fbpx
مقالات الرأي

ماذا يراد بمهنة المحاماة؟

 

 

بقلم: النقيب محمد فجار

 

مع توالي الأيام ومرور الأسابيع على هذه المحنة التي لم تعرف لها مهنة المحاماة مثيلا، منذ نشأتها، أصبح الجل يطرح على نفسه هذه الأسئلة: ماذا تريد منا هذه الفئة الصغيرة التي لا يتجاوز عددها العشرات، بدعوتها المحامين إلى التوقف عن العمل ومقاطعة الجلسات وصناديق المحاكم إلى إشعار آخر؟ وماذا تبغي بدعوتها المحامين إلى الاستمرار في هذا “التوقف” وفي هذه “المقاطعة”، دون أن تحدد أمدا يصدر فيه هذا الإشعار، أو تعين أجلا ينتهي فيه هذا “التوقف”، وتنقضي فيه هذه “المقاطعة”؟ وإلى أين هي ذاهبة بنا وبمهنتنا؟ وما هي الغاية التي تريد أن تصل إليها من وراء ذلك؟”، خاصة بعد أن صار واضحا للجميع أن الذرائع التي تبرر بها ذاك “التوقف”، وتعلل بها هذه “المقاطعة”، لا تقف كلها على أساس صحيح وصلب ومتين من الواقع والقانون والمنطق كذلك، وبخاصة عندما تدخلت الفرق البرلمانية لتعديل النسخة الأصلية لمشروع قانون المالية لسنة 2023 المتعلقة بالمحامين، ووعدت الحكومة بالسعي لدى أعضاء مجلس المستشارين من أجل إضافة تعديلات أخرى تصب في ما يخدم المهنة، والتزم السيد وزير العدل بأن تصدر الصيغة الجديدة لقانون المهنة بطريقة تشاركية مع المحامين.

 

إن أي مراقب أو محلل يتابع ما فعلت بنا هذه المجموعة من أفاعيل، وما جعلتنا نتعرض له من الداني والقاصي من أقاويل، وما تسببت فيه من شق للصفوف، وما ترتب عن ذلك من تصدع بجسمنا المهني، ومس بوحدتنا وقوتنا، في وقت نحن في أمس الحاجة فيه إلى هذه الوحدة والقوة، لا شك أنه سيسجل بمداد الخزي والعار، هذه الملاحظات التالية:

1 – أن هذه المجموعة جعلتنا نتنكر للمواثيق والعهود التي قطعناها على أنفسنا مع السلطة التنفيذية بمملكتنا في أعلى مستوياتها. وذلك عندما دعتنا إلى التراجع عن الاتفاق الذي حصل بين جمعيتنا وهذه السلطة، ممثلة في ثلاث وزارات سيادة هي رئاسة الحكومة، في شخص السيد عزيز أخنوش، رئيس الحكومة، والسيد عبد اللطيف وهبي، وزير العدل، والسيد فوزي لقجع، الوزير المنتدب لدى وزارة الاقتصاد والمالية المكلف بالميزانية، رغم أننا كنا ممثلين في هذا الاتفاق بصفة قانونية بجمعيتنا وبكافة نقبائنا. حتى أصبحنا أضحوكة يتندر بها العموم عندما أصبحوا يصفوننا بأننا “دراري” نتفق مع الحكومة في الليل، ونتنكر ونتحلل من هذا الاتفاق في الصباح.

2 ــ  أنها جعلتنا لا نوقر حتى السلطة القضائية التي حضرت إلى مؤتمرنا الواحد والثلاثين المنعقد أيام 25 و26 و27 نونبر بمدينة الداخلة بالصحراء المغربية، ممثلة في شخص الأستاذ محمد عبد النباوي، الرئيس المنتدب لمجلسها الأعلى، وعدد كبير من مرافقيه، وذلك عندما وقف البعض، خلال الجلسة الافتتاحية، ليحتج على بعض عبارات وردت في كلمته لم تكن تراوح الدعوة إلى احترام القضاء، والتذكير بما جاء في خطاب جلالة الملك الموجه إلى المحامين من وجوب احترام الحريات وصيانة النظام العام والتشبث بالتقاليد، خاصة منه الشجاعة في التعبير عن الرأي باحترام وأدب ولطفن وأيضا الاستماع إلى الرأي المخالف بتوقير وتقدير ومقارعة الحجة بالحجة والابتعاد عن أساليب التهديد والتشهير… إلى آخر الكلمة”. ولذلك لا تعجب إذا ما فوجئت بالسيد الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، وهو لمن لا يعلم، أو لا يريد أن يعلم، شخصية تحتل مرتبة عليا في سلم درجات السلطة القضائية، بعد جلالة الملك، رئيس المجلس الأعلى للسلطة القضائية، ومهندس وباني، بهذه الصفة، استقلال السلطة القضائية عن السلطة التنفيذية، ومؤسس أركان هذا الاستقلال، وهو إلى ذلك معروف عنه حبه القوي للمهنة وتقديره وإجلاله واحترامه  الكبير للمنتسبين إليها الذين يكونون في معتقده الراسخ أسرة واحدة لا تتجزأ مع القضاة، لا تعجب إذا ما فوجئت به، وبالسيد رئيس النيابة العامة والسادة رؤساء المحاكم الابتدائية والسادة الرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف والسادة وكلاء الملك والسادة الوكلاء العامين بهذه المحاكم، كل في نطاق ما يخول له القانون من صلاحيات واختصاصات، بإعمال هذه الصلاحيات والاختصاصات، وتفعيلها، وإخراجها إلى حيز الوجود. وعندئذ، ستدرك هذه المجموعة مقدار ما سينجم عن سلوكها غير الراشد، وتصرفها غير الحكيم بالمهنة والمحامين من أشد الضرر وأبلغه. وذلك:

+ عندما ترى السادة رؤساء المحاكم الابتدائية والسادة الرؤساء الأولين لمحاكم الاستئناف، بحكم ما يخول لهم القانون، من صلاحيات في السهر على السير العادي للمحاكم التي يرأسونها، يقومون بإخلاء مداخل المحاكم وردهاتها من المحامين المرابطين بها لمنع المحامين ومرتفقي القضاء من الولوج إليها لقيام الأولين بتنفيذ التزاماتهم المهنية تجاه موكليهم، وقيام الأخيرين بقضاء حوائجهم بأنفسهم.

+ عندما ترى السادة وكلاء الملك والسادة الوكلاء العامين للملك كل في ما يخصهم، يفعلون المقتضيات الزجرية المانعة من المس بحرية عمل المحامي واستقلاله، والمقتضيات المهنية الواردة بالمادة 39 من القانون رقم 28.08 المنظم لمهنة المحاماة التي تنص على ما يأتي: “لا يجوز للمحامين في كل الأحوال أن يتفقوا، متواطئين في ما بينهم، على أن يتوقفوا، كلية، عن تقديم المساعدات الواجبة عليهم إزاء القضاء، سواء بالنسبة للجلسات أو الإجراءات”.  وحتى المقتضيات المهنية والتأديبية التي يخولها القانون للسادة الوكلاء العامين للملك من أجل تقديم ملتمسات إلى محاكم الاستئناف من أجل معاينة البطلان بقوة القانون، لكل المداولات والمقررات التي تتخذها أو تجريها الجمعية العامة، أو مجلس الهيئة خارج نطاق اختصاصهما، أو خلافا للمقتضيات القانونية، أو كان من شأنها أن تخل بالنظام العام (المادة 92 من قانون المحاماة). وهي كما هو واضح وبين، مقتضيات عامة غامضة ومجردة يمكن لهذه الجهات القضائية، أن تعتبرها مندرجا بها كل ما صدر مؤخرا عن مجالس الهيآت، وعما أطلق عليه تعسفا “جمعيات عمومية” من قرارات بشأن الدعوة إلى التوقف، كلية، عن تقديم المساعدات الواجبة عليهم إزاء القضاء، سواء بالنسبة للجلسات أو الإجراءات.

هذا دون أن نغفل أن هذه الجهات يمكن لها أن تذهب بعيدا وتعتبرها افعالا من شأنها أن تخل بالنظام العام”. وكلنا يعلم ما يمكن لا قدر الله، أن ينجم عن هذه العبارة المشؤومة؛ عبارة: “كل ما من شأنه” من أوخم الآثار وأسوء العواقب على المحاماة وعلى المحامين.

3 ــ أنها جعلتنا كذلك لا نوقر حتى قيدومي المهنة من رؤساء جمعيتنا، ونقباء، وأعضاء مجالس سابقين، ومحامين قدامى. وذلك عندما أخذت تنعتهم بخدام المخزن وبالمنبطحين، وبغير ذلك من النعوت الشبيهة الجاهزة التي اعتاد بعض المنتمين إلى تلك المجموعة أن يصفوا بها من يعتبرونهم خصوما لهم لمجرد أنه يخالفونهم في الرأي، ولا يتفقون معهم فيه.

4 ــ أن هذا التصرف والسلوك من جانبها لم يقتصر على الحكومة والسلطة القضائية وعلى قيدومي المحامين، بل امتد ليشمل حتى الأغلبية الغالبة الصامتة من المحامين. وذلك عندما اختارت هذه المجموعة بعض المحامين “المتفرغين” للمرابطة بمداخل المحاكم وبردهاتها، لمنع كافة المحامين بدون استثناء من القيام بواجباتهم المهنية تجاه موكليهم، مستعملين في ذلك أساليب العنف اللفظي وما يشبهه. لا يفرقون في هذا المنع والمعاملة السيئة بين نقيب وعضو ومحام. ولذلك لا تعجب إذا ما لاحظت أن عددا من هؤلاء القيدومين أخذ يتمرد ضد “قرارات” هذه المجموعة، وينتفض ضدها، ويعلن كتابة وجهارا عن موقفه المعارض لها. بعد أن كان يفضل ألا يقوم بذلك، إما ترفعا واستحياء، وإما خوفا من رد فعل أفراد هذه المجموعة.

5 ــ أن هذا التصرف والسلوك من جانبها لا يقتصر أثره السلبي فقط على علاقات المحامين بالسلطات التنفيذية والقضائية والموكلين، بل ويمتد كذلك إلى علاقاتنا مع مرتفقي العدالة كذلك، بما ينتج عن التوقف والمقاطعة ومنعهم من الدخول إلى المحاكم، من مس بحقهم في الولوج إلى العدالة الذي هو، كما هو معروف، حق من حقوق الإنسان، كما هي متعارف عليها دوليا. ولذلك لا تعجب إذا ما فوجئت غدا أو بعد غد، بأن هؤلاء المرتفقين، وحتى الموكلين يرفعون بنا شكايات أو يقيمون ضدنا دعاوى أمام المحاكم من أجل المطالبة بما قد تنجم لهم من أضرار بسبب هذه التوقف والمقاطعة والمنع. علما بأن ذلك التأمين عن المسؤولية ذي سقف التغطية الهزيل، لا يمكن أن ينعنا في جبر هذه الأضرار بسبب أن الأفعال المتسببة فيها تدخل في خانة أفعال التعدي العمدية، ولا تندرج ضمن الأخطاء غير العمدية التي يشملها وحدها ضمان شركات التأمين.

6 –  أن الأفراد القلائل المكونين لهذه المجموعة قد لا يعلمون أن المحاماة بما تشكله من رسالة سامية من أجل الدفاع عن الحقوق والحريات، تشكل في واقع الأمر وحقيقته مرفقا عاما من مرافق الدولة، تنازلت عنه لفائدتنا من أجل القيام به والاضطلاع به عوضا عنها، تحت مراقبة ووصاية النيابة العامة، في نطاق ما يشبه نظرية امتياز تسيير المرفق العمومي، وهو ما جعل الاختصاص بالنظر في المنازعات المهنية من اختصاص الغرفة الإدارية بمحكمة النقض. وأن كل إخلال منا بهذا الاستخلاف، يمكن أن يؤدي إلى سحب هذه المسؤولية عنا، والعهد بها إلى من ترى السلطات العمومية أنه أجدر في نظرها بالقيام بها على أحسن وجه.

كما أنه لن يفوت ذاك المراقب والمحلل أن يقف بسهولة ويسر، على عدة حقائق من بينها:

أولا: أن هذه المجموعة المتكونة في أغلبها من محامين حديثي العهد بالالتحاق بالمهنة، تستند في ما يصدر عنها من سلوك منافي للتقاليد والأعراف، ومن تصرفات مخالفة للقانون، إلى “شرعية تمثيلية” تزعم أنها تستمدها من “الجمعيات العمومية”، تقصد كافة المحامين الرسميين المكونين لكل هيأة من هيآت المحامين السبعة عشر. مع أن هذه “الجمعيات العمومية”، ولم أدر لم حضرتني الآن فكرة: “أكثر ما افتري على الجمعية العمومية للأمم المتحدة، ونسب إليها من قرارات لم تكن صادرة عن إرادة حرة ومستقلة لجميع الدول المكونة لها”. أغلبها، إن لم أقل كلها، منها براء. والدلائل والآيات على ذلك كثيرة ومتعددة، من بينها:

1 – أن كل هذه “الجمعيات العمومية” كانت تنعقد بصفة استثنائية، دون أن تكون متوفرة فيها شروط صحة هذا الانعقاد. ومن بين هذه الشروط، أن يتم انعقادها استجابة لطلب ثلث الأعضاء المسجلين بالجدول، وينبغي أن يكون هذا الطلب متضمنا جدول أعمال محدد. وأن يحصل ذلك خلال شهر على أبعد تقدير من تاريخ التوصل بالطلب، وبعد موافقة المجلس على جدول الأعمال المقترح. واستدعاء النقيب جميع المحامين المقيدين بالجدول إليها، والتأكد من توفر النصاب القانوني المتطلب لانعقادها.

فهل توصل السادة النقباء الذين دعوا إلى عقد هذه “الجمعيات العمومية” الاستثنائية بطلب من أغلبية الثلث على الأقل من المحامين الرسميين، يتضمن الدعوة إلى عقدها؟، وهل كان هذا الطلب متضمنا جدول أعمال محدد صادقت عليه مجالس الهيآت؟ وهل تم احترام أجل الشهر الذي منحته الأنظمة الداخلية لهيآت المحامين المنتمين إليها من أجل دراسة النقطة أو النقط المدرجة بجدول الأعمال والتهييء والاستعداد الفني والعلمي والقانوني لمناقشتها وإبداء الرأي فيها؟ وهل وجهت الاستدعاءات إلى كافة المحامين المقيدين بالجدول من أجل الحضور إليها؟، وتوفر النصاب المتطلب قانونا لانعقادها؛ وهو الأغلبية المطلقة للأعضاء المسجلين بالجدول في الاجتماع الأول، والمحامون المسجلون بالجدول الحاضرون مهما كان عددهم بالنسبة للاجتماع الثاني الذي حددت له الأنظمة الداخلية مدة أسبوع بعد ذلك.

أكيد أن شيئا من ذلك لم يحدث. وهكذا فلا السادة النقباء الذين دعوا إلى انعقاد هذه “الجمعيات العمومية” الاستثنائية، توصلوا من ثلث المحامين المقيدين بالجدول على الأقل، بطلب من أجل انعقادها يتضمن جدول أعمال معين ومحدد، ولا مجالس الهيئات صادقت على هذه الطلبات، ولا هذه الجمعيات احترمت أجل الشهر القانوني لانعقادها، ولا أوراق الحضور وتوقيعات الحاضرين المفروض أن تتضمنها، ومحاضر اجتماعات هذه الجمعيات العمومية تضمنت ما يفيد توفر النصاب القانوني المتطلب لانعقادها.

2 – أن هذه “الجمعيات العمومية” الاستثنائية، كما تدل على ذلك الصور والربورتاجات المتعلقة بها، كانت تحضر إليها فقط فئة قليلة من المحامين المتفرغين أو المبتدئين، وأن عددا كبيرا من المحامين القدامى المنتمين إلى هذه الهيآت، لم يحضر إلى هذه “الجمعيات العمومية”، ولم يشارك فيها. وذلك يعود بالأساس إلى أنه إما أنه لا يوافق على مبدأ انعقادها، أو أنه لا يوافق على النتائج المعلنة المعروفة مسبقا التي ستخرج بها هذه الجمعيات بعد “مداولاتها” في شأن النقطة الوحيدة المدرجة بها من قبل الداعين إلى انعقادها.

3 – أن التصويت فيها لم يكن بواسطة أوراق معدة سلفا، وإنما كان يتم بواسطة التصفيقات للتعبير عن الرضى، أو بالصفير للتعبير عن السخط. وكثيرا ما كان التصويت عن التوقف والمقاطعة يتم فقط عن طريق التصفيق مثلما حصل لمناسبة انعقاد مجالس هيآت المحامين بالمغرب المنعقد مؤخرا في “ضيافة” هيأة المحامين بالدار البيضاء، الذي صوت فيه عن طريق التصفيق حتى ممن لم يكن عضوا فيه، أو حضر أو أستحضر من أجل القيام بذلك.

4 – أن الإعلان عما أسفرت عنه اجتماعات هذه “الجمعيات العمومية” الاستثنائية، من نتائج لم يتم تبليغه لا إلى المحامين المنتمين إليها، ولا إلى الوكلاء العامين للملك لدى محاكم الاستئناف التي توجد بدائرة نفوذها هيآت المحامين الداعية إلى انعقادها، وإنما صدر في شكل “بلاغات” تم نشرها بوسائل التواصل الاجتماعي، وكأننا نخوض معاركا ، ولا “نناضل” من أجل تحقيق مطالب.

 

وبعد، فهذه مجرد خواطر عنت لي بسبب هذه المحنة التي يجتازها المحامون، وتمر بها مهنة المحاماة ببلادنا، حتى أوصلتها إلى ما دون الحضيض، يعلم الله أني لم أقصد بها سوى التبليغ والتنبيه ما استطعت، لعل حالنا أن يصعد فقط إلى الحضيض، اما أن يعود حالنا إلى ما كان عليه في الستينات والسبعينات وحتى الثمانينات والتسعينات، أيام عزة وشموخ هذه المهنة، عندما لم يكن يلج إليها إلا المثقفون الكبار والمناضلون والحقوقيون الأفذاذ، فقد أصبح من سابع أو ثامن أو تاسع المستحيلات لا أدري عددها.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى