fbpx
حوار

اليازغي: بنكيران عطل الانتقال نحو الملكية البرلمانية

القيادي الاتحادي أكد أنه يخشى أن تزج الحكومة الحالية بالمغرب في أزمة سياسية حادة

حمل  محمد اليازغي، عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة قسطا كبيرا من المسؤولية في إدامة فترة الانتقال الديمقراطي، بسبب تعطيله مسلسل الانتقال إلى الملكية البرلمانية المنصوص عليها في الدستور.  وقال القيادي الاتحادي في حوار مع «الصباح» إن الحكومة لجأت إلى مُسكنات، وليس إلى قرارات تعالج الإشكاليات المطروحة في العمق

، وتحقق الإصلاح الحقيقي. في ما يلي نص الحوار:

 

بعد عامين ونصف عام من عمر الولاية الحكومية الحالية، لم تظهر بعد ملامح مرحلة ما بعد دستور 2011، على مستوى تنزيل مقتضياته والدفع بالمغرب نحو مرحلة جديدة تترسخ فيها الديمقراطية، ما رأيكم؟

  أرى أن الحكومة تتحمل مسؤولية كبيرة في استمرار هذا الوضع ، في الوقت الذي كان من المفروض أن تكون أسهمت في إدخالنا فعلا  في عهد جديد قوامه المزيد من الديمقراطية ومن الحريات والحقوق. ويتحمل عبد الإله بنكيران، رئيس الحكومة قسطا كبيرا من المسؤولية في إدامة فترة الانتقال الديمقراطي، بسبب تعطيله مسلسل الانتقال إلى الملكية البرلمانية المنصوص عليها في الدستور.
لقد استفاد المغرب من وضعية متميزة، على اعتبار أنه البلد الوحيد الذي وجدت فيه حركة 20 فبراير هياكل استقبال إيجابية، من أعلى سلطة في البلد، مرورا بمؤسسات الحكومة والنقابات، وهذا يدل على أن المغرب دخل تجربة مهمة للإصلاح الدستوري، الذي انبثق بفضل مقاربة تشاركية واستشارات موسعة مع مختلف الفاعلين السياسيين والنقابيين والمجتمع المدني والحقوقي، أفضى إلى  إقرار وثيقة دستورية متوافق حولها.
هذا الواقع يختلف عن واقع المغرب، قبل مجيء الملك محمد السادس إلى السلطة، إذ من المعروف أن الوثائق الدستورية كانت تملى وتصاغ في الدائرة المغلقة للملك الراحل الحسن الثاني. نعيش وضعا جديدا دخله المغرب منذ حكومة التناوب التوافقي في 1998، وهي الفترة التي أدخلت المغرب فترة التناوب الحقيقي، التي تعد الحكومة الحالية امتدادا لها.   المغرب ما يزال يعيش فترة الانتقال الديمقراطي الذي طال أمده، فهذه المرحلة لم تنته بعد، بل يشكل دستور 2011 جزءا منها، فهو الذي فتح المجال أمام المغرب لدخول عهد الملكية الدستورية الديمقراطية البرلمانية  و الاجتماعية، والملك نفسه ألح على الدور الأساسي للمؤسسات والحكومة والبرلمان، وذلك في إطار التأويل الديمقراطي،  لكن رئيس الحكومة مع الأسف غير مقتنع بالتأويل الديمقراطي للدستور.

 أين يتجلى ذلك؟
 بنكيران هو المسؤول الوحيد الذي يتحاشى الخوض في موضوع الملكية البرلمانية،  إذ لم ترد هذه العبارة أبدا على لسانه، منذ توليه زمام قيادة الحكومة، بل إنه  ظل يؤكد فقط على أن الأهم بالنسبة إلى المغرب هو الاستقرار، غير أن الاستقرار حصل في المغرب قبل مجيئ الحكومة الحالية، بل ترسخ، منذ بداية  حكومة التناوب التوافقي والمصالحة مع الماضي، وهذا الاستقرار لم يسهم فيه بنكيران، ولا الحزب الذي يقوده، لأن العدالة والتنمية لم يشارك في النضالات المريرة التي خاضتها القوى التقدمية والحية من أجل الحرية والديمقراطية، بل إن عبد الكريم الخطيب، مؤسس الحركة  الشعبية الدستورية الديمقراطية الذي استوعب الإسلاميين وتحول في ما بعد إلى العدالة والتنمية الحزب، كان أحد أعمدة الاستبداد، لذلك لا يمكن أن يدعي بنكيران أنه ساهم في الاستقرار الذي  يعيشه المغرب فهذا لم يكن بيده، لكن ما كان يمكن أن يقوم به هو إنهاء مرحلة الانتقال الديمقراطي، والتحول إلى ملكية برلمانية، غير أنه فوت فرصة تحقيق ذلك لأنه لا يتوفر على إرادة سياسية، وهو بذلك عطل الانتقال إلى ملكية برلمانية.
من جهة أخرى، نلاحظ بأسف أن رئيس الحكومة له حساسية مفرطة تجاه  المعارضة، فعلاقته متوترة مع عدد من المؤسسات، في مقدمتها مؤسسة البرلمان، إذ أصبحت الملاسنات والمشاحنات سيدة الموقف، رغم أن الدستور  ينص على التوازن والتكامل بين المؤسسات وخول للمعارضة مكانة متميزة داخل المشهد السياسي والبرلماني، لكن رئيس الحكومة لا يتعامل مع  الدستور بشكل إيجابي،  بل نلاحظ أنه  فتح في الفترة الأخيرة جبهة جديدة للصراع مع الإعلام، فهو يعتقد أن الجميع يتآمر عليه.

 رغم ذلك، هناك من يتحدث عن إنجازات حققتها الحكومة الحالية، ما رأيكم؟
 أين هي؟ لا أرى أثرا لما تسمونه إنجازات، بل ما أراه هو ظاهرة إفلاس المؤسسات الصناعية والمقاولات في عدد من القطاعات، واستفحال معضلة البطالة وأزمة التشغيل، وازدياد الاحتقان الاجتماعي جراء الزيادات المتتالية في أسعار المحروقات والمواد الأساسية، بل إن ما نسجله هو أن عددا من الإجراءات التي تبنتها  الحكومة هي تدابير تحسب للحكومات السابقة، ومنها على سبيل المثال رفع معاشات المتقاعدين، إذ كانت  حكومة عباس الفاسي سباقة إلى إثارة وتبني إجراء الرفع منها حتى لا تقل عن 1000 درهم، كما أن تطبيق نظام التغطية الصحية الإجبارية  “راميد” يُحسب للحكومة السابقة التي قادت هذه التجربة على مستوى جهة تادلة أزيلال في مرحلة أولى وسلمت أولى البطاقات في الجهة. أما قرار الزيادة في منح الطلبة فلا يمكن الحديث عن قرار استثنائي، بل هو قرار عاد. ما أشدد عليه هو أن الحكومة لجأت إلى مُسكنات وليس قرارات تعالج الإشكاليات المطروحة في العمق وتحقق الإصلاح الحقيقي، ما يزال الجميع ينتظر الإصلاح العميق لصندوق المقاصة وأنظمة التقاعد.
إن ما وعدت به الحكومة، خاصة العدالة والتنمية الذي يقودها تحقيق نسبة نمو تصل إلى 7 في المائة، لم نر لها أثرا في الواقع، بل إن المديرة العامة لصندوق النقد الدولي، كريستين لا غارد، صرحت في الأردن أن الدول العربية مطالبة بتحقيق نسبة نمو 6 في المائة لتحريك عجلة النمو وامتصاص البطالة، ونحن لم نصل حتى إلى هذه النسبة فما بالك بـ7 في المائة.

لكن الحكومة تقول إنها تمكنت من الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية وباشرت إصلاح المقاصة؟
  الحفاظ على التوازنات الماكرو اقتصادية لا يعتبر هاجس هذه الحكومة، بل كان  الهاجس الأساسي لكل الحكومات السابقة، فهو أمر ليس بجديد، أما اليوم، فقد ازدادت المديونية الخارجية، وتفاقم العجز التجاري وأصبحت العديد من المقاولات مهددة بفعل غياب الدعم.

بادرت الحكومة بعد فاتح ماي إلى استئناف الحوار الاجتماعي؟
 هل كان هناك  حوار اجتماعي حتى يُستأنف؟  الأمر لم يتجاوز مجرد لقاءات لم ترق إلى مستوى الحوار الاجتماعي. لقد بذلت الحكومات السابقة جهودا كبيرة  في سبيل مأسسة الحوار الاجتماعي، الذي حُدد له موعدان، الأول في شتنبر والثاني في أبريل، ولكل جولة خصوصياتها  مع حضور الأطراف الثلاثة المعنية. هذا لم يحصل في التجربة الحكومية الحالية، إذ يمكن الحديث فعلا عن تعثر هذا الحوار، وهو ما تؤكده المركزيات النقابية الأساسية. القرارات التي أعلنت عنها الحكومة أخيرا خلال فاتح ماي حول الحد الأدنى للأجر كانت ارتجالية، وليس نتيجة حوار اجتماعي، وهي قرارات من شأنها أن تهدد بعض المقاولات.

 الحكومة قللت من أهمية تحرك الشارع ضد الأزمة الاجتماعية، وضد الاحتقان السائد، ما موقفكم من ذلك؟  
 لقد تظاهرت الأحزاب والنقابات وجمعيات المجتمع المدني ضد الأوضاع السائدة، وضد تراجع القدرة الشرائية وغلاء المعيشة، ولا يحق للحكومة أن تعمد إلى تصنيف هذه المسيرات الاحتجاجية من خلال الادعاء بأنها مُسيسة، فهذا السلوك ينم عن تبخيس للحركات الاجتماعية ولنضال الطبقة العاملة التي لم تبذل الحكومة جهدا في  الانخراط في  حوار جدي معها والعمل ما أمكن من أجل الإستجابة إلى مطالبها.

 مر من عمر الحكومة عامان ونصف عام وهي مدة كافية لتقييم أدائها، كيف تقدمون لنا حصيلة الحكومة؟
 لمعرفة حقيقة الأداء الحكومي تجدر الإشارة، أولا، إلى أنها رفعت شعارا أساسيا لها منذ تنصيبها وهو التخليق ومحاربة الفساد، والسؤال المطروح اليوم هو أين وصلت هذه المعركة، وما هي النتائج التي حققتها؟ لا نرى مع الأسف أي نتائج لمحاربة الفساد، بل تم تطبيق “عفا الله عما سلف”، وهي مقولة تتناقض في العمق مع الشعار المرفوع، كما أن  التأويل الديمقراطي للدستور مغيب، وهذا أيضا يؤسف له.

الاتحاد سيخرج من الأزمة

 ما هي نظرتكم إلى المستقبل في ظل الحكومة الحالية؟
 أخشى أن تزج بنا التجربة الحكومية في أزمة سياسية حادة. إن تعامل الحكومة مع المؤسسات ينبغي أن يتغير. لا يجب أن يكون التوتر مع المعارضة ومع البرلمان، مثلا، هو سيد الموقف باستمرار.  
ثم لا بد من الإشارة إلى أن أحد المخاطر المحدقة بنا يتجلى في تحكم  حركة التوحيد والإصلاح في العدالة والتنمية، فهذا شيء خطير، خاصة أن خطاب حركة التوحيد والإصلاح دعوي ديني منغلق، وهذا يطرح مخاوف كثيرة.
إن بنكيران مطالب بالتخلي عن توظيف أسلوب “العفاريت”، لأن هذه العفاريت كانت دائما موجودة، وجيوب المقاومة كانت تواجهها الحكومات السابقة، فهو ليس بالأمر الجديد، ولكن الجديد هو دستور 2011 الذي فتح آفاقا أرحب أمام المغرب للسير في طريق ملكية برلمانية، خاصة أن الملك طالب بالتأويل الديمقراطي للدستور، لكن لا شيء تحقق بفعل غياب الإرادة السياسية للحكومة ولرئيسها.

 عاش الاتحاد الاشتراكي، أخيرا، أزمة تجاوزها نسبيا، ما هو تعليقكم عن المشاكل التي عاشها منذ مؤتمره الوطني الأخير، والصراع الذي تفجر بين الفريق النيابي للحزب والقيادة؟  
 لا أريد الخوض في الشأن الداخلي للاتحاد الاشتراكي في الوقت الراهن، وأتمنى ولدي الثقة في أن يتمكن الاتحاد من الخروج من هاته الأزمة. على كل حال لم يحدث ذلك الانفجار الذي كان يتوقعه البعض بعد أزمة الفريق النيابي للحزب. عموما، لا بد أن تعمل الأحزاب السياسية على تفعيل الديمقراطية الداخلية، حتى تمنح الدليل على إرادتها وانخراطها الفعلي في السير نحو تكريس دمقرطة التدبير والخلاف.

قوة  المعارضة في تنوعها

انتقدتم أداء الحكومة لكن المعارضة نفسها توصف بأنها ضعيفة؟

 أعتقد أن المعارضة تقوم بدورها في إطار الوسائل والإمكانيات المتاحة لها، رغم أن الحكومة تسعى إلى الحد من تأثيرها، وهو ما يتجلى في تعاطيها مع المعارضة البرلمانية، حيث تُوظف أسلوب التهميش والإقصاء، وتنحو في اتجاه الهيمنة على التشريع، في تناقض  اضح مع المقتضيات الدستورية. على مستوى أداء المعارضة، لا يجب أن نطالبها بالوحدة، صحيح أنه يجب أن تتحقق نسبة معينة من التنسيق بينها، لكن قوة وغنى المعارضة في تنوعها، وليس في وحدتها، عكس ما ينبغي أن تكون عليه الحكومة التي تستمد قوتها من تناغم وانسجام مكوناتها. المعارضة بطبيعتها متنوعة، هناك معارضة ليبرالية وأخرى اشتراكية وأخرى محافظة، وإسماع كل هذه الأصوات هو الذي يشكل قوة المعارضة.

العنف مرفوض في الجامعة

عاد العنف الجامعي مجددا إلى الواجهة، في الفترة الأخيرة، ما هو تقييمكم للتعاطي الحكومي مع المسألة؟

 إن العنف مرفوض كيفما كانت طبيعته، ولكن من الأمور الخطيرة التي قررتها الحكومة التوقيع على قرار مشترك بين وزارة الداخلية والتعليم العالي يمنح الضوء الأخضر للقوات العمومية للتدخل في الحرم الجامعي دون انتظار إشارة من الجامعات. هذه مسألة خطيرة. ثم إن منح صفة شهيد إلى الطالب عبد الرحيم الحسناوي الذي ذهب ضحية العنف الجامعي، تُعتبر مسألة خطيرة أيضا، لأنه لا يمكن التعاطي مع الأمور بمنطق هذا شهيد وهذا ليس شهيدا، وإلا فسنزج بأنفسنا في التجربة التـــركيــــــــة قـــــــبـــــل ثمانينات القرن الماضي، حينما كان الصراع محتدما في الجامعة التركية وحصد أرواحا كثيرة. لا نريد أن نعيش مثل هذه التجربة المريرة.

في سطور

 ولد محمد اليازغي في 28 شتنبر 1935 بفاس
متزوج وأب لطفلين
 تقلد عدة مسؤوليات سياسية وانتخب نائبا برلمانيا للقنيطرة مابين1977 و1983 ثم ما بين 1984 و1992 .
انتخب نائبا في مجلس النواب عن دائرة الرباط-المحيط في انتخابات شتنبر 2002 .
في مارس 1998 عين وزيرا مكلفا بإعداد التراب الوطني والبيئة والتهيئة العمرانية والسكنى.
 في07 نوفمبر2002 عين وزيرا لإعداد التراب الوطني والماء والبيئة .
 في نونبر2003 انتخب اليازغي كاتبا أول لحزب الاتحاد الاشتراكي بعد إعلان عبد الرحمان اليوسفي اعتزاله العمل السياسي.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى