fbpx
حوادث

محلات تدليك … الاتجار في البشر

مسيروها استباحوا أجساد شابات وقاصرات وجنايات تلف أعناقهم

لم تعد الدعارة وتجارة الجسد مقتصرة على شكلها التقليدي بمحلات معدة للرثة والراقية منها بأحياء أو مدن اشتهرت بها، بل تطورت تدريجيا لتمتد لفضاءات خاصة لاستقطاب زبناء اللذة، مفتوحة للعموم أو مغلفة بستار نشاط تمويهي، على غرار محلات تدليك تخفي حقيقة الفتك بالأجساد واستغلالها للكسب الوفير. تفكيك ومحاكمة شبكة فاس، فضحا ما أخفته بنايات عن عيون المراقبة، من استغلال بشع لفقر فتيات وحاجتهن للمال والعمل، للرمي بهن في أحضان زبناء مبتلين بالفساد واستتروا بغرف تدليك مجهزة لغير الاستحمام. لم يخترن الدعارة، بل أجبرن عليها من قبل مالكي ومسيري محلات “صبا” تاجروا فيهن.

إعداد: حميد الأبيض (فاس)

شرعت غرفة الجنايات الابتدائية باستئنافية فاس، صباح الاثنين الماضي، في محاكمة هذه الشبكة الأضخم في ملفين جنائيين ضما لبعضهما، بعدما عينا أمامها بعد جلسات طويلة من التحقيق التفصيلي. في أول جلسة لم تتيسر مناقشتهما المؤجلة إلى 14 نونبر المقبل، لتمكين أفرادها من إعداد دفاعهم والاطلاع.
18 متهما من الجنسين تابعهم قاضي التحقيق في الغرفة الثالثة، بتهم “هتك عرض قاصر بالعنف وحيازة واستهلاك المخدرات وتسهيل استعمالها للغير والفساد والاتجار بالبشر تجاه طفل يقل سنه عن 18 سنة”، بعدما كشفت الأبحاث استعمال أصحاب تلك المحلات لقاصروفتيات وإجبارهن على الرضوخ لطلباتهم.
28 شخصا أغلبهم فتيات، استدعوا شهودا وإحداهن فقط انتصبت طرفا مدنيا وتنتظر جبر ضررها بعد إرغامها على تلبية نزوات زبناء محل قصدته طمعا في عمل ومدخول لإعانة عائلتها، لتجد نفسها أسيرة جدران حاجبة لمعاناتها ومتحكما في علاقتها بوافد راغب في الاستمتاع بجسدها بمقابل نصيبها فيه قليل.
أغلب الضحايا تعرضن لما طال هذه الفتاة من استغلال جنسي ومادي بشع بعدما وجدن أنفسهن في “قبضة” أصحاب ومسيري 6 محلات تدليك أغروهن بالعمل وحولوا أجسادهن رأسمالا يدر عليهم أموالا طائلة عبر ما يقدمنه من خدمات جنسية، مستغلين حاجتهن ووضعيتهن الاجتماعية الصعبة والمزرية.

لماذا الاتجار بالبشر؟
كشف التحقيق أن فتيات ضبطن بمحلات للتدليك، لم يخترن طواعية الانغماس في الدعارة وأجبرن عليها بوسائل مختلفة، بما فيها التغرير والاحتيال والتهديد والاحتجاز والتحكم في تنقلهن وإكراههن واستغلال ضعفهن لتسخيرهن لإرضاء زبناء اللذة للحصول على منافع ومداخيل لا حق لهن إلا في القليل منها.
واقتنع قاضي التحقيق بعد استكمال أبحاثه أن متهمين أجبروهن على ذلك وغيره ولم يفتحوا تلك المحلات للدعارة فقط، بل تاجروا بالفتيات بمن فيهن القاصر، بعدما سيطروا عليهن وأوهموهن واستعبدوهن بأشكال مختلفة ومتنوعة، مستغلين ضعفهن للحصول على أرباح مالية، ودون رضاهن أو قبولهن.
من شهاداتهن في البحث التمهيدي والتحقيق، يتضح أنهن لم يكتفين بتدليك الزبناء، بل يكرهن على إقامة علاقة جنسية معه حسب الطلب ودرجة سخاء الزبون مقابل مبالغ مالية تتراوح بين 200 درهم إلى 300، وإذا رفضن طردن أو تعرضن للابتزاز، وقد لا يسلمن من الاعتداء الجسدي والتعذيب النفسي.
إحداهن أسرت أنها اضطرت لارتداء لعبة جنسية وممارسة الجنس مع زبون، إرضاء له وخوفا من مسيرة المحل التي عادة ما تعرض صورا خاصة للفتيات على الزبناء، لاختيار الأحلى والأنسب لعلاقة جنسية قد تكره فيها على تلبية الشاذة منها واستهلاك الأقراص المهلوسة والمخدرات التي حجزت كمية منها.

ممارسات شاذة
الزبناء يستقطبون بإعلانات إشهارية بمواقع تواصل اجتماعية أو بشكل مباشر وعن طريق علاقات مسيرة المحل. وكلهم يؤدون 250 درهما للتدليك و150 درهما للاستحمام وما بين 100 درهم و300 نظير خدمات جنسية تختلف حسب الرغبة وتتوزع بين الجنس الفموي ووضعيات جنسية أخرى فيها الشاذة.
جل المضبوطات بالمحلات الستة، أقررن باضطرارهن لإقامة علاقات جنسية متعددة مقابل مبالغ متفاوتة يستحوذ صاحب الحمام على حصة الأسد منها، ويقتطع منه ثمن مواد التجميل والأوقية الذكرية ونظافة غرف إيوائهن وتغذيتهن وما يوفر لهن من سجائر ونرجيلة، ليقتسم الباقي بينها ومستقطبتها للعمل.
لا حق لأي واحدة منهن في الرفض ولو تعلق الأمر بممارسة جنسية شاذة أو استعمال الأعضاء الجنسية الاصطناعية الذكرية التي عادة ما يرغمن على استعمالها مع الشواذ. ونسبة كبيرة منهن فكرن في الابتعاد عن مزاولة هذا النشاط، إلا أنهن “حرمن من حريتهن وأهدرت كرامتهن الإنسانية واستحوذ عليهن نفسيا”.
“المسيرة تفرض علينا ممارسة الجنس بالتهديد مع ممارسات شاذة وليس لنا حق الاعتراض على أي طلب كيفما كان نوعه، ولو كانت الممارسة حاطة بالكرامة والإنسانية” تحكي ضحية في شهادتها، مضيفة في تصريحاتها “المهم بالنسبة لها جني المال، وتفرض على بعضهن ممارسة الجنس في الدورة الشهرية”.
الإساءة وسوء المعاملة وأنواع السب والشتم وإهدار الكرامة، شيء مألوف كما يستشف ذلك من شهادات ضحايا رمت بهن ظروفهن المادية الصعبة، إلى محلات كل شيء فيها مباح ومتاح في غفلة من الكل، قبل دخول الفرقة الجهوية للشرطة القضائية بولاية أمن فاس التي أوقفت 33 شخصا من داخل المحلات.

تزايد عدد الملفات
في هذا الملف الأضخم انكشفت ظروف تحول المتابعة من جنحة دعارة إلى جناية اتجار بالبشر، كما في ملفات أخرى يتزايد عددها على غرار اتهام برلماني تجمعي جار التحقيق معه بالجناية نفسها وتهم أخرى، بعدما قضى قاضي التحقيق بابتدائية فاس بعدم الاختصاص النوعي بعد أسابيع طويلة من البحث.
خرجة مناضلة تجمعية في فيديوهات، فضحت المستور وجرته للمساءلة القانونية في واحد من أكبر ملفات الاتجار بالبشر التي تبت جنايات فاس في الكثير منها، بما فيها واحد متعلق بشبكة استغلت قاصرات جنسيا وصورتهن في أشرطة فيديو إباحية أرسلتها لمجهول بالخارج لبثها في مواقع إباحية مختصة.
من غريب الصدف أن البت في ملفي هذه الشبكة لمحاكمة فتاتين قاصرين و5 متهمين، تزامن مع ذاك ل”شبكة الصبا”، إذ أجلت غرفة الجنايات الابتدائية مناقشتهما إلى 7 نونبر المقبل لاستدعاء ضحيتين، بعد متابعتهم بتهم بينها “الاتجار بالبشر بصفة اعتيادية ضد قاصرين وفي إطار عابر للحدود الوطنية”.

ضرورة نسخ نصوص الدعارة
قال خالد البقالي، محام بهيأة فاس، إن تنظيم جريمة الاتجار بالبشر جاء ضمن مقتضيات القانون رقم 27.14 المتعلق بمكافحة الاتجار بالبشر الصادر بتاريخ 25 غشت 2016 والذي يستعرض مجموعة من الحالات التي تتحقق من خلالها هذه الجريمة.
وأكد أن الاستغلال الجنسي طبقا للفصل 1- 448 من القانون الجنائي، سيما استغلال دعارة الغير وعن طريق المواد الإباحية بما في ذلك وسائل التواصل عن بعد، لا يتحقق إلا إذا ترتب عنه سلب إرادة الشخص وحرمانه من حرية تغيير وضعه وإهدار كرامته بأي وسيلة كانت ولو تلقى مقابلا أو أجرا عن ذلك.
وأوضح أن العقوبة المقررة لهذه الجريمة تختلف حسب الحالات ودرجة توفر عناصر التشديد وتصل إلى السجن المؤبد. وأكد أن الاستغلال الجنسي يتشابه باعتباره صورة من صور الاتجار بالبشر، بجريمة الدعارة، على اعتبار أنه يمكن تعريف هذه الأخيرة بأنها تقديم خدمات لإشباع الغريزة الجنسية بمقابل غالبا ما يكون ماديا، إذ تنتشر بشكل علني في دول معينة تسمح أنظمتها بذلك بعد تقنين ممارستها، في حين تمارس سرا في بلدان أخرى لا تسمح أنظمتها بهذا النوع من الممارسات وتعتبرها جريمة يعاقب عليها القانون.
وتجد الدعارة إطارها القانوني في القانون المغربي، حسب البقالي،  في الفصل 497 وما يليه من القانون الجنائي ويتغير وصف الجريمة من جنحة إلى جناية في حال ارتكابها ضد قاصر أو في إطار عصابة إجرامية، أو إذا ارتكبت في إطار التعذيب أو أعمال وحشية، حيث تصل العقوبة للسجن المؤبد حسب مقتضيات الفصل  2- 499  من القانون الجنائي.  
وبغض النظر عن وصف الجريمتين، فإن “التمييز بينهما يكمن في التحقق من مدى توفر إرادة الشخص المتعاطي للبغاء والدعارة”، يؤكد البقالي، إذ “في جريمة الاتجار بالبشر تنعدم إرادة الشخص ويكون مرتكب الجريمة مستغلا لضعفه وحاجته  وهشاشته عن طريق الإكراه  والتأثير على الضحية وسلب اختياره وجعله يقوم بأعمال رغما عن إرادته وإهدار كرامته الإنسانية”.
ويؤكد أنه “ما يمكن قوله في هذا الشأن أنه كان حريا بالمشرع المغربي نسخ النصوص المتعلقة بالدعارة والاكتفاء بالنصوص المعاقبة على جريمة الاتجار بالبشر”، على اعتبار “أنه لا يمكن تصور توفر إرادة  كاملة للشخص الذي يتعاطى للدعارة اضطرارا وكرها عنه معرضا نفسه للاستغلال الجنسي نتيجة مجموعة من العوامل الاجتماعية أساسها الفقر والهشاشة”.

الصرامة لتحقيق الردع العام والخاص
انشغل رواد مواقع التواصل الاجتماعي بمختلف ملفات الاتجار بالبشر. وتفاعلوا بأعداد متفاوتة، سيما مع تطورات شبكة محلات التدليك وتصوير قاصرات في أوضاع مخلة وبيع فيديوهاتهن لمجهول بالخارج. وتفرقوا بين مشدد على العقاب لتحقيق الردع العام والخاص، ومحمل للضحايا جزءا من المسؤولية.
“للأسف الظاهرة تكشف استغلال الفقراء والمعوزين بمساعدة الفقراء أنفسهم. الفقر فقر العقل والبصيرة، فأين نحن من الحرص على سلامة الغير واحترامه وعدم استغلاله؟” يقول مدون بمرارة ختمها بقوله “الحياة لا تطاق والإنسان لما تحركه غريزة حيوانية في غياب الضمير، فيصبح كل شيء حلالا ومباحا ومتاحا”.
ويؤكد آخر أن الأمر يفرض صرامة إضافية لحماية الفتيات، سيما القاصرات، من الاستغلال الجنسي من قبل أفراد أو شبكات تستغل ظروفهن الاجتماعية الصعبة والمزرية وتحولهن أداة للمتعة في أيدي باحثين عن اللذة، لتحقيق أرباح خيالية، إن في محلات التدليك أو عبر تصوير لقطات إباحية وبيعها.
“حمامات التدليك يجب أن تراقب وباستمرار كي لا يبقى بعضها فضاء للدعارة والاستغلال الجنسي والمادي لفتيات ارتمين في حضن الدعارة عن طواعية أو مكرهات”، يؤكد متفاعل معه استغرب صمت السلطات عن محلات غير مرخصة، طيلة المدة التي سبقت مداهمتها من قبل المصالح الأمنية.


اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *


زر الذهاب إلى الأعلى