ضعيف جدا، مقارنة مع فرنسا التي تبين لـ”الصباح” أنها خصصت في 2014 للبرامج الموجهة للبحث العلمي حوالي 8 ملايير أورو.
وبدورها، كشفت سمية بنخلدون، الوزيرة المنتدبة لدى لحسن الداودي، مطلع السنة الحالية، مؤشرا آخر عن الوضع المقلق للبحث العلمي، فقالت إن هذا الأخير لا يمثل سوى 0.8 في المائة من الناتج الداخلي الخام، في حين أن المتوسط العالمي يصل إلى 2 في المائة عموما، وحتى 4 في المائة في الدول المتقدمة.
البحث العلمي في المغرب، إذن، عالق في عنق الزجاجة، ولإضفاء مزيد من “القبح” على وجهه، انكشف معطى لافت، يبين قمة استهتار المسؤولين بهذا الميدان: إن اللجنة الوزارية الدائمة للبحث العلمي والتنمية التكنولوجية، والتي تشكل هيأة تنسيق بين 16 قطاعا وزاريا لصياغة السياسات العمومية للبحث العلمي، لم تنعقد منذ سبع سنوات، أي ما يعادل ولاية حكومية وتشريعية كاملة ونصف.

معالم الإستراتيجية الجديدة

في نونبر 2012، ستعلن وزارة التعليم العالي والبحث العلمي، فتح باب الترشيح أمام الراغبين في تولي منصب مدير المركز الوطني للبحث العلمي والتقني، وحينها فقط، سينتبه الجميع إلى أن منصب مدير المؤسسة الأولى التي يقع عليها تنفيذ سياسة الدولة في مجال البحث العلمي، كان شاغرا، والذي يشرف على إدارتها هو نائب المدير.
وفي الأسبوع الأول من فبراير 2013، سيترأس لحسن الداودي، وزير التعليم العالي والبحث العلمي وتكوين الأطر، حفل تسليم السلط بين المدير السابق بالنيابة للمركز عبد العزيز بنجواد، والمدير الجديد للمركز إدريس أبوتاج. فماذا أعد المدير الجديد لتجاوز الواقع الأسود للبحث العلمي؟
في منتصف شتنبر الحالي، بمدينة العرفان بالرباط، كان مدير المركز الوطني للبحث العلمي والتقني، يتحدث إلى “الصباح” داخل مكتبه، عن نظرته العامة إلى موقع البحث العلمي في الخطاب السياسي المغربي، ويقول “إنه كان دائما حاضرا كتصورات، ولكن على مستوى الأجرأة، لا يخرج إلى أرض الواقع شيء ذو أهمية”، وماذا عن اليوم؟ يجيب قائلا “لقد حل الوقت المناسب للتغيير، هناك الأشخاص المناسبون للمسؤولية، وتوجد الحكومة المناسبة، بالتزامن مع سياق عام، يتميز بتوجيهات ملكية تركز على أهمية التعليم والبحث العلمي”.
وقبل استعراض معالم الإستراتيجية الجديدة، يلخص إدريس أبو تاج الدين، في لقائه مع “الصباح”، واقع الآن، في صعوبتين هيكليتين، “الأولى تتعلق بصرف الموارد المالية، بسبب طول المساطر، غير الملائمة لمتطلبات البحث العلمي، وتجري حاليا مشاورات مع وزارة المالية لإيجاد حلول”.
أما الثانية، فهي أن القانون الأساسي لأساتذة التعليم العالي “غير معبئ”، والقانون المنظم للتعليم العالي، خصوصا في علاقته بالطالب في سلك الدكتوراه.
يقول المدير إنه يملك حلولا لأزمة البحث العلمي، في بلد “اختار اقتصادا ليبراليا وانخرط في اتفاقيات للتبادل الحر حتى لا تنحصر مبادلاته مع أوربا وحوض البحر الأبيض المتوسط، ومن أجل فتح آفاق نحو أمريكا وآسيا”، كما “دشن أوراشا كبرى مهيكلة فتحت فرصا جديدة”، ويعتقد أن بداية الحل، تتمثل في “تحديد مجالات الأولوية التي يتوجب أن يحظى البحث العلمي فيها، بالتمويل والدعم”.
إن سعي المغرب، نحو “ولوج التنافسية الدولية”، هو ما وضع “نظامه للبحث العلمي أمام مرحلة حاسمة في تاريخه، لتحقيق هدف التحول إلى رائد تكنولوجي في إفريقيا، وجسرا بين الجنوب والشمال”، ما يتطلب “التوفر على نظام وطني للبحث العلمي، مبدع وقادر على الاستجابة للطلب الاجتماعي والاقتصادي”، وهو ما لن يتأتى، دون تحديد مجالات الأولوية.

المركز الوطني للبحث العلمي والتقني

أنشىء سنة 1976، تحت اسم “المركز الوطني لتنسيق وتخطيط البحث العلمي” بمقتضى قانون، وأسندت له مهمة تطوير وتوجيه وتنسيق الأبحاث العلمية على جميع المستويات، وفي 2001، تمت إعادة النظر فيه بموجب القانون رقم 80.00، فأصبح المركز الوطني للبحث العلمي والتقني.
ويتكلف المركز بإحداث برامج البحث والتنمية التكنولوجية، وذلك في إطار الاختيارات والأولويات التي تحددها السلطة الحكومية الوصية، والمساهمة في تعميم المعلومات العلمية والتقنية ونشر أعمال البحث والقيام بأنشطة تتبع آخر المستحدثات التكنولوجية، ثم الإسهام في تعزيز البنية التحتية الوطنية للبحث.
ومن مهامه أيضا، تقديم خدمات لفائدة الفاعلين في مجال البحث والمساهمة في تحسين قيمة الأبحاث ونشر نتائجها، وإبرام اتفاقيات أوعقود شراكة في إطار أنشطة البحث أو الخدمات مع مؤسسات ومنظمات البحث العامة أوالخاصة.
المركز الذي يحتل مساحة إجمالية محددة في أكثر من 1200 متر مربع، يضم قطب المعهد الوطني للإعلام العلمي والتقني، الذي يشرف على توثيق ونشر المعلومة العلمية، ويبلغ عدد الوثائق والدراسات التي يتوفر عليها أكثر من 25 ألف وثيقة، والمعهد المغربي للجيوفيزياء، ويتكلف برصد الزلازل والتنبؤ بأخطارها، ووحدات الشبكة الأكاديمية الجامعية “مروان”، التي تسهر على ضمان الصبيب العالي للأنترنت لفائدة الجامعات ومؤسسات التكوين والبحث العلمي.
وفي سنة 2013، بلغ الغلاف المالي الإجمالي لاسثمارات المركز 8.3 ملايين درهم، وبلغ إجمالي نفقات التسيير 15.2 مليون درهم، أما عدد أساتذة التعليم العالي، والإداريين والمهندسين والتقنيين التابعين له، فيتجاوز 200 شخص.

تنزيل الإستراتجية الوطنية لتنمية البحث العلمي في أفق 2025

حسب أبوتاج الدين، فالمحور الرئيسي لإستراتيجيته الراهنة، هو ضمان هدف مركزي، حدده في تحويل المركز الوطني للبحث العلمي، إلى “وكالة للموارد”، وذلك بإطلاق مشاريع متعددة التخصصات وأخرى قطاعية، والتركيز في طلبات عروض المشاريع مستقبلا، على تلك التي سيكون لها أثر واضح على التنمية وتكون مواكبة للمشاريع المهيكلة بالمغرب، وبالمقابل، سيوفر لها المركز تمويلا مناسبا ومستجيبا لحاجيات الباحثين.
ويسعى المركز، كذلك، إلى تقوية شراكاته مع كل القطاعات العامة والخاصة، وتوسيع شبكة التعاون مع الجامعات الدولية واستقطابها إلى المغرب، وتقوية الموارد البشرية والبنيات التحتية للبحث، مع تنويع دعامات الإصدار وأشكالها، لتدمج بين الطبع والرقمنة، وتنويع الاشتراكات في الإصدارات العلمية الدولية ومراجع البحث، مع تحديث آليات تمكين مكتبات الجامعات المغربية منها، انطلاقا من وحدة مركزية بمكتبة المركز الوطني في الرباط.
وعندما يقول المسؤول الأول للمركز، إن وظيفته الأساسية هي تنفيذ السياسة الحكومية للبحث العلمي، فهو يقصد، أساسا تنزيل الإستراتجية الوطنية لتنمية البحث العلمي في أفق 2025، التي تم اعتمادها من قبل الحكومة، تتويجا للمخطط الاستعجالي 2009-2012.
هذه الإستراتيجية التي تريد أن تتجاوز نسبة البحث العلمي في الناتج الداخلي الخام 01 في المائة، تفرض على المركز الوطني، تهيئة الظروف الملائمة، من أجل استجابة البحث العلمي للطلب الاجتماعي، من خلال تنويع مصادر التمويل، وبنيات الاستقبال، واستقطاب الكفاءات المغربية بالخارج، السهر على حث مؤسسات كبرى كالمكتب الشريف للفوسفاط ومجموعة “مناجم” على المساهمة في التمويل.

إنجاز: امحمد خيي

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى