أســــــرة

أوزي: الضرب لا يمكن أن يكون أسلوبا صحيا للتربية

أستاذ علم النفس التربوي اعتبر خطأ الأطفال من أهم الوسائل البيداغوجية للتعلم

نفى الدكتور أحمد أوزي، أستاذ علم النفس التربوي بكلية علوم التربية بالرباط، أن يكون الضرب أو العنف بأي شكل إيجابيا في تربية الطفل. وأضاف أوزي في حواره مع”الصباح”، أن أبرز الأخطاء التي يرتكبها الآباء في التربية تتمثل في الشدة الزائدة أو الحماية المفرطة أو عدم تقدير الطفل والاستماع إليه.

ما هي أبرز الأخطاء الشائعة التي يرتكبها الآباء المغاربة في تربية أبنائهم؟
من الصعب جرد وإحصاء أبرز الأخطاء التي يرتكبها بعض الآباء المغاربة في حق أبنائهم خلال عملية تنشئتهم وتربيتهم، وإن كانت في الواقع أخطاء غير مقصودة. إذ من طبيعة الآباء الحقيقيين والأسوياء أن لا يسيئوا إلى أبنائهم بكيفية شعورية على الأقل، غير أن أبرز الأخطاء التي يمكن أن تصدر في بعض المناسبات عن مثل هؤلاء الآباء تتمثل أساسا في الحماية المفرطة في التعامل معهم، مما يخنق شخصية الأطفال ولا يترك لهم فرص التدريب على الاستقلال والاعتماد على النفس. أما الأسلوب الخاطئ الثاني الذي يلجأ إليه الآباء هو الشدة وعدم التساهل في معاملة الأطفال، وبالتالي يحملونهم ما يفوق طاقتهم، خاصة أنهم في سن لا تزال فيها شخصيتهم غضة وتحتاج إلى الرأفة بها. وكثيرا ما يؤدي أسلوب الشدة هذا إلى تعليم الطفل الكذب وأسلوب المخاتلة حتى لا يتعرض إلى العنف والنبذ من جانبهم.
 الخطأ الآخر الذي يرتكبه الآباء هو عدم احترام الطفل وتقديره في ذاته، وعدم الإصغاء إليه والإجابة على أسئلته حتى يستطيع أن يكون مفهوما إيجابيا عن ذاته بشكل يجعله يثق في نفسه وفي كفاياته وقدراته حتى يستطيع أن يعمل وينتج ويبادر، مما يحرمه من المعرفة التي تنير له العديد من المجالات وتفتح أمامه فضاءات معرفية تنمي قدراته العقلية.

هل صحيح أن الضرب قد يكون إيجابيا في تربية الطفل في بعض الأحيان؟
لم يكن الضرب في أي وقت من الأوقات أو موقف من المواقف التي يوجد فيها الطفل أسلوبا مناسبا لتربيته تربية سليمة. فالطفل يأتي إلى هذا العالم دون أن يميز بين ما هو صواب وما هو خطأ، ومن ثمة، فهو سيخطئ قطعا، ومن خطئه يستطيع أن يتعلم، إذا قمنا بإرشاده وتوجيهه. فلا يعقل أن ننزل العقاب بالطفل وهو غير مدرك لكيفية التصرف في الموقف الذي نعتبر قيامه به خطأ. إنني أعيب على كثير من الأشخاص الذين يضربون الطفل دون أن يدرك سبب ضربه. ثم إن الضرب غير مقبول حتى بالنسبة إلى الحيوانات، فما بالك بالنسبة إلى الإنسان. إن العقاب البدني للطفل بضربه على وجهه يترك آلاما وخدوشا نفسية في شخصيته تقلل من قيمته الإنسانية وتشعره بالخجل والدونية التي تعوق نضجه وتفتح شخصيته. وينبغي أن تكون القدوة الحسنة أفضل معلم للطفل، إذ كثيرا ما نعاقب الطفل ونحاسبه على أشياء نرتكبها نحن أمامه ولا نحاسب أنفسنا على القيام بها، بقدر ما نحاسبه هو عليها.
إلى أي حد يمكن أن يكون تأثير العنف سلبيا على الطفل؟
 يعتبر العنف أسلوبا سلبيا غير لائق في تربية الطفل وتكوين شخصيته السوية، لأنه يعني الشدة والقسوة والاحتكام إلى السلوك الغريزي البعيد عن الحكمة والروية في إعمال الفكر، في حين أن الطفل رقيق بطبعه وينتظر منا المحبة والشفقة والرحمة حتى يستطيع أن ينمو في مناخ إنساني رؤوف ورحيم بضعفه حتى ينمو ويشتد عوده، وبالتالي يستطيع بدوره عندما يكبر أن يعيد إنتاج مثل هذا السلوك الذي مورس عليه عندما كان طفلا.

ما هو البديل الصحي للآباء لمعاقبة أبنائهم عند الخطأ بدلا من الضرب؟
هناك العديد من البدائل، وذلك حسب مرحلة النمو التي يوجد فيها الطفل، وحسب ميوله ورغباته، وحسب الظرف الذي ارتكب فيه الخطأ. الخطأ غدا اليوم طريقا ووسيلة بيداغوجية هامة، لأنه ليس سوى تعبير عن اختلاف بين قيمة ملاحظة صادرة من المربي وبين قيمة حقيقية مرغوب فيها. وينبغي النظر إلى الخطأ نظرة إيجابية في طريق اكتساب الطفل للمبادئ والقواعد التي نرغبه أن يتعلمها، فلا ينبغي للآباء أن يعاتبوا الطفل أو يعاقبوه على خطئه، فالطفل الذي لا يخطئ لا يمكنه أن يتعلم. العالم الكبير باشلار يعترف بالقيمة العلمية للخطأ باعتباره لحظة أساسية في البناء العلمي للمعرفة، ذلك أن المسار التاريخي للفكر يتشكل من أخطاء مصححة، أخطاء تم استبعادها بشكل تدريجي.

هل تؤيد الفكرة القائلة بضرورة تقسيم الأدوار في التربية بين الأب والأم؟ وما هو الدور الذي يجب أن يضطلع به كل منهما؟
المسألة في التربية الأسرية السوية للطفل لا تتعلق بتقسيم الأدوار بين الأبوين، لأن الطبيعة جعلت لكل واحد منهما دورا معينا ينبغي الاضطلاع به، ولا يستطيع الآخر القيام به بدله، وإن حاول ذلك أخطأ.إن الدور الرئيس للأم في تربية الطفل وتكوين شخصيته هو أن تمنحه الحب الضروري، وهو غذاء عاطفي أساسي يساعده على الشعور بالأمن والأمان الضروريين لنموه ونضجه السوي. فالحب أهم ما ينبغي أن يميز علاقة الطفل بأمه، ويؤدي حرمان الطفل من أمه وعلاقته بها إلى شل عواطفه وإحداث اضطراب في سلوكه العاطفي في المستقبل. ولا يعني مجرد حضور الأم مع الطفل أنها تشبع حاجاته الوجدانية، وإنما لا بد أن تقوم بوظيفتها  التي تغذي بموجبها الجانب العاطفي للطفل، الذي هو مكون هام إلى جانب المكون الجسمي والعقلي التي تشكل في مجموعها الركائز الأساسية لشخصية الطفل. كما يجب أن تتحلى بدورها بقدر من السلطة الرادعة لطفلها، شرط ألا تكون مساوية لمقدار الحب الذي ينبغي أن تتحلى به وأن تمنحه إياه.
أما الدور الذي يضطلع به الأب في تربية الطفل فلا يمكن قياسه بالمدة الزمنية التي يقضيها مع ابنه، وإنما يقاس بقيمة ما يمده به من أسس  ومبادئ أساسية في تكوين  شخصيته. فوجود الأب في حياة الطفل يؤدي إلى ردعه ومعرفة حقوقه وواجباته ومسؤوليته مستقبلا، وحرمانه الطفل من الأب قد يضعف لديه قوة الضمير وسلطته والاستخفاف بالقوانين والمبادئ ما لم يكن هناك بديل له وفي مستواه، وهو أمر متعذر في كثير من الأحيان. وقد بينت العديد من الدراسات أن المنحرفين الصغار هم أطفال حرموا من السلطة الأبوية ولم ينم لديهم في تركيبة شخصيتهم الجزء المسؤول عن المحاسبة والمراقبة والتمييز بين ما هو مقبول وما هو مرفوض.
أجرت الحوار: صفاء النوينو

اظهر المزيد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى
إغلاق
إغلاق